Home / مافيا / رهينة انتقامه / الفصل الثامن : رماد الذنب وعاصفة الذاكرة ..

Share

الفصل الثامن : رماد الذنب وعاصفة الذاكرة ..

last update publish date: 2026-07-24 05:25:48

كان الضباب الصباحي الكثيف يلف فيلا عائلة "عشق" المهجورة من الصخب مثل كفن حريري بارد، مستقراً فوق أغصان الأشجار العارية في الحديقة المحيطة بالمنزل .. تسلل أول شعاع باهت للشمس، محتشماً وضئيلاً، من بين شقوق الستائر المخملية الثقيلة ذات اللون النبيذي الداكن، ليرسم خطاً ذهبياً ناعماً على أرضية الغرفة الخشبية التي تفوح منها رائحة الأدوية والمعقمات، ممتزجة بعطر نسائي خفيف كاد يختنق بفعل الحرارة المرتفعة التي سادت الأجواء طوال الليل..

على المقعد الجلدي المحاذي للسرير الملكي الضخم، كان آدم يجلس بجسد متصلب كتمثال من رخام أسود، ملامحه الحادة التي نحتها السهر والتفكير الطويل كانت تشي بتعب مكتوم غائر تحت جفنيه، لكن عينيه السوداوين الحادتين لم تغلقا طوال الليل ولو لرمشة عين. كان يراقبها بانتظام صارم؛ يتأمل صعود وهبوط صدرها الواهن تحت الأغطية، ويغير من حين لآخر قطع القماش المبللة بالماء البارد التي كادت تجف فور وضعها على جبينها الملتهب بفعل السخانة الحارقة. كان يستمع بنبضات قلب مضطربة إلى هذياناتها الطفولية الناشئة عن الحمى، حيث كانت تمتم بكلمات متقاطعة وغير مفهومة، تنبئ عن رعب دفين يسكن أعماق روحها..!!

لم يكن هذا السيناريو وارداً أبداً ضمن خطته المحكمة .. لم يكن من المفترض، ولا في أسوأ كوابيسه، أن يبيت ليلته حارساً ساهراً على سلامة الفتاة التي أقسم أمام قبر شقيقه على تدميرها وسحق حياتها. كان يرى في ملامحها المستسلمة للمرض عدواً تجب معاقبته، لكن يده كانت تمتد برقة لا تشبهه لتمسح عرقها ومع بزوغ الفجر وانقشاع حلكة الليل، بدأت حرارتها المرتفعة بالانخفاض تدريجياً، لتهدأ أنفاسها المضطربة وتستسلم لنوم عميق ونقي

تحركت عشق ببطء وتثاقل تحت أغطيتها الحريرية، وفتحت جفنيها الثقيلين بصعوبة بالغة وكأنها ترفع ستاراً من الرصاص .. شعرت ببرودة منعشة في رأسها بعد ليلة حارقة كادت تودي بوعيها .. التفتت بجسدها المنهك نحو الجهة اليسرى، لتتسع عيناها العسليتان بذهول تداخل فيه الخوف بالدهشة وهي تلمح ظله الجالس في عتمة زاوية الغرفة .. كان هناك بشعره الأسود المبعثر قليلاً وقامته المهيبة التي توحي بالسيطرة ينظر إليها بهدوء غامض وأنفاس منتظمة، هدوء أربك دقات قلبها الضعيفة وجعلها تتسارع في صدرها ..

عشق بامتنان وخجل وهي تحاول رفع جسدها مستندة على وسادتها البيضاء، وصوتها يخرج مبحوحاً من أثر الحمى: آدم؟ أنت هنا؟ هل بقيت معي طوال هذه الليلة المظلمة؟ شكراً لك..

آدم ببرود مخفي في ابتسامة عابرة وهو يحافظ على نبرته الجافة ورأسه مرفوع بكبرياء: لا داعي للمبالغة يا عشق، فالأمر لا يستحق كل هذا

عشق بامتنان وخجل وهي تنظر بنظرات كسيرة إلى يديه الطويلتين وتلمح الوعاء والجاهزية والمنديل المبلل : بل سهرت على راحتي وتحملت عناء مرضي.. أرى المنديل والماء بوضوح أمامي .. هذا النبل والاهتمام لا يظهر إلا من شخص يحمل في صدره قلباً ناصعاً ونقيا

آدم وهو يقف فجأة بظهره المستقيم ويعدل سترة بدلته السوداء الراقية: القلوب الناصعة مجرد خرافة قديمة في هذا الزمن الملوث ، فلا تبحثي عنها في شخصي .. المهم في الأمر أنكِ بخير الآن وتجاوزتِ مرحلة الخطر. والآن، يجب أن أختفي فوراً قبل أن يستيقظ خدم الفيلا في الصباح الباكر وتتحول قصة إنقاذي لكِ إلى فضيحة أو تساؤلات نحن في غنى تام عنها

عشق ابتسمت بوهن وعيناها اللامعتان تتبعانه برهبة وقلق حقيقي من رحيله المفاجئ: انتبه لنفسك أرجوك ..

آدم ببرود وهو يقترب من حافة النافذة الكبيرة بخفة ورشاقة فهد صياد: الجدران العالية والأسوار المرتفعة لم تكن يوما عائقاً أمامي أو قادرة على منعي من الدخول أو الخروج .. تذكري فقط أن تأخذي جرعات دواءكِ في وقتها.. ولا تتركي نوافذكِ مفتوحة مجددا

التفت آدم برأسه وبحركة سريعة، متقنة، وخفيفة اعتاد عليها في تحركاته السرية، تسلق حافة الشرفة ممسكاً بجذع شجرة اللبلاب الضخمة القديمة التي تغطي واجهة الفيلا البيضاء، ليختفي في غضون ثوان معدودة بين طيات ضباب الصباح الكثيف، تاركاً خلفه عطر رجولي حاد يملأ أركان الغرفة، وفتاة شابة تنبض دقات قلبها المضطربة باسمه لأول مرة، غافلة تماماً عن الهاوية التي تقاد إليها ..

سار آدم بخطوات عريضة وسريعة في الشوارع الجانبية الضيقة المؤدية إلى حيه المستقل البعيد عن الأنظار. كانت خطواته الرياضية ثابتة على الرصيف البارد، لكن عقله كان يسير بسرعة البرق في اتجاه معاكس، يغلي كمرجل من نار ما إن ولج باب شقته الفاخرة ذات الأثاث المودرن المظلم حتى أغلقه خلفه بعنف شديد أحدث صدى في أرجاء المكان، وسند ظهره على الخشب البارد، مغلقاً عينيه بقوة وكأنه يحاول طرد صورتها الضعيفة وصوتها المبحوح من مخيلته المجهدة !!

نزع سترة بدلته السوداء وألقاها أرضاً بإهمال لم يعتده، ثم توجه بخطوات غاضبة نحو المرآة الكبيرة المعلقة في ردهة بيته .. نظر إلى انعكاس صورته، عينان غائرتان بفعل السهر الطويل، فك مشدود بحدة من الغضب العارم، وملامح تنطق بالاشمئزاز من ذاته .. بدأ يلوم نفسه بقسوة لا ترحم ، ويوجه لنفسه سياط العتاب والندم التي مزقت كبريائه..

آدم بنبرة غاضبة مليئة بالحقارة يحادث انعكاسه في المرآة: ما الذي تفعله بحق الجحيم يا آدم؟ هل جننت تماماً وفقدت عقلك؟ لقد قضيت الليل بطوله تمسح جبين الفتاة التي دهست أخاك الوحيد بسيارتها! الفتاة التي تركت دماءه تسيل على الرصيف البارد وهربت مثل الجبانة قبل خمس سنوات لتختبئ خلف نفوذ عائلتها وثروتها!

التفت يميناً وشمالاً في الردهة وهو يضرب قبضته القوية على الطاولة الخشبية بعنف، ليتناثر غبار خفيف في الهواء ويحدث صوتاً مدوياً، وعقله يستحضر بتفصيل مميت ليلة الحادث المشؤومة وصورة سيارة "عشق" الفارهة وهي تتجاوز الجثة الملقاة وتختفي في ظلام الليل الدامس دون أن تكلف نفسها عناء الاتصال بالإسعاف.

آدم بنبرة غاضبة يحادث انعكاسه وهو يشير بإصبعه بتهديد: الخطة واضحة كالشمس ولا تقبل التغيير! جئت لتنتقم لأخيك الذي سلبته منه حياته وأحلامه وشبابه في لحظة طيش مستهترة .. جئت لتجعلها تقع في حبك وتتعلق بك حتى النخاع، لتصبح أنت متنفسها الوحيد ثم تكتشف حقيقتك المظلمة وتتحطم أمام عينيك، انت جئت لتعدبها لا أن تسقط أنت في شباك عينيها العسليتين الساحرتين! كيف سمحت لنفسك أن تشعر بالخوف الحقيقي عليها وهي ترتجف من المرض؟ إنها قاتلة يوسف .. تذكر ذلك جيداً كلما نظرت إليها!

جلس على الأريكة الجلدية السوداء، واضعاً رأسه المثقل بالهموم بين كفيه، يشعر بتمزق داخلي عنيف يكاد يقسم روحه إلى نصفين .. قلبه الذي ظن لسنوات أنه تحول إلى حجر صوان صلب بعد موت أخيه، بدأ يلين بطريقة مرعبة تهدد كل ما بناه.. إن الانجذاب الخفي الذي يشعر به نحو عشق ليس مجرد عقبة عابرة، بل هو خيانة عظمى لدم شقيقه الراحل الذي ما زال يطالب بالقصاص والعدالة من فوق ترابه..

بينما كان آدم غارقاً في صراعه النفسي المظلم ويحاول ترتيب أفكاره المبعثرة ليعيد بناء جدار بروده، رن هاتف المنزل الأرضي الخاص بـغرفة عشق حيث كان قد زرع فيه جهاز تنصت سري متطور قبل أسابيع طويلة ليرصد كل شاردة وواردة .. قام بسرعة من مكانه وشغل شاشة الكمبيوتر الضخمة برابط مشفر ليسمع بوضوح الترددات الصوتية للمكالمة الساخنة التي تدور في هذه الأثناء بين عشق وصديقتها المقربة الوحيدة "ندى"..

صوت ندى عبر الهاتف، بنبرة مرتجفة ومستعجلة يملؤها الذعر : عشق! الحمد لله أنكِ استيقظتِ وأنكِ بخير! سمعت من الخادمة صباحاً أنكِ كنت مريضة جداً البارحة وتصارعين الحمى.. لكن هناك أمر آخر مرعب وخطير للغاية حدث الآن.. هل تتذكرين ذلك الحادث المشؤوم قبل خمس سنوات؟ الحادث الذي غير مجرى حياتنا؟

عشق بنبرة مرتجفة، خائفة، ومذعورة وقد تلاشت كل آثار الراحة من وجهها: ندى! أرجوكِ لا تفتحي هذا الموضوع المغلق، أنتِ تعلمين جيداً أنني أعيش في كوابيسه وجحيمه كل ليلة، ولم أنس دقيقة واحدة منه.. ماذا حدث الآن فجأة ليجعلكِ تتحدثين عنه؟

ندى هي تتنفس بصعوبة: المحامي الخاص بنا اتصل بي قبل قليل وعلامات الفزع واضحة في صوته .. يقول إن القضية القديمة التي ظننا جميعاً أنها أُغلقت للأبد وقُيدت ضد مجهول بفعل الزمن، تم فتحها مجدداً البارحة بطلب عاجل من مدعٍ عام جديد تولى المنصب مؤخراً. والأسوأ من كل هذا، أن هناك شخصاً مجهول الهوية قدم لمديرية الأمن شريط فيديو أصلي ونادر من كاميرا مراقبة قديمة للموقع كانت مخفية، يظهر فيه رقم لوحة سيارتك بوضوح تام وهي تفر من مكان الحادث بعد ارتطامها بالضحية!

تجمدت الدماء تماماً في عروق عشق، وشعرت بركبتيها تعجزان عن حملها، فسقطت سماعة الهاتف الأرضي من يدها المرتجفة لتستقر على السرير وهي مذهولة لا تستوعب حجم الكارثة التي تطرق بابها بعد كل هذه السنوات من الصمت العقيم..

وفي نفس اللحظة الزمنية، كان آدم يجلس متسمراً أمام شاشته اللامعة في شقته المغلقة، وعيناه تتسعان بصدمة وجنون لم يسبق له مثيل. كان عقله يرفض الفكرة؛ هو يعلم يقيناً وبشكل قاطع أنه لم يسلم ذلك الفيديو للشرطة بعد، لأنه كان يحتفظ بالنسخة الوحيدة التي امتلكها بعد بحث مضنٍ كأداة ضغط أخيرة وقاتلة لتدميرها بنفسه وتجريدها من كل شيء عندما يحين الوقت المناسب.

هذا المعطى الجديد يعني شيئاً واحداً خطيراً ومرعباً .. هناك طرف ثالث غامض، مجهول الملامح والأهداف، يعلم بالسر الدفين لعشق، وبدأ يتحرك في الخفاء وبسرعة رهيبة ليدمرها ويسحب البساط من تحت أقدام الجميع قبل أن يكمل آدم خطته الانتقامية التي أفنى فيها سنوات من عمره!

شعر آدم بغضب أعمى، حارق، وممزوج بذكورة مجروحة يجتاح كل كيانه؛ لم يكن مستعداً نفسياً أن يأخذ أي شخص آخر ثأر شقيقه يوسف بدلاً منه، ولم يكن مستعداً على الإطلاق لرؤية عشق خلف القضبان الرمادية وسلب حريتها قبل أن يذيقها هو بنفسه من نفس الكأس المرة التي شرب منها لسنوات.. أو ربما، في زاوية معتمة وعميقة من روحه الملتوية، كان هناك جزء مظلم يرفض تماماً فكرة أن يصيب عشق أي أذى أو سوء من شخص غيره، رغبة في احتكار تدميرها أو حمايتها، تداخلت المفاهيم في عقله لدرجة الجنون.

وقف آدم وسط الغرفة بعيون تلمع بالشرر، وتوجه بخطوات عاصفة نحو خزانته السرية المعلقة خلف لوحة زيتية. سحب مسدسه الأسود اللامع عيار 9 ملم، وتفقد مخزن الذخيرة بعناية وصوت القفل الحديدي يتردد في أذنيه كمعزوفة حرب.. التقط مفاتيح سيارته الرياضية السريعة، ونظر إلى الفراغ بعزم حديدي لا يلين.

آدم متمتماً بخفوت ونبرة حملت وعيداً قاتلاً وهو يتجه نحو باب الشقة: اللعبة لم تعد ملكي وحدي ولا تسير وفق شروطي السابقة.. يجب أن أكتشف فوراً من هذا الظل الذي يحاول حرق أوراقي والعبث بصيدي الثمين قبل أن أبدأ عرضي الأخير! سأحرق المدينة بأكملها إن لزم الأمر لأعرف من يجرؤ على التدخل بيني وبين انتقامي.

انطلق آدم مسرعاً، تاركاً خلفه شقته الغارقة في السكون، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم يعد العدو واهناً ومريضاً في سرير، بل أصبح ظلاً غامضاً يهدد بقلب الطاولة على الجميع وإشعال فتيل حرب لا تبقي ولا تذر.

رأيكم 🤌😍✍

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رهينة انتقامه    الفصل الثالث والعشرون : قيد الأنفاس وجحيم الإذعان

    مرت الساعات الأولى بعد حادثة الشرفة ثقيلة كأنها دهور ممتدة من العذاب الصامت. كانت عشق ممددة فوق الفراش الوفير، وجسدها النحيل ينتفض برعشة هستيرية متواصلة جراء سريان السموم ونقص المهددات في عروقها. كان شعرها الأسود الفاحم الطويل مبعثراً حول وجهها الشاحب، ملتصقاً بجبينها المبلل بعرق الألم البارد. كانت تقبض بيديها الصغيرتين المجروحتين على أغطية السرير، وتكتم أنفاسها المتهدجة لكي لا يخرج صوت نحيبها المكسور إلى أرجاء القصر، رافضة أن تمنح سجانها متعة السماع بضعفها.وفجأة، دوت خشخشة المفاتيح المعدنية في القفل الثقيل، معلنة انتهاء الترقب وبداية جولة جديدة من مواجهة الوحش. انفتح الباب ببطء متعمد، ودخل آدم بكامل هيئته الطاغية وجسده الممشوق الذي يفرض هيبته المرعبة في عتمة الجناح. كان يحمل في يده اليمنى زجاجة الدواء المهدئ، بينما كانت يده اليسرى مدسوسة في جيب بنطاله الفاخر ببرود تام. انبعثت منه رائحة السيجار الفاخر وعطره الرجولي النفاذ، ذلك العطر الذي بات يمثل لعشق رائحة القيود والهلاك.تحرك آدم بخطوات ثابتة وصامتة نحو الفراش، وكان صدى وقع حذائه فوق الأرضية الرخامية يمزق ما تبقى من هدوء عشق النفسي

  • رهينة انتقامه    الفصل الثاني والعشرون : احتكاك النيران

    تسللت أشعة الشمس الأولى عبر ستائر جناح عشق الثقيلة لتكشف عن ملامح ليلة قاسية تركت ندوبها النفسية على كل ركن في الغرفة الكئيبة. كانت عشق مستيقظة بالفعل، فلم يطرق النوم جفنها طوال الساعات الماضية إثر المواجهة العنيفة التي دارت بينها وبين آدم بعد عودته ليلاً. جلست على حافة الفراش، تجمع شعرها الأسود الفاحم الطويل بيدين ما زالتا ترتجفان بقوة تحت وطأة أعراض نقص السموم المهدئة، لكن بريقاً جديداً وحاسماً بدأ يلمع في عينيها الزرقاوين؛ بريق تولد من رحم الانكسار، بريق امرأة قررت ألا تستسلم لجلادها وسجانها حتى لو كلفها ذلك حياتها.أدركت عشق في تلك اللحظات الصامتة أن بقاءها في حالة الانهيار والاستسلام هذه هو بالضبط ما يبتغيه آدم، وأن دموعها ونحيبها هما الوقود الذي يغذي نار انتقامه الرهيب لأخيه الراحل سفيان. وقفت على قدميها المهتزتين، وتوجهت نحو الحمام لتغسل وجهها بالماء البارد، محاولة طرد الضعف والوهن من جسدها المنهك. نظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة، ورغم الشحوب الطاغي والهالات السوداء التي تحيط بعينيها، إلا أن ملامح التحدي عادت لترتسم على ثغرها الجريح. همست لنفسها بصوت منخفض ولكنه حاسم: "لن أكون

  • رهينة انتقامه    الفصل الحادي والعشرون : مواجهة خلف قضبان الجليد

    دفع آدم الباب الخشبي الثقيل ليتسع الشرخ في جدار الصمت الذي لف الغرفة المظلمة طوال الساعات الماضية. دخل بخطواته الهادئة والواثقة، والمنبعثة منها رائحة السيجار الفاخر الممتزجة ببرودة ليل المرفأ المهجور الذي شهد قبل قليل نجاح صفقته الكبرى مع لوكاس. لم تكن هناك أي إضاءة سوى خيوط ضئيلة من نور الممر الخارجي، والتي انعكست على جسد عشق الممدد على الأرض بجوار الفراش. كانت تبدو كجسد بلا روح، منكمشة على نفسها، بينما يحيط بوجهها الشاحب شعرها الأسود الفاحم المبعثر الذي تلطخ بدموعها المالحة إثر نوبة الانهيار الحادة التي أصابتها.أغلق آدم الباب خلفه بقفل معدني أصدر صوتاً قاطعاً، شق سكون الغرفة وجعل أوصال عشق ترتجف تلقائياً دون أن تفتح عينيها. وقف يتأملها لبرهة بنظرات صارمة لا تحمل أي ذرة من الشفقة؛ فبالنسبة له، كل أنة تصدر من هذه المرأة هي قربان يقدمه لروح شقيقه الراحل سفيان. تقدم نحوها ببطء، ووقف فوق رأسها مباشرة وهو ما يزال يشعر بانتشاء القوة بعد نجاحه في استلام الشحنة الثمينة وإخضاع لوكاس الخائن، ثم قال بنبرة رجولية حادة تفيض تملكاً وقسوة:- "إلى متى تنوين البقاء مستلقية على الأرض كالموتى؟ انهضي و

  • رهينة انتقامه    الفصل العشرون : شظايا النفوس

    أما عشق، فكانت تجلس داخل غرفتها على الأرض تبكي بهستيرية ومرارة. وفي تلك اللحظة القاسية، أيقظتها حنين بكلماتها المسمومة لكي تتأكد عشق أنها مجرد رهينة في فخ الانتقام، وليست إلا سجينة بائسة في هذا الجحيم، وأن آدم هو السجان الذي سلبها كل شيء.استغلت حنين غياب آدم تماماً، وصعدت الأدراج بخطوات متعالية يصدر عنها صوت كعبها العالي كقرع الطبول المتحدية. فتحت باب غرفة عشق دون استئذان، ودخلت لتجدها ملقاة على الأرض، وشعرها الأسود الليلي الطويل ينسدل بنعومة مبعثرة على كتفيها ويغطي ملامحها الشاحبة. وقفت حنين تتأملها بنظرات تقطر كراهية وازدراء، وضمت ذراعيها إلى صدرها قائلة بنبرة سخرية لاذعة:- "انظري إلى نفسكِ أيتها القاتلة الهاربة.. أين ذهب ذلك الكبرياء الثري والجمال الأخاذ؟ لقد أصبحتِ مجرد حطام امرأة، دمية مكسورة يحركها آدم ليعاقب بها روح شقيقه الراحل سفيان. هل ظننتِ حقاً في أحلامكِ الوردية أنه قد يحبكِ يوماً؟ لقد أوهمكِ بالحب والأمان لكي تقعي في فخه بمحض إرادتكِ وتأتي إلى هنا لتلقي حتفكِ ببطء."رفعت عشق رأسها ببطء شديد، وكانت عيناها الحمراوان محاطتين بهالات التعب والإدمان، وملامحها مشوهة بالألم ال

