تسجيل الدخولتراجع فارس خطوة إلى الخلف، كأن كلماتها أصابته في صدره مباشرة. ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، وعيناه تمتلئان بذهول لم يستطع إخفاءه. خرج صوته أخيرًا منخفضًا، لكنه مثقل بجرحٍ لم يعرفه من قبل. — ألهذه الدرجة... كنتِ تتمنين أن يموت؟ ابتلعت ليان غصتها، بينما أكمل فارس وهو يهز رأسه ببطء وكأنه يرفض تصديق ما سمعه. — ذلك الطفل... ليس ذنبًا اقترفناه حتى نحكم عليه بالموت قبل أن يرى النور. إنه قطعة منكِ... وقطعة مني. كيف استطعتِ أن تحملي هذا القرار وحدك ، دون أن تمنحيني حتى حق أن أعرف بوجوده؟ ارتعشت شفتاها، لكنها لم تُخفض عينيها هذه المرة. اعتدلت بصعوبة فوق الفراش، وضغطت بكفها على بطنها، ثم قالت بصوت متحشرج اختلط فيه البكاء بالقهر: — أنا لا أكره طفلنا يا فارس... توقفت لحظة تحاول التقاط أنفاسها ، ثم انفجرت الكلمات دفعة واحدة. — أقسم لك أنني لم أكرهه منذ عرفت بوجوده... لكنني أكره المصير الذي ينتظره. لن أُنجب طفلًا يفتح عينيه على عالم يخبره منذ ولادته أنه غير شرعي. لن أجعله يعيش عمره كله يختبئ خلف الجدران لأن والده يخشى المجتمع. و لن أكون المرأة التي تزورها سر
تحركت خطوات فارس داخل الغرفة الباردة وكأنه يسير في جنازة أمنياته. أغلق الباب خلفه برفق شديد، متمنياً لو يغلق معه صخب العالم الخارجي بأكمله. كانت ليان ممددة على الفراش البسيط، وجهها شاحب كقطعة قماش بيضاء ، وخصلات شعرها السوداء الطويله مبعثرة على الوسادة، كانت ليان تبدو ضئيلة وضائعة وسط الأغطية الثقيلة.جلس فارس على المقعد الخشبي المحاذي لسريرها، و ظل ينظر إلى ملامحها المسترخية بفعل الإعياء لعدة ساعات دون أن يرمش له جفن. كانت أنفاسها الضعيفة هي الصوت الوحيد الذي يكسر صمت المكان . في تلك الساعات، مرت أمامه كل الذكريات؛ ضحكاتها الخجولة في ممرات القصر، و تلك اللحظات السرية التي جمعتهما في منزلهم وكيف كان يهرب بنظراته عنها خوفاً من عيون النبلاء والمجتمع. كيف لم يحارب من اجل حبهم ومع اقتراب الفجر، وبدافع من لوعة الفقد والندم، امتدت يده المرتجفة ببطء شديد، ووضع كفه برفق فوق بطنها المستوي. . هناك حيث يقبع طفلهما الذي لم يرى النور بعد . في تلك اللحظة، انفرط عقد صمته، وهوت دموعه الساخنة لتسقط على غطاء الفراش، واهتز كتفاه بنحيب مكتوم و انحنى رأسه فوق ي
تصلب فارس الكيلاني في مكانه بالكامل، وكأن الجدران الحجرية للممر الضيق أطبقت على صدره لتخنق أنفاسه. ضربت الكلمات عقله كالصاعقة المدوية التي شلت كيانه الأرستقراطي؛ جنين؟ إجهاض ؟ طفله هو و ليان ؟ أحس برعدة حقيقية تسري في أوصاله تراجع الطبيب مغادرا المكان في صمت ليتركه وحيدا يواجه حطام أفعاله .بينما التفت الفارس بكامل غضبه الشديد وزلزال صدمته نحو "زينة" التي كانت تقف عند نهاية الممر ، تستند إلى الجدار الخشبي وعلامات الإرهاق الشديد والوجوم تكسو وجهها الشاحب . تقدم نحوها بخطوات سريعة، وعنيفة، وقاطعة، وقبض على ذراعها بقوة تملكية حادة وهو يهمس بصوت يرتجف من شدة القهر والغضب العاصف الذي بح حنجرته:— طفل؟! ليان كانت تحمل طفلي وأنتِ أخذتِها لقتله؟! كيف تجرأتِ على فعل هذا بها وبابني؟! لقد كنت أظنكِ تحمين خطى أقدامها فإذا بكِ بقسوتِكِ تقودينها إلى الموت وتتآمرين على دمي! لم تحاول زينة تحرير ذراعها من قبضته الحديدية القوية، ولم تظهر أي خوف أو تراجع من ثورته الجارفة؛ بل رفعت رأسها بثبات، ونظرت إلى عينيه الصقريتين مباشرة بنظرة عاتبة، باردة، ومليئة با
