LOGINاستقر النقطة الحمراء المضيئة، شعاع الليزر القاتل، في منتصف صدر كاميليا تماماً.
في تلك اللحظة التي توقف فيها الزمن، لم تشعر بالخوف بقدر ما شعرت ببرودة الموت تزحف إلى أطرافها. كل شيء بدا بطيئاً؛ قطرات المطر التي تتسرب من شقوق الصخر، صوت تنفس "زين" المضطرب في حضنها، والنظرة التي تجمدت في عيني ريّان. وقبل أن يرمش لها جفن، أو تدرك أن القناص في الخارج يضغط على الزناد، تحول ريّان من إنسان إلى وحش كاسر. بحركة غريزية أسرع من الصوت، لم يدفعها بعيداً، بل انقض عليها بالكامل. ألقى بثقله الفولاذي فوقها وفوق الطفل، محولاً ظهره العريض إلى درع بشري يغطي جسدها الرقيق. طخ! صوت مكتوم لطلق ناري مزود بكاتم صوت شق الهواء، متبوعاً بصوت تفتت الصخر الذي كانت تستند إليه رأس كاميليا قبل كسر من الثانية. شظايا الحجر تناثرت لتخدش عنق ريّان، لكنه لم يصدر حتى أنيناً. — «ابقي في الأسفل، ضعي يديكِ على أذني زين ولا تفتحي عينيكِ مهما سمعتِ!» همس ريّان في أذنها بصوت لا يشبه البشر، فحيح شيطاني يقطر موتاً محتوماً. انسحب من فوقها بحركة انسيابية صامتة كظل أفعى. في العتمة، سمعت صوت احتكاك معدني خافت.. لقد أخرج سكيناً تكتيكياً أسود من حذائه. لم يكن سيستخدم السلاح الناري كي لا يكشف موقعهم لباقي أفراد العصابة الذين يمشطون الغابة. كان سيقتلهم بصمت. انسل ريّان خارج الشق الصخري. ساد صمت مرعب لثوانٍ بدت كسنوات. التزمت كاميليا بأمره، احتضنت زين بقوة ودفنت وجهه في صدرها، وأغمضت عينيها بشدة وهي ترتجف. فجأة، سُمع صوت ارتطام جسد ثقيل بالوحل. ثم صوت غرس نصل حاد في لحم حي، تلاه حشرجة اختناق مرعبة، وكأن أحداً يغرق في دمائه. لم تكن هناك طلقات نارية، بل أصوات التحام جسدي مميت، تكسر عظام، ولهاث مكتوم. كانت كاميليا ترتعد، قلبها يقرع كالطبول. هذا هو العالم الذي ينتمي إليه ريّان القادري؛ عالم لا يعترف بالرحمة، حيث البقاء للأكثر وحشية. ورغم الرعب الذي اجتاحها من فكرة أنه يمزق أعداءه في الخارج بدم بارد، إلا أن إدراكها بأنه يفعل كل هذا لحمايتها، لخلق درع من الجثث حولها، أشعل في أحلك زوايا أنوثتها شعوراً بالانتماء المظلم الذي لم تستطع إنكاره. بعد ثلاث دقائق من الجحيم الصامت، فُتحت الأغصان التي تغطي المدخل. شهقت كاميليا وتراجعت للخلف في الظلام، لكن الرائحة التي دخلت قبله طمأنتها وأرعبتها في آن واحد: رائحة خشب الصندل، المطر... والكثير من الدماء الطازجة. — «انتهى الأمر..» جاء صوته الأجش، لاهثاً ومتقطعاً. أضاء ضوءاً خافتاً جداً من هاتفه المشفر. كان منظره كفيلاً بإيقاف قلبها. كان وجهه ملطخاً بالوحل وقطرات الدم، وقميصه الأسود ممزقاً، لكن عينيه كانتا تلمعان ببريق نصر قاتم. مسح الدماء عن وجهه بظهر يده، وتوجه نحوها. — «هل أنتم بخير؟» سأل وهو يجثو على ركبة واحدة أمامها. أومأت كاميليا برأسها، غير قادرة على الكلام. نظرت إلى خصره، الجرح القديم كان ينزف بغزارة أكبر الآن، والدماء تتقاطر على الأرضية الصخرية. قبل أن تتحدث، اهتز الجهاز اللاسلكي في حزام ريّان. انبعث منه صوت مشفر، لكنه يحمل نبرة ولاء خالصة: — «سيدي.. هنا 'إلياس'. قمنا بتأمين المحيط وتصفية رجال طارق بالكامل. مروحية الإخلاء في نقطة (ألفا) على بُعد مائتي متر من موقعك.» أغلق ريّان الخط دون رد. التفت نحو كاميليا، لكن هذه المرة، كانت حركاته أبطأ من المعتاد. الأدرينالين الذي أبقاه واقفاً بدأ يتلاشى، ليفسح المجال لألم الإصابة ونزيف الدم