  • رهينة انتقامه    الفصل التاسع عشر : ظلال لا تموت

    ابتسمت بمرارة وهي تحدق في السقف، وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها. لو كانت في وضع آخر لكانت بلا شك سعيدة بغيرة آدم عليها، ولكن للأسف هو لم يغر عليها. كل ما في الأمر أنه لا يريد لأحد أن يتعاطف معها أو أن يمد لها يد العون. وعلى أثر هذه الأفكار المؤلمة تذكرت يوسف، أخاه الذي قتلته بيدها. بلعت ريقها بوهن واجتاحتها الذاكرة فجأة فعادت بها إلى تلك الليلة البشعة، إليه وهو يستنجد بها بعين ملؤهما الرجاء. ولأول مرة منذ ذلك الحين سألت نفسها السؤال الذي كانت تهرب منه دائما: يا ترى لو كنت قد ساعدته، أكان سيعيش؟مكان آخر كان عمران جالسا في مكتبه يتنهد بضعف وقد عقد حاجبيه بعصبية واضحة. رفع عينيه إلى صباح التي كانت تقرأ مجلة بلا اكتراث وكأن الأمر لا يعنيها.. قال بصوت متوترعمران: "هاتفا عشق وآدم مغلقان، أخشى أن يكون قد حدث لها مكروه." ابتسمت صباح ابتسامة خبيثة ظهرت في نظراتها وأخفتها سريعا خلف صوتها الأنثوي الناعم ..صباح: لا تخف، ربما يقضيان شهر العسل الآن." انفجر عمران غاضبا وضرب المكتب بيده : "أفي شهر عسل نحن؟! صدرت مذكرة اعتقال باسم عشق، أتظنين أنها قادرة على الخروج من البلاد بطريقة قانونية؟" هزت

  • رهينة انتقامه    الفصل الثامن عشر : زلزال الهوس

    تحولت دماء آدم إلى جحيم يغلي .. بمجرد أن استمع إلى صوت خطوات أيمن تقترب من باب المكتب، انتصب جسده كفهد يوشك على تمزيق فريسته. تلاقت عيناه بصورة معصمي عشق الداميين، لتمتزج في عقله صورة الضحية بنظرات العطف التي رماها أيمن نحوها. انفتح الباب، ودخل أيمن بخطواته الهادئة، ولم يكد يغلقه خلفه حتى انقض عليه آدم كالصاعقة.بسرعة مرعبة، قبض آدم على ياقة قميص أيمن، ودفعه بكل قوته ليصطدم ظهره بالجدار الخشبي للمكتب بعنف أحدث دويًا هائلًااحتقن وجه آدم بالدم، وعيناه المحمرتان تشتعلان بشرر جنوني، وصرخ بفحيح مرعب وعروق عنقه بارزة ..ادم: كيف تجرؤ؟! كيف تجرؤ على تخطي حدودك والدخول إلى جناح زوجتي يا أيمن؟! من أعطاك الحق لتلمس فراشها أو تواسيها وتطعمها؟!صدمة أيمن تلاشت في ثانية، وحل محلها غضب عارم من غطرسة صديقه. رغم قبضة آدم القوية التي تكاد تخنقه، لم يتراجع، بل ثبت نظراته الحادة في عيني آدم القاتلتين وقال بصوت جهوري وهائجادم: ارفع يدك عني يا آدم! أنا لم أتخطَّ حدودي، أنا أنقذت ما تبقى من إنسانيتنا! الفتاة كانت تموت أمام أعيننا بسبب هوسك الأعمى! أنت لم تعد تنتقم لأخيك يوسف.. أنت أصبحت وحشاً سادياً يت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status