توقفت العربة بعنف أمام بيت زينة، حتى كادت الخيول تنتصب على قوائمها الخلفية من شدة اندفاعها. ما إن فُتح الباب حتى قفز فارسُ إلى الأرض، وتبعه الطبيب وهو يحاول مجاراة خطواته المتسارعة. دخل المنزل كالإعصار لم يلقِ التحية. ولم ينظر إلى أحد. كل ما كان يراه أمامه هو وجه ليان الشاحب . شق الرواق بخطوات سريعة، حتى وصل إلى الغرفة. وما إن وقعت عيناه عليها... حتى شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه. كانت مستلقية فوق الفراش بلا حراك. وجهها شاحب إلى حدٍ الموت . وشفتاها فقدتا لونهما . وخصلات شعرها التصقت بجبينها المبتل بالعرق. بدت أنحف وأضعف من أن تقاوم نسمة هواء. اقترب منها بسرعة، ثم جثا بجانبها. مد يده المرتجفة ولمس خدها برفق. كان باردًا كالجليد رفع رأسه فجأة نحو زينة، وصاح بصوت أجش كالرعد اهتزت له جدران الغرفة: — ماذا حدث لها يا زينه ؟ كيف نزفت بهذا الشكل صمتت زينة و تمسكت بفستانها في رعب . لم تستطيع الاجابه فعاد فارس يصرخ بصورة أعنف: — اجيبني فورا... ماذا حدث لها؟! قبل أن تتمكن من النطق، تقدم الطبيب سريعًا. قال بلهجة حاسمة: — دعوني أفحصها أولًا... الجميع إلى الخارج. ل
عاصفه النزيف في نفس تلك اللحظه كان الصباح لا يزال يمد خيوطه الباهتة فوق أسوار قصر آشبورن، حين انفتحت البوابة الحديدية الضخمة بعنف و خرجت عربة فارس الكيلاني كالسهم ، تشق الضباب الكثيف بسرعة غير معتادة. كانت العجلات الخشبية المصفحة بالحديد تصطدم بعنف بحجارة الطريق الوعرة، محدثةً جلبةً مرعبة في سكون الصباح ، حتى إن الحراس بالكاد تمكنوا من الابتعاد عن طريقها، و هم يمسكون بقناديل الزيت المهتزة في أيديهم بذهول.وفي الجهة المقابلة ...كان عاصم يقف مختبئًا بين الأشجار الكثيفة المطلة على الطريق المؤدي إلى القصر، يتدثر بمعطفه الصوفي الطويل لحمايته من الصقيع و ليداري به وجهه حتي لا يتعرف عليه الحراس .كان يقف متوجسا و انفاسه الغاضبه تتصاعد كالبخار في هواء الخريف القارس فكه متشنجا بشده و عيناه تشتعلان بحده مظلمه منذ اللحظة التي زرعت وعد تلك الشكوك في قلبه، و منذ سمع حكاوي الخدم و راي بنفسه ارتباك ليان بالأمس لم يعد قادراً على إقناع نفسه بأنها مجرد أوهام لكنه يريد دليل اخذ بالأمس اجازه لعده ايام و جاء هنا بين الأشجار قبل طلوع الفجر . ينتظر، و يراقب، ويبح
خرج فارس الكيلاني من الصالون بخطوات سريعة ، بينما كان صدى كلماته الأخيرة ما يزال يتردد خلفه. لم يلتفت إلى والدته و غضبها ولم يكترث إن كانت ديما قد بكت أو غضبت. كل ما كان يشعر به هو اختناق حقيقي. منذ أن غادرت ليان، لم يعد هذا القصر سوى سجنٍ من الرخام. بالنسبه له شق طريقه عبر الرواق الطويل، وفك ربطة عنقه بضيق وهو يحاول التقاط أنفاسه. تمتم بينه وبين نفسه: — دقيقة أخرى هنا... وسأفقد أعصابي و ارتكب جريمه . كان قد اتخذ قراره بالفعل. سيغادر القصر عدة أيام، بعيداً عن صفاء، وبعيداً عن محاولاتها المستمرة لفرض زيجة لا يريدها. لكن قبل أن يصل إلى الإسطبلات... تعالت فجأة ضوضاء عند البوابة الرئيسية. التفت بضيق. وفي اللحظة نفسها كان كرم يتجه مسرعاً نحو مصدر الضجة. --- عند البوابة...ترجل شاب صغير من فوق حصانه بصعوبة. كان وجهه شاحباً، وأنفاسه متقطعة، والحصان نفسه يكاد يسقط من شدة الإرهاق. أمسك أحد الحراس بذراعه. — من تريد ايها الصغير ؟ قال الصبي وهو يلهث: —لدي رسالة... عاجلة... يجب أن تصل إلى السيد فارس... حالاً. وصل كرم في تلك اللحظة. أخذ الرسالة من يد الفتى، وما إن وقعت
كان المساء قد بدأ يفرض ظلاله على قصر الكيلاني عندما دخل كرم إلى مكتب فارس... وقف أمام المكتب باحترام لم ينطق بكلمه حتي يأذن له طوال سنوات عمله الطويله مع السيد فارس الكيلاني كان دائما الخادم الامين كان فارس الكيلاني يجلس خلف طاولة العمل الضخمة بهيبته المعهوده فالرجل يفرض حضوره في اي مكان و يجعل اي
لأول مرة في حياتها، جلست ليان داخل عربة حقيقية.ليس عربة نقل مهترئة كتلك التي كانت تمر أحيانًا في حي المداخن، بل عربة فاخرة مبطنة بالمخمل الداكن، تتمايل بهدوء فوق الطريق الحجري المؤدي إلى التلال الشمالية.كانت تشعر بالتوتر من مجرد لمس المقاعد.المطر ما زال يهطل بالخارج، بينما ساد داخل العربة دفء لط
كان المطر قد تحول إلى قطرات ثقيلة تغسل أرصفة "أوزبروك" الحجرية، عندما كانت "ليان" تتبع أثر "سالم" بخطوات ناعمة وئيدة كقطة تتربص بفريستها. كانت تعلم تماماً أين يتجه؛ فالسارق لا يذهب بعد غنيمته الكبرى إلا إلى جحره، و جحر سالم كان زاوية معتمة مهجورة في نهاية الزقاق، بعيداً عن أعين الحراس. توقفت ليان
لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت







