Home / الرومانسية / رسائل لم تُرسل / الفصل الحادي عشر

Share

الفصل الحادي عشر

last update publish date: 2026-06-13 17:36:33

لم تستطع رهف إخراج اسم والدها من رأسها طوال الليل.

حسام الشاذلي.

الاسم نفسه الذي كانت تكتبه في الأوراق الرسمية منذ طفولتها.

الاسم نفسه الذي نادته آلاف المرات.

لكن لأول مرة تشعر أنها لا تعرف صاحبه حقًا.

كيف يمكن لإنسان أن يعيش مع شخص سنوات طويلة ثم يكتشف بعد رحيله أنه كان يخفي حياة كاملة؟

كانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل.

والمنزل غارق في الصمت.

حتى صوت المروحة القديمة بدا بعيدًا.

جلست رهف على الأرض بجوار خزانة خشبية قديمة كانت تخص والدها.

خزانة لم تُفتح منذ سنوات.

بعد وفاته أغلقتها والدتها.

وكأنها أرادت أن تترك كل شيء كما هو.

كأن الزمن توقف داخلها.

مدت رهف يدها ببطء.

فتحت الباب.

خرجت رائحة الورق القديم.

رائحة الذكريات.

رائحة شخص لم يعد موجودًا.

ابتلعت ريقها.

ثم بدأت تفتش.

دفاتر.

ملفات.

أوراق متفرقة.

صور قديمة.

إيصالات.

مذكرات صغيرة.

لكن لا شيء يبدو مهمًا.

حتى وقعت يدها على صندوق صغير أسود اللون.

توقفت.

شيء بداخلها أخبرها أن تفتحه.

رفعت الغطاء ببطء.

وفي الداخل وجدت عشرات الرسائل الورقية.

كل رسالة داخل ظرف مستقل.

بعضها مفتوح.

وبعضها لم يُفتح أبدًا.

عقدت حاجبيها.

لم تكن تعرف أن والدها يحتفظ برسائل كهذه.

أخرجت أول ظرف.

فتحته.

بدأت تقرأ.

لكن الكلمات لم تكن موجهة إليه.

بل كانت موجهة لشخص آخر.

رسالة أدبية.

تشبه كثيرًا...

رسائلها هي.

توقفت أنفاسها.

وأعادت قراءة السطور.

مرة.

ثم مرتين.

ثم ثلاثًا.

لا.

هذا ليس تشابهًا عاديًا.

الأسلوب نفسه.

اللغة نفسها.

طريقة بناء الجمل نفسها.

حتى الألم الموجود بين الكلمات بدا مألوفًا بشكل مخيف.

همست لنفسها:

"إزاي؟"

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

وكأنها تقرأ شيئًا كتبته بنفسها.

لكن التاريخ الموجود أسفل الصفحة كان يعود إلى أكثر من عشرين عامًا.

قبل أن تولد أصلًا.

في الجانب الآخر من المدينة...

كان آدم يجلس داخل مكتبه.

وأمامه تقرير وصل قبل دقائق.

فتح الملف بسرعة.

بدأ يقرأ.

الاسم:

حسام الشاذلي.

العمر عند الوفاة.

مكان الإقامة.

الوظائف السابقة.

ثم توقف عند سطر محدد.

"عمل محررًا أدبيًا في دار نشر النهضة لمدة سبع سنوات."

رفع آدم رأسه ببطء.

دار نشر.

أغلق الملف للحظة.

ثم أعاد فتحه.

وقرأ بقية المعلومات.

لكن ما شد انتباهه أكثر كان الملاحظة الأخيرة.

"استقال فجأة دون إعلان أسباب واضحة."

ساد الصمت داخل المكتب.

استقال فجأة.

دار نشر.

رسائل.

رهف.

شعر أن القطع بدأت تقترب من بعضها.

لكن الصورة الكاملة ما زالت غائبة.

في صباح اليوم التالي...

دخلت رهف دار النشر وهي تحمل سرًا جديدًا.

لم تخبر أحدًا بما وجدته.

