تسجيل الدخولعاش فارس صراعاً داخلياً عنيفاً بعد خروجه من عند ليان؛ فبين مشاعر قلبه التي تجذبه نحوها دون إرادة ، وبين شبكة الشكوك وأقاويل والدته وأصدقائه التي تحاصره من كل جانب، شعر بتشتت لم يعد يقو ى على تحمله. وفي غمرة هذا الضياع ، قرر أن الزواج من ديما قد يكون الحل الأسهل والأسرع لوضع حد نهائي لهذه الفوضى النفسية التي تعصف بحياته وتكاد تدمره. عاد فارس إلى قصر آل الكيلاني وعقله يغلي بالغضب. منذ أن غادر حي المداخن، لم يتوقف عن استعادة كلمات ليان ونظرتها الأخيرة إليه. وما إن دخل بهو القصر، حتى وجد والدته صفاء تنتظره. قالت وهي تراقبه:— عدت أخيراً يا بني. تابع طريقه نحو السلالم. لكن قبل أن يصعد، توقف فجأة. استدار إليها وقال بلهجة حاسمة: — جددي موعد زفافي من ديما. اتسعت عينا صفاء.— ماذا ؟ قال — سيكون الزفاف بعد شهر من الآن. لم تستطع إخفاء ابتسامتها. لقد انتظرت هذه اللحظة طويلاً. اقتربت منه وقالت بلهفة: — شهر كامل ؟ هذا وقت طويل يا فارس . لماذا لا نجعله الأسبوع القادم وننهي الأمر؟ ثبت فارس عينيه عليها. كانت نظرته باردة وحادة إلى درجة جعلتها تتوقف فوراً. — قلت بعد شهر. ابتل
مرّت ساعات الليل ببطء فوق الغرفة الصغيرة في حي المداخن ، وساد صمت دافئ لم يقطعه سوى صوت أنفاسهم العميقة . جلس فارس علي الفراش والظلام ما زال يلف أرجاء المكان ، فاستنشق الهواء بعمق ، وشعر بجسده ممزقاً وتائهاً بين حقيقتين ؛ فقد كان هذا الوضع حميماً جداً، ومألوفاً لروحه إلى درجة مرعبة ، وكأن كل خلية في جسده تمتلك ذاكرة خاصة بها تخبره بيقين قاطع أنه الآن في المكان الصحيح الذي يجب أن يكون فيه دائماً ، وأنه عاد أخيراً إلى موطنه الحقيقي فجأة، وتحت تأثير هذا الشوق الغامض والجارف جذب ليان إليه بقوة ، واندفع شفتاه إلى شفتيها بشغف عارم ، قبلها بحرارة أعمق ونهم . غرق في تفاصيلها لعدة دقائق ، وكان مشوشاً للغاية بعد أن انفصلا ؛ فعقله يحذره من الخديعة ، وقلبه يأمره بالاستسلام التام. وضعت ليان رأسها برفق على صدره العريض ، واستسلمت لدفء دقات قلبه، وأخذت تداعب صدره بأصابعها المرتجفة وهي تفكر في حال زينة المزرية في الغرفة المجاورة ، وفي الوقت الذي ينفد لإنقاذها. عضت ليان على شفتيها بتردد وخوف، وخرجت الكلمات من فمها وهي تقول بصوت خفيض: "— فارس... في الواقع ، أنا
وصلت ليان إلى منزلها البسيط في حي المداخن وهي تجر أذيال الخيبة والهمّ ، بعد أن طاف بها التعب في ذلك المنزل الغامض والمريب كانت أنفاسها متقطعة تماماً والدوار يلوح في رأسها من فرط القلق ، لم تجد في خيالها أي مخرج آخر في هذا العالم لحوجتها في تلك اللحظة الحرجة والمثقلة باليأس ، شق سكون المنزل طرقات متتالية ، وعنيفة ، ومفاجئة على الباب الخارجي. جفلت ليان وتملك الرعب أوصالها ، وقالت بصوت مرتعش : "من عساه يكون في هذا الوقت المتأخر من الليل ؟!". . تقدمت بخطوات بطيئة وفتحت الباب ببطء ، لتتجمد الدماء في عروقها صدمة ؛ إذ وجدت فارس بنفسه يقف أمام عتبتها ، كانت عيناه تشتعلان وتتطايران منهما شرار الغضب العارم بعد أن وصلته رسالة كرم العاجلة ، وعلم أن عاصم كان معها بمفردهما داخل ذلك المنزل لم يكن فارس يملك تفسيراً واضحاً في عقله المشتت عن سبب مجيئه الليلة ؛ لكنه رغماً عن قناعه الجليدي لم يشعر بنفسه إلا وهو يخرج ثائراً من مكتبه ، ويطوي رسالة كرم بقبضة يده بغضب أعمى ، ويأمر السائق بالانطلاق بالعربة إلى حي المداخن فوراً قبل أن يحترق بنيران غيرته اكثر . وفور
ظل كرم واقفاً في الظلال المقابلة للمنزل ، غارقاً في عتمة الليل التي كانت تحميه من الأعين. لا يحرك ساكناً ، كأنه جزء من الجدار الحجري البارد وراءه . كان يلف معطفه الداكن حول جسده بإحكام ليتقي لسعات البرد ، وعيناه مثبتتان بنظرات ثاقبة على الباب الموارب الذي ينبعث منه ضوء خافت. لم يكن قد اعتاد الانتظار طويلاً دون أن يفعل شيئاً ، فالأفعال السريعة كانت طبيعته ، لكن هذه المرة كان عليه أن يلتزم بأوامر فارس الصارمة حرفياً. راقب ليان وهي تدخل المنزل بحذر ، تحدث كرم في نفسه بنبرة يملأها الشك وهو يراقب حركاتها: — ماذا تفعلين هنا يا ليان ؟ في هذا الوقت المتأخر وفي هذا المكان تحديداً؟ ضيق عينيه محاولاً اختراق الظلمة ، ومد يده نحو مقبض سيفه ، حيث سرت قشعريرة مألوفة في أصابعه، وكاد يتقدم نحو الباب بدافع الهجوم ، لكنه توقف فجأة . تذكر أمر فارس الحاسم. المراقبة فقط ، دون أي تدخل مهما حدث. خفض يده ببطء وهو يزفر أنفاسه الساخنة في الهواء البارد. عاد ليسأل نفسه بمرارة: — ماذا تخطط له أيها الوغد عاصم ؟ أم أنكم متفقين على أن تتقابلوا في الخفاء بعيداً عن الأعين ؟ بقي
شدّت ليان علي حقيبتها الصغيرة بقوة، وضغطت عليها بذراعها كأنها تستمد منها الأمان وسط هذا الشارع الموحش .تحسست مقصها المعدني الثقيل،ثم أخذت نفساً عميقا كان الليل قد بدأ يهبط سريعا ، كأنه غطاء أسود ثقيل . أخذ الهواء البارد يشتد، ويدفع أطراف وشاحها الصوفي المهترئ بقسوة مع كل خطوة تخطوها في الأزقة المعتمة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الجو ؛ إذ لم يكن عقلها يفكر في شيء على الإطلاق إلا في زينة الراقدة بين الحياة والموت. . ظلت تردد في نفسها بصوت خافت كأنه تعويذة تحميها من الخوف: "فقط أنجح هذه المرة... أنجح في الحصول على ثمن العلاج ." وبعد مسافة ليست قصيرة من السير المتواصل في الممرات الملتوية، وصلت أخيراً إلى العنوان الدقيق الذي أعطاها إياه الصبي. توقفت أمام منزل قديم كئيب ، يقف بمعزل عن بقية البيوت، بعيداً قليلاً عن حركة وضوضاء السوق الصاخب. رفعت رأسها ببطء تتفحص المكان بعينين متوجستين، وفي تلك اللحظة ، أفلت الصبي يدها وركض مبتعداً بمهارة كأنه يهرب من جُرم. هتفت ليان بذعر :— إلى أين ؟ انتظر! لكن الصبي اختفى تماماً في عتمة الزقاق ولم يجمل نفسه عناء ال
في صباح اليوم التالي، الذي حمل معه برودة خفيفة انسابت عبر أزقة حي المداخن الضيقة، جلس عاصم في المقهى المعتاد الذي تفوح منه رائحة التبغ والبن المحروق. اختار طاولة زاوية تتيح له رؤية الشارع بوضوح ، وظل يحتسي قهوته المرة ببطء شديد وبينما كان يضع فنجانه على الطاولة الخشبية التي تآكلت أطرافها. أشار عاصم بيده نحو أحد الصبية المشردين الذين كانوا يتحركون قرب المقهى بحثاً عن عمل أو بضعة قروش. — أنت... تعال الي هنا. اقترب الصبي بحذر، متوجساً من نظرات الرجل الغامض . أخرج عاصم بعض العملات المعدنية اللامعة من جيبه ووضعها ببطء شديد في يد الصبي الصغيرة — ما رأيك أن يكون كل هذا لك؟ تهللت أسارير وجه الصبي، ولمعت عيناه بالفرح وهو يتأمل ثروته الصغيرة، وقال بنبرة متلهفة: — بالطبع! ماذا علي أن أفعل؟ قال عاصم بنبرة هادئة ورزينة: — أريد منك خدمة بسيطة، لن تأخذ من وقتك الكثير. نظر الصبي إلى النقود مجدداً ليتأكد من أنها حقيقية ، ثم رفع عينيه إليه بفضول وقلق: — أخبرني وسأفعله في الحال. قال عاصم وهو يتكأ إلى الخلف: — ستذهب إلى منزل الفتاة التي تُدعى ليان ، وتخبرها أن أمك ت
في الجانب المظلم من مدينة "أوزبروك"، حيث تلتقي الأزقة الضيقة برائحة الخمر الرخيصة و العفن، انفتح باب السقيفة المتهالك بعنف للمرة الثانية في تلك الليلة. لكن هذه المرة، لم يكن جابر مراد هو المستيقظ، بل كان غارقاً في نومه الثقيل مدفوعاً بآخر قطرات الخمر التي تجرعها.اندفع "سالم" إلى الداخل كالإعصار، و
لأول مرة في حياتها، جلست ليان داخل عربة حقيقية.ليس عربة نقل مهترئة كتلك التي كانت تمر أحيانًا في حي المداخن، بل عربة فاخرة مبطنة بالمخمل الداكن، تتمايل بهدوء فوق الطريق الحجري المؤدي إلى التلال الشمالية.كانت تشعر بالتوتر من مجرد لمس المقاعد.المطر ما زال يهطل بالخارج، بينما ساد داخل العربة دفء لط
كان المطر قد تحول إلى قطرات ثقيلة تغسل أرصفة "أوزبروك" الحجرية، عندما كانت "ليان" تتبع أثر "سالم" بخطوات ناعمة وئيدة كقطة تتربص بفريستها. كانت تعلم تماماً أين يتجه؛ فالسارق لا يذهب بعد غنيمته الكبرى إلا إلى جحره، و جحر سالم كان زاوية معتمة مهجورة في نهاية الزقاق، بعيداً عن أعين الحراس. توقفت ليان
لم تكن الأزقة الضيقة لمدينة "أوزبروك" ترحم أحداً في الشتاء، لكنها في القرن الثامن عشر كانت أشد قسوة على النساء اللواتي وُلدن بلا ألقاب عائلية تحميهن، أو ذهبٍ يشتري لهن الأمان . بالنسبة لـ "ليان"، لم يكن البرد القارس الذي يتسلل عبر شقوق الجدران الخشبية هو ما يرتعد له جسدها. كانت تضغط بكفيها الصغيرت