الذي استنزف طاقته الجبارة. — «سنمشي الآن. لقد وصلنا رجالي.» قالها وهو يحاول النهوض، لكنه ترنح قليلاً واستند بيده على الجدار الصخري. رمت كاميليا الخوف جانباً. سلمت زين، الذي كان لا يزال صامتاً، لريّان ليحمله بيده السليمة، ثم وقفت ووضعت ذراع ريّان الأخرى حول كتفها، مسندة خصره الصلب بيديها. — «استند عليّ،» قالت بصوت حازم، فاجأه وفاجأها هي شخصياً. لم تكن تبكي الآن. لقد تبخرت الفتاة المذعورة التي دخلت الغابة، ووُلدت امرأة أدركت للتو أنها زوجة لزعيم مافيا الظل. نظر إليها ريّان في العتمة. ورغم الألم الذي ينهش جسده، ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية ضعيفة، محملة بغرور ساحر ورضا عميق. — «امرأة شجاعة..» همس وهو يترك جزءاً من وزنه عليها. «كنت أعلم أن خلف هذا الكبرياء المفتعل، توجد لبوءة شرسة.» خرجا من الكهف. كانت الجثث متناثرة في الوحل، لكن ريّان قادها بمهارة كي لا ترى وجوههم. بعد دقائق من السير المضني، ظهرت أضواء حمراء خافتة بين الأشجار. كانت مروحية سوداء ضخمة لا تحمل أي أرقام تعريفية تنتظرهم، محاطة بعشرات الرجال المدججين بالسلاح الذين يرتدون زياً أسود بالكامل. بمجرد رؤيتهم، ركض إلياس، الرجل الثاني في إمبراطورية ريّان، نحوهم. — «سيدي! أنت تنزف!» صرخ إلياس وهو يحاول أخذ الطفل من كاميليا وإسناد ريّان. — «لا تلمس الصبي!» زمجر ريّان بغضب أعمى، وعيناه تشتعلان رغم الإعياء. «لا أحد يلمسه سوى كاميليا.» صعدوا إلى المروحية. بمجرد أن أُغلقت الأبواب وانطلقت في السماء، بعيداً عن جحيم الجبل، سقط القناع الذي كان يرتديه ريّان طوال الليل. جلس على المقعد الجلدي، وأسند رأسه إلى الخلف، يتنفس بصعوبة. كان وجهه شاحباً كالموت، والنزيف لم يتوقف. جلست كاميليا بجواره، أجْلست زين على المقعد المقابل، والتفتت فوراً إلى ريّان. أمسكت بوجهه بين يديها المرتجفتين، متجاهلة نظرات رجاله في المروحية. — «ريّان... ابقَ معي. افتح عينيك!» صرخت بصوت يختنق بالدموع، الرعب الحقيقي من فقدانه يمزق صدرها. فتح عينيه بصعوبة. نظر إلى عينيها الواسعتين المليئتين بالخوف عليه. رفع يده الثقيلة، ووضعها فوق يدها التي تستقر على خده، ضاغطاً عليها بضعف. — «لقد... أخبرتكِ،» همس بصوت متقطع، يصارع ليبقى مستيقظاً ليمنحها أمره الأخير: «هذا الدم.. رخيص.. طالما أنكِ تتنفسين. إذا.. إذا أغمضت عيني يا كاميليا... لا ترحمي أحداً. أنتِ سيدة آل القادري الآن... أنتِ القواعد.» — «لا تقل هذا! لن تموت، أسمعتني؟ هذا ليس عقداً لتنهيه متى شئت!» بكت وهي تضغط على جرحه بقطعة قماش طبي ناولها إياها إلياس. ابتسم ريّان ابتسامته الساخرة المعتادة، لكنها كانت باهتة هذه المرة. انحنى قليلاً نحوها، هامساً بكلماته الأخيرة قبل أن يسحب الظلام روحه: — «الموت لا يخيفني يا صغيرتي المتمردة... ما يخيفني حقاً... هو أن أستيقظ في الجحيم.. ولا أجد رائحتكِ هناك.» أغمض عينيه، وسقط رأسه على كتفها فاقداً الوعي بالكامل. صرخت كاميليا باسمه وسط هدير المروحية، بينما كانت تدرك في تلك اللحظة القاسية، أن الرجل الذي أجبرها على عقد زواج لستة أشهر.. قد ورّطها في حبه للأبد. وأنها، منذ هذه الليلة، ستقف في وجه العالم بأسره لحمايته، كما حماها هو بدمه.كانت طائرة "آل القادري" الخاصة، سوداء اللون كغراب عملاق، تشق سحب الليل الكثيفة عائدةً بهما إلى صخب المدينة، تاركةً خلفها عزلة المحيط الهادئة.