ولا حتى والدتها.

كانت ما تزال غير قادرة على فهم الأمر.

كيف توجد رسائل تشبه كتاباتها قبل عشرين عامًا؟

هل كانت مجرد مصادفة؟

أم أن هناك شيئًا أكبر؟

عندما وصلت إلى مكتبها...

وجدت نادين تنتظرها.

وبدا عليها التوتر أكثر من أي وقت مضى.

قالت مباشرة:

في مشكلة.

تجمدت رهف.

إيه اللي حصل؟

أجابت نادين:

حد بيدور ورا الرسائل.

آدم؟

سألت رهف فورًا.

رفعت نادين عينيها إليها.

إنتي عرفتي منين؟

شعرت رهف بالارتباك.

ثم قالت:

توقعت.

تنهدت نادين.

وجلست على الكرسي.

الموضوع بقى أكبر من آدم.

في تلك اللحظة...

شعرت رهف أن شيئًا خطيرًا يقترب.

شيئًا سيغير كل ما كانت تعتقد أنها تعرفه.

لكنها لم تكن تعلم أن المفاجأة الحقيقية لم تأتِ بعد.

لأن داخل أحد الأدراج القديمة في مكتب نادين...

كانت توجد رسالة لم تُنشر أبدًا.

رسالة تحمل اسمًا واحدًا فقط.

اسمًا قادرًا على قلب حياة الجميع.

وفي هذه اللحظة تحديدًا...

كان شخص مجهول يحاول الوصول إليها.

طوال اليوم...

لم تستطع رهف التركيز في أي شيء.

كانت الملفات أمامها.

الشاشة مضاءة.

والناس يتحركون حولها كالمعتاد.

لكن عقلها كان في مكان آخر.

داخل ذلك الصندوق الأسود.

داخل الرسائل القديمة.

داخل الكلمات التي بدت وكأنها خرجت من قلبها رغم أنها كُتبت قبل أكثر من عشرين عامًا.

كلما حاولت إقناع نفسها أنها مجرد مصادفة...

تذكرت إحدى الجمل.

جملة قصيرة جدًا.

لكنها هزتها من الداخل.

"نحن لا نبحث عن الأشخاص الذين يشبهوننا... بل نهرب منهم."

كانت جملة تشبه شيئًا كتبته هي قبل عامين تقريبًا في دفترها الأسود.

ليس المعنى فقط.

بل الأسلوب.

الإيقاع.

الطريقة.

حتى الفاصلة كانت في المكان نفسه.

وهذا ما أخافها.

رفعت رأسها عندما سمعت صوت نادين.

– رهف؟

التفتت إليها.

– أيوه؟

– إنتِ كويسة؟

ترددت للحظة.

ثم قالت:

– نادين...

هو بابا كان يعرفك؟

تفاجأت نادين بالسؤال.

بلحظة قصيرة جدًا.

لكن رهف لاحظتها.

وهذا كان كافيًا.

قالت نادين بسرعة:

– لا طبعًا.

أنا أصغر من إني أعرفه.

ابتسمت رهف ابتسامة خفيفة.

لكن شيئًا داخلها لم يقتنع بالكامل.

في نفس الوقت...

كان آدم يجلس داخل مكتبه.

وأمامه التقرير الخاص بحسام الشاذلي.

لكن هذه المرة لم يكن وحده.

كان سليم يقف بجوار المكتب.

يحاول فهم سبب اهتمام آدم بهذا الرجل.

قال سليم:

– يعني واحد مات من سنين.

وإنت بتدور وراه كأنه هارب من العدالة.

رفع آدم نظره.

– الموضوع مش عنه.

– أومال؟

– عن اللي وراه.

تنهد سليم.

– وأنا اللي فاكر إن الرسائل دي مجرد هواية جديدة.

ابتسم آدم لأول مرة منذ أيام.

ابتسامة قصيرة.

ثم قال:

– وأنا كنت فاكر كده.

فتح الملف مرة أخرى.

ثم توقف عند اسم جديد.

اسم لم ينتبه له من قبل.

في خانة جهات العمل السابقة.

مذكور اسم شخص كان يعمل مع حسام في نفس دار النشر.

يوسف الجندي.

همس آدم:

– أخيرًا.

بعد ساعة...

كانت سيارته تتوقف أمام مبنى قديم في وسط المدينة.

عنوان حصل عليه من أحد معارفه.

عنوان يوسف الجندي.

الرجل الذي كان يعمل مع حسام قبل أكثر من عشرين عامًا.

صعد السلم ببطء.

حتى وصل إلى شقة صغيرة.

طرق الباب.

وانتظر.

ثوانٍ.

ثم فُتح الباب.

ظهر رجل في أواخر الستينات من عمره.

شعره أبيض بالكامل.

وعيناه تحملان تعب سنوات طويلة.

قال الرجل:

– مين؟

أجاب آدم:

– محتاج أسأل حضرتك عن شخص اسمه حسام الشاذلي.

في اللحظة نفسها...

تغيرت ملامح الرجل.

وكأن اسمًا من الماضي عاد فجأة.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال الرجل:

– ادخل.

داخل الشقة...

جلس آدم أمامه.

بينما ظل يوسف ينظر إليه بصمت.

كأنه يحاول معرفة سبب عودة هذا الاسم للحياة.

أخيرًا قال:

– إنت تبقى مين؟

– مجرد شخص بيدور على إجابات.

ابتسم يوسف بسخرية خفيفة.

– حسام طول عمره كان وراه أسئلة أكتر من الإجابات.

شعر آدم أن قلبه تسارع.

– يعني حضرتك كنت قريب منه؟

– أكتر مما تتخيل.

ثم نهض يوسف ببطء.

واتجه نحو مكتبة قديمة.

أخرج منها صورة.

ووضعها أمام آدم.

نظر آدم إلى الصورة.

فتجمد.

كان حسام يقف فيها بجوار ثلاثة أشخاص.

أحدهم يوسف.

لكن الشخص الرابع...

جعل أنفاسه تتوقف للحظة.

لأنه كان يعرفه.

بل يعرفه جيدًا.

والده.

رفع رأسه بسرعة.

ونظر إلى يوسف.

– الصورة دي إمتى؟

ابتسم الرجل ببطء.

– من حوالي خمسة وعشرين سنة.

شعر آدم أن الأرض تميد تحته.

والده لم يذكر اسم حسام يومًا.

ولا تحدث عنه أبدًا.

فكيف كان يقف بجواره في صورة واحدة؟

قال يوسف:

– واضح إنك عرفته.

أجاب آدم بصوت منخفض:

– ده أبويا.

ساد الصمت.

ثم أطلق يوسف زفرة طويلة.

وقال:

– يبقى الموضوع رجع بعد كل السنين دي.

في دار النشر...

كانت رهف تنهي عملها.

لكن عقلها لم يهدأ.

شيء ما كان يدفعها للعودة إلى صندوق والدها.

كانت متأكدة أن هناك شيئًا لم تره.

شيئًا مهمًا.

شيئًا سيغير كل شيء.

وعندما عادت إلى المنزل...

اتجهت مباشرة إلى غرفتها.

أخرجت الصندوق من جديد.

وبدأت تفتش داخله بعناية أكبر.

حتى لاحظت شيئًا غريبًا.

قاع الصندوق يبدو أعلى من الطبيعي.

توقفت.

ثم ضغطت عليه.

فصدر صوت خفيف.

رفعت الطبقة السفلية بحذر.

لتكتشف وجود مساحة سرية صغيرة.

اتسعت عيناها.

وفي الداخل...

كان يوجد ظرف واحد فقط.

قديم جدًا.

ومغلق.

ولم يُفتح من قبل.

شعرت أن قلبها يدق بعنف.

مدت يدها ببطء.

أخرجت الظرف.

ثم نظرت إلى الكتابة الموجودة عليه.

وتجمدت.

لأن المكتوب كان:

"إلى رهف... حين تصبحين مستعدة للحقيقة."

سقط الظرف من يدها.

وتراجعت خطوة للخلف.

كأنها رأت شبحًا.

كيف؟

كيف كتب اسمها؟

وكيف ترك لها رسالة قبل سنوات طويلة؟

في نفس اللحظة تقريبًا...

كانت نادين داخل مكتبها.

تنهي بعض الأعمال المتأخرة.

عندما سمعت صوتًا خافتًا.

توقفت.

رفعت رأسها.

نظرت نحو الباب.

لا أحد.

عادت للعمل.

لكن الصوت تكرر.

هذه المرة أقرب.

شعرت بالتوتر.

ثم نهضت.

واتجهت نحو الخزانة.

الخزانة التي تحتوي على النسخ الأصلية للرسائل.

فتحتها بسرعة.

وتجمدت مكانها.

لأن الدرج كان مفتوحًا.

والملف لم يعد في مكانه.

انقطع نفسها للحظة.

ثم همست بفزع:

– لا...

أسرعت تبحث بعينيها في الغرفة.

لكن الملف اختفى.

والشخص الذي أخذه...

كان قد غادر بالفعل.

وفي مكان مجهول...

كان رجل يرتدي معطفًا داكنًا يجلس داخل سيارة متوقفة.

وأمامه الملف المفقود.

فتح أول صفحة.

ثم ابتسم ابتسامة باردة.

وقال:

– أخيرًا.

وصلت الحقيقة.

نهاية الجزء الثاني.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثامن و العشرون

    خيم الصمت على الغرفة.صمت ثقيل لدرجة أن رهف استطاعت سماع دقات قلبها.كانت عيناها مثبتتين على الشاب الواقف عند المدخل.الطفل الرابع.بعد كل هذه المطاردة.بعد الملفات.والصور.والرسائل.والمكالمات.ها هو يقف أمامها أخيرًا.حيًا.حقيقيًا.ليس مجرد اسم داخل ملف قديم.ولا شبحًا من الماضي.نظر إليها بهدوء.وكأنه يعرفها منذ سنوات.بل وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة مثلها تمامًا.قال آدم بحدة:"إنت مين فعلًا؟"ابتسم الشاب."سؤال متأخر شوية."ثم تقدم خطوة إلى الداخل.ولم يبدُ عليه أي خوف.رغم وجود فارس.ورغم وجود ياسين.ورغم أن الجميع ينظر إليه كخطر محتمل.قال الراوي ببرود:"قول اسمك."توقفت الابتسامة قليلًا.ثم قال:"اسمي كريم."ارتجفت رهف دون أن تعرف السبب.كريم.الاسم بدا مألوفًا.بشكل غريب.كأنها سمعته من قبل.في مكان ما.في وقت ما.لكنها لم تستطع التذكر.أكمل الشاب:"على الأقل ده الاسم اللي بقيت أستخدمه."ثم نظر إلى الشاشة السوداء.حيث توقف تسجيل نجلاء.وأضاف:"أما اسمي الحقيقي... فاتدفن مع المشروع."---قال فارس فجأة:"إنت كنت المفروض تموت."ساد الصمت.لكن كريم لم يغضب.بل ابتسم بسخرية."ودي

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السابع و العشرون

    توقف الجميع أمام الباب المعدني.كان أكبر مما توقعوا.وأقدم.غطاه الصدأ من الأطراف، لكن الرقم المثبت في منتصفه ظل واضحًا رغم السنوات.17شعرت رهف بانقباض في صدرها.كلما اقتربت من هذا الرقم، ازداد ذلك الشعور الغريب داخلها.شعور لم يعد يشبه الخوف فقط.بل يشبه الحنين.وهو ما أرعبها أكثر.كيف يمكن لإنسان أن يحن إلى مكان لا يتذكره؟نظر آدم إليها."إنتِ كويسة؟"أومأت برأسها دون اقتناع.أما فارس فكان يحدق في الباب وكأنه يواجه شبحًا من ماضيه.قال الراوي بصوت منخفض:"آخر مرة شفت المكان ده كانت من عشرين سنة."لم يرد أحد.لأن الجميع كانوا منشغلين بسؤال واحد:ماذا يوجد خلف الباب؟تقدمت رفيف خطوة.ثم أخرى.ووضعت يدها على المعدن البارد.وفجأة...أغمضت عينيها.شحب وجهها.وتسارعت أنفاسها.انتبهت رهف فورًا."رفيف؟"فتحت رفيف عينيها بسرعة.وكان الذعر واضحًا فيهما."لازم نمشي."ساد الصمت.قال آدم:"إيه؟"أشارت إلى الباب."لازم نمشي دلوقتي."اقترب منها فارس."إنتِ افتكرتي حاجة؟"ابتلعت ريقها.ثم همست:"افتكرت اللي حصل جوه."شعرت رهف بأن قلبها توقف للحظة."إيه اللي حصل؟"لكن رفيف لم تستطع الإجابة.وكأن الك

  • رسائل لم تُرسل   الفصل السادس و العشرون

    تجمدت نادين في مكانها.كانت يداها مقيدتين إلى جانبي الكرسي.لكن خوفها لم يكن من القيود.بل من الرجل الواقف أمامها.الرجل الذي لم ترَ وجهه كاملًا حتى الآن.كل ما كانت تراه هو ظله.وصوته.وصوته وحده كان كافيًا ليجعل التوتر يتسلل إلى قلبها.اقترب منها بخطوات هادئة.ثم وضع ملفًا قديمًا على الطاولة المقابلة لها.وقال:"رهف بدأت تتذكر أسرع مما توقعت."حاولت نادين الحفاظ على ثباتها.وقالت:"إنت عايز منها إيه؟"ابتسم الرجل."كل الناس بتسأل السؤال الغلط."ثم فتح الملف.وأخرج صورة قديمة.ودفعها نحوها.نظرت نادين إلى الصورة.وشعرت بقشعريرة.لأنها كانت صورة لطفلة صغيرة.لا يتجاوز عمرها خمس سنوات.لكنها لم تكن رهف.ولا رفيف.ولا سلمى.كانت طفلة أخرى.طفلة لم تسمع عنها من قبل.قال الرجل:"السؤال الحقيقي..."ثم أشار إلى الصورة."مين دي؟"---في الخارج...وقف الجميع أمام مستشفى النور.كان الليل قد ازداد ظلمة.والمبنى بدا أكثر رعبًا كلما اقتربوا منه.كأن الجدران نفسها تخفي أسرارًا لا تريد الخروج.أخرج آدم مصباحًا صغيرًا.ثم قال:"هننقسم."رفضت رهف فورًا."لا."نظر إليها.فأكملت:"إحنا أصلًا مش عارفين

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الخامس و العشرون

    كانت أصابع رهف ترتجف وهي تقلب الصفحة التالية.لم تعد تسمع شيئًا حولها.لا صوت آدم.ولا فارس.ولا حتى دقات قلبها.كل ما كانت تراه هو الكلمات المكتوبة أمامها.كلمات شخص ظل شبحًا طوال الأحداث.الطفل الرابع."لو وصل الدفتر ليكي، يبقى فيه حاجتين أكيد.""الأولى إن مراد فقد السيطرة.""والتانية إنك عرفتي جزء من الحقيقة... لكن لسه متعرفيش أخطر جزء فيها."ابتلعت رهف ريقها.وأكملت."هيقولولك إن المشروع كان تجربة.""وده صحيح.""وهيقولولك إننا كنا أطفال تم اختيارنا.""وده صحيح برضه.""بس الحاجة اللي محدش هيقولها..."توقفت أنفاسها."إنك ما كنتيش مجرد مشاركة في المشروع.""إنتِ كنتِ الهدف."ساد الصمت داخل القبو.شعرت رهف وكأن الكلمات لم تصل إلى عقلها بعد.الهدف؟ماذا يعني ذلك؟انتزع آدم الدفتر بلطف من يدها.وأكمل القراءة بصوت مسموع للجميع."من أول يوم اتولدتِ فيه، كان فيه ناس بتراقبك.""ناس مؤمنة إن عندك حاجة مختلفة.""وحاجة تستحق إنهم يضيعوا عمرهم كله عشانها."قالت رهف بسرعة:"هبل."لكن صوتها لم يكن مقنعًا حتى لنفسها.واصل آدم القراءة."أنا عارف إنك مش هتصدقي.""وأنا نفسي مكنتش مصدق.""لحد ما شفت ال