داخل المقصورة الملكية للطائرة، كانت الأجواء مشحونة بتيار حسي يكاد يرى بالعين المجردة. الإضاءة الذهبية الخافتة تنعكس على الألواح الخشبية الفاخرة والمقاعد الجلدية الوثيرة.جلست كاميليا على أحد المقاعد، تنظر من النافذة إلى أضواء المدن التي يمرون فوقها. كانت ترتدي بدلة نسائية بيضاء حادة التفاصيل، تحتها قميص حريري أسود بفتحة صدر جريئة، تعكس مكانتها الجديدة كسيدة أعمال تدير نصف إمبراطورية القادري. شعرها الفاحم كان منسدلاً بنعومة على كتفيها، يخفي بالكاد العلامات الحمراء الداكنة التي تركها ريّان على عنقها الليلة الماضية.وفي الجهة المقابلة، كان ريّان يجلس واضعاً قدماً فوق الأخرى. يرتدي قميصاً أسوداً ضيقاً يبرز عضلات صدره وذراعيه، وسروالاً داكناً. في يده كأس من الويسكي الفاخر لم يرتشف منه قطرة واحدة، لأن عينيه كانتا تشربان تفاصيلها بهوس مطلق.لم يكن هناك حراس في هذه المقصورة المعزولة. كانا وحدهما تماماً في السماء.لاحظت كاميليا نظرا
تلاشت زرقة السماء الفاتحة لتفسح المجال لغروب أرجواني عميق، انعكست ألوانه على سطح المحيط الهادئ كلوحة زيتية باهظة الثمن. كان اليخت "كاميليا" لا يزال يرسو في عزلته الفاخرة، يتمايل بخفة مع إيقاع الأمواج، بينما بدأت أضواء خافتة ودافئة تنير أرجاء السطح الخشبي.في الجناح الرئيسي، وقفت كاميليا أمام المرآة الطويلة. على السرير، كان ريّان قد ترك لها صندوقاً مخملياً أسود قبل أن يغادر الغرفة ليمنحها وقتاً للاستعداد.كان الفستان الذي اختاره لها تحفة فنية من الحرير الزمردي الداكن. لونه يعكس لون المحيط في أعمق نقاطه، ينسدل على جسدها بنعومة سائلة، يعانق خصرها ويترك ظهرها مكشوفاً بالكامل، بينما امتدت فتحة جريئة على طول ساقها اليسرى. رفعت شعرها الفاحم بأسلوب فوضوي جذاب، ووضعت لمسات خفيفة من عطرها الذي يعرف ريّان كيف يجن به.عندما خرجت إلى السطح العلوي، توقفت أنفاسها للحظة.كان ريّان يقف بجوار طاولة عشاء صغيرة أُعدت بعناية، يضيئها ضوء الشموع الراقص. كان يرتدي قميصاً أسوداً مفتوح الأزرار العلوية، وسروالاً قماشياً داكناً. الإضاءة الخافتة كانت تبرز ملامحه الحادة، وتضفي على هيبته المعتادة
تسللت أشعة شمس الصباح الذهبية عبر النوافذ الزجاجية البانورامية لجناح اليخت، لترسم خطوطاً مضيئة على بحر الملاءات الداكنة المبعثرة.فتحت كاميليا عينيها ببطء، وتمددت بكسل لذيذ، لتجد النصف الآخر من السرير الدائري فارغاً، لكنه لا يزال يحتفظ بحرارة جسده ورائحة عطره الرجولي الممزوج بالتبغ وخشب الصندل. ابتسمت بشفتين لا تزالان متورمتين من جنون الليلة الماضية، ورفعت ذراعيها المليئتين بالعلامات الحمراء الداكنة —بصمات تملكه التي لا تمحى— لتزيح الشعر المبعثر عن وجهها.نهضت ببطء، وجسدها يئن بلذة من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي. لم تبحث عن فستانها الحريري، بل التقطت قميصاً أسوداً يخص ريّان كان ملقى على الأريكة، وارتدته. كان واسعاً جداً عليها، يصل إلى منتصف فخذيها، وأكمامه تتدلى متجاوزة أطراف أصابعها، لكن رائحته العالقة في القماش كانت كعناق خفي يدفئ روحها.خرجت حافية القدمين إلى السطح الخشبي الواسع لليخت. كان الهواء الصيفي النقي محملاً برائحة اليود ومنعشاً للغاية. المحيط يمتد حولها كلوحة زرقاء لا نهاية لها، ولا يوجد في الأفق سوى السماء والماء. عزلة تامة ومطلقة.سمعت صوت شق المياه، فا
مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة التي أعادت صياغة تاريخ آل القادري. ثلاثة أشهر من الهدوء الذي فرضته كاميليا بيد من حرير، وريّان بقبضة من حديد. بعد أن استقرت الإمبراطورية وتلاشت كل التهديدات، قرر ريّان أن يختطف زوجته بعيداً عن صخب العالم، ليحتفل بانتصارهما على طريقته الخاصة.كان اليخت الأسود العملاق، الذي أطلق عليه مؤخراً اسم "كاميليا"، يشق عباب البحر الأيوني في عزلة تامة تحت سماء ليلية مرصعة بالنجوم. لا حراس مرئيين، لا اتصالات، ولا أعداء.. فقط زرقة المحيط الداكنة التي تعكس ظلام عاشقين استثنائيين.وقفت كاميليا على السطح العلوي لليخت، تستند بيديها على الحاجز الزجاجي. كانت ترتدي فستاناً صيفياً من الحرير الأبيض، ينساب بخفة مع نسيم البحر، كاشفاً عن منحنيات جسدها بأنوثة طاغية. الهواء المالح كان يداعب خصلات شعرها الفاحم المنسدل على كتفيها، بينما كانت عيناها تتأملان الأفق اللامتناهي بسلام لم تعهده من قبل.فجأة، وبدون أي صوت ينذر بقدومه، شعرت بحرارة مألوفة تلفح ظهرها العاري. انزلقت ذراعان فولاذيتان لتطوقا خصرها النحيل، وسُحب جسدها ببطء حتى التصق تماماً بصدر ريّان العريض والمكشوف.
في صباح اليوم التالي، لم تشرق الشمس بساطع نورها المعتاد، بل تسللت عبر النوافذ الزجاجية العملاقة للجناح الملكي كخيوط رمادية خافتة، تتناسب مع هالة الهدوء الغامض الذي يغلف عالم آل القادري بعد العاصفة.بين الملاءات الحريرية الداكنة، كانت كاميليا تسبح في غيبوبة من الإرهاق اللذيذ. رائحة خشب الصندل الممزوجة بالتبغ الرجولي كانت تملأ رئتيها، تخدر حواسها وتذكرها بليلة البارحة المجنونة في سيارة المايباخ، وبالساعات التي تلتها في هذا السرير، حيث لم يترك لها ريّان مجالاً لالتقاط أنفاسها.تحركت بخفة، لتشعر بثقل ذراعه الفولاذية التي تطوق خصرها العاري، تثبتها إلى صدره الصلب كجزء لا يتجزأ من جسده. فتحت عينيها ببطء، لتجد ريّان مستيقظاً.كان مستنداً بظهره على اللوح الأمامي للسرير، نصف عارٍ، يدخن سيجاراً كوبياً ببرود، وعيناه السوداوان مثبتتان عليها بتركيز مهووس لم يفارقه منذ ليلة أمس.— «صباح الخير، يا ملكتي.» صوته الأجش والمبحوح تردد في الغرفة الهادئة، يحمل ذبذبات دافئة ومظلمة في آن واحد.ابتسمت كاميليا بنعاس، وتمددت كقطة كسولة، محتكة بصدغه وصدره عن قصد. «منذ متى وأنت تستراقبني؟»
كان الكازينو السري الكائن في قبو أحد الفنادق الفاخرة يسبح في إضاءة ذهبية خافتة، ورائحة الدخان الكوبي الفاخر تختلط بعطر الثراء الفاحش والفساد. هنا، تُعقد صفقات السلاح فوق طاولات البوكر، وتُباع أرواح البشر مع كل دورة لعجلة الروليت.وقفت سيارة المايباخ السوداء أمام المدخل الخلفي المحصن. نزل حراس إلياس أولاً، وطوقوا المكان في ثوانٍ. ثم انفتح الباب الخلفي، لتخطو كاميليا بحذائها ذي الكعب العالي الأسود، تليها هالة ريّان القادري المرعبة التي أسكتت حتى حفيف الريح.دفع حراس ريّان الأبواب المزدوجة للكازينو. لم يكن هناك إطلاق نار، بل دخول استعراضي شلّ حركة المكان بأكمله. توقفت عجلة الروليت، وتجمدت كؤوس الكحول في أيادي زعماء العصابات وتجار الممنوعات.كانت كاميليا تمشي في المقدمة. حلتها السوداء الحادة تعكس قوة جليدية، وقطرة الياقوت الحمراء تتوهج على عنقها كإنذار بالموت. وخلفها تماماً، كظل شيطاني لا يُقهر، كان ريّان يمشي بخطوات مفترسة، يده الضخمة تستقر بوضعية تملك صارمة على أسفل ظهرها، ونظراته السوداء تمسح القاعة، جاهزة لاقتلاع قلب أي رجل يجرؤ على إطالة النظر إليها.في نهاية القاعة