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الرابع و العشرون

    ساد صمت ثقيل داخل القبو.لم يتحرك أحد.ولم ينطق أحد بكلمة.كانت الأنظار كلها متجهة نحو الرجل الواقف عند المدخل.رجل في أواخر الخمسينيات تقريبًا.شعره يغزوه الشيب.يرتدي بدلة داكنة أنيقة رغم المكان المهجور.وعيناه تحملان ذلك النوع من الهدوء الذي يجعل صاحبه أكثر رعبًا.ابتسم مرة أخرى.ثم أعاد نظره إلى رهف.وقال:"كنتِ أصغر مما توقعت."شعرت رهف بقشعريرة.لم يعجبها أسلوبه.ولا الطريقة التي ينظر بها إليها.وكأنه يعرفها منذ سنوات.قال آدم بحدة:"مين أنت؟"نظر الرجل إليه.ثم ابتسم."سؤال جميل."تنهد بخفة.وأضاف:"بس المفروض تسأل أبوك الأول."تجمد آدم.أما فارس فشحب وجهه.والراوي أطلق لعنة منخفضة.كأنه كان يعرف الرجل بالفعل.لاحظت رهف ذلك.وقالت:"واضح إنكم تعرفوه."ساد الصمت للحظات.قبل أن يتكلم فارس أخيرًا.وكان صوته مختلفًا هذه المرة.أثقل.وأبطأ.وكأنه يجر الكلمات جراً."اسمه الدكتور مراد."ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه الرجل."سعيد إنك لسه فاكرني."قال الراوي ببرود:"صعب ننسى السبب الحقيقي لكل المصايب دي."لكن مراد لم يغضب.بل بدا مستمتعًا.كأنه يسمع مجاملة.تقدمت رهف خطوة للأمام."أنت الل

  • رسائل لم تُرسل   الفصل الثالث و العشرون

    الحقيقة التي لا يريدها أحدظلت رهف تنظر إلى شهادة الميلاد بين يديها.في البداية ظنت أنها مزيفة.خدعة جديدة.ورقة أخرى ضمن عشرات الأكاذيب التي أحاطت بها منذ بدأت هذه الرحلة.لكن كلما تأملت التفاصيل أكثر...كلما ازداد الخوف داخلها.الاسم صحيح.تاريخ الميلاد صحيح.حتى رقم القيد كان موجودًا.أما اسم الأم...فلم يكن اسم والدتها.أبدًا.رفعت رأسها ببطء.وعيناها متجهتان نحو ياسين.قالت بصوت خافت:"دي مزورة."لم يرد.فكررت الجملة.هذه المرة بقوة أكبر."دي مزورة."تنهد ياسين.ثم قال:"كنت عارف إن ده أول رد فعل."شعرت رهف بالغضب.مزقت الورقة إلى نصفين.ثم إلى أربعة أجزاء.وألقتها على الأرض.لكن الغريب أن أحدًا لم يتحرك.لا فارس.ولا الراوي.ولا حتى رفيف.وكأن تمزيق الورقة لم يغير شيئًا.لأن الحقيقة لا تختفي بمجرد تمزيق دليلها.نظر فارس إلى الأرض للحظات.ثم رفع عينيه نحو رهف.ولأول مرة منذ بداية الأحداث...ظهر التعب على وجهه.تعب رجل يحمل سرًا أكبر من قدرته على احتماله.قال بهدوء:"كان لازم تعرفي يوم من الأيام."التفتت إليه رهف بسرعة."يعني إيه؟"لم يجب مباشرة.فصرخت:"يعني إيه؟!"ساد الصمت.ثم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status