LOGINالفصل العشرون: الرسالة التي كتبها أبي
ظل سليم واقفًا أمام الباب، والرسالة بين أصابعه. لم يكن يستطيع أن يقرأها مرة ثانية. لم يكن بحاجة إلى ذلك. الكلمة الأخيرة كانت كافية لتعيد إلى ذاكرته أشياء ظن أنه نسيها منذ طفولته. أبي. لم يكن أحد يناديه بهذه الطريقة في الرسائل. والده الذي قيل له إنه مات. والرجل الذي لم يرَ وجهه يومًا. والاسم الذي كان ممنوعًا من السؤال عنه. خالد الراوي. قالت ليان: «سليم؟» لم يجب. اقتربت منه. «هل أنت بخير؟» رفع عينيه إليها. «لا أعرف.» «سنجد الحقيقة.» ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح. «كلما وجدنا إجابة، تظهر عشرة أسئلة.» «لكن هذه المرة الأمر مختلف.» «كيف؟» «لأن الرسالة موقعة باسمه.» نظر إليها. «إذا كان خالد حيًا فعلًا...» توقفت. «ماذا؟» «فكل ما عشته طوال حياتي كان كذبة.» أمسكت يده. «ليس كل شيء.» نظر إليها. «أنتِ الحقيقة الوحيدة التي لم أكذب فيها.» ارتجفت ابتسامتها. ثم قالت: «إذن لا تجعل هذه الحقيقة تضيع بسبب الماضي.» --- جلسا في غرفة المعيشة. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. وضعت ليان الرسالة على الطاولة. قالت: «نحن لن نذهب وحدنا.» «هو طلب ذلك.» «وهذا بالضبط سبب أننا لن نطيعه.» «إذا كان أبي فعلًا، فلن يؤذيني.» «لا تعرف.» «لكنني أعرف شيئًا واحدًا.» «ماذا؟» «أنني انتظرت هذه اللحظة منذ كنت طفلًا.» صمتت. «ماذا كنت تتخيل؟» ابتسم بحزن. «كنت أتخيل أنه سيعود.» «وماذا كنت ستقول له؟» فكر قليلًا. «لماذا تركتني؟» «والآن؟» «سأسأله لماذا جعلني أظن أنه مات.» «وإذا كان لديه سبب؟» «سأسمعه.» «وإذا كان السبب مؤلمًا؟» «سأتحمله.» ثم نظر إليها. «لكنني لا أريد أن أتحمله وحدي.» اقتربت منه. «لن تفعل.» --- قبل شروق الشمس بساعتين، تحركا. لم يخبروا أحدًا بالمكان الحقيقي. لكن سليم ترك رسالة لمريم تحتوي على العنوان، وأرسل نسخة إلى شخص يثق به. قالت ليان أثناء الطريق: «البيت القديم بعيد؟» «نصف ساعة.» «هل تتذكره؟» «كنت صغيرًا.» «هل عشت فيه؟» «فترة قصيرة.» «مع من؟» «مع رائد.» «وخالد؟» صمت. «كنت أظن أن رائد أبي.» «أعرف.» «لكنني كنت أحيانًا أسمع صوت رجل آخر في الليل.» نظرت إليه. «خالد؟» «ربما.» «ماذا كان يقول؟» «لا أتذكر الكلمات.» «ولا صوته؟» «الغريب أنني أتذكر شعوري أكثر من صوته.» «ماذا كنت تشعر؟» «بالأمان.» توقفت ليان عن الكلام. قال سليم: «كنت أعتقد أنني أشعر بالأمان لأن رائد كان موجودًا.» «لكن؟» «الآن لا أعرف.» --- ظهر البيت القديم. كان مبنى حجريًا ضخمًا محاطًا بأشجار عالية. توقفت السيارة بعيدًا. نظر سليم إلى المنزل. «هنا.» نزل. أمسكت ليان يده. «هل أنت مستعد؟» «لا.» «وأنا أيضًا.» ثم دخلا. كان الباب مفتوحًا. لم يحتجا إلى مفتاح. في الداخل، كان كل شيء مغطى بطبقة من الغبار. لكن شيئًا واحدًا بدا جديدًا. طاولة خشبية. وعليها مصباح مضاء. وبجانب المصباح... صورة. اقترب سليم. أمسكها. كانت صورة لرجل شاب يحمل طفلًا صغيرًا. حدق طويلًا. قالت ليان: «هذا أنت.» أومأ. «وهذا...» لم يستطع إكمال الجملة. «خالد.» في الصورة كان الرجل يبتسم. لم يكن يشبه رائد. ولا آدم. كان يشبه سليم. بشكل واضح. العينان. شكل الوجه. حتى طريقة الابتسام. قلب سليم الصورة. كان هناك تاريخ مكتوب خلفها. قبل وفاة خالد بثلاثة أشهر. تجمد. «هذا يعني أنه كان حيًا عندما قالوا لي إنه مات.» قالت ليان: «إذن كذبوا.» فجأة سمعا صوتًا من أعلى الدرج. «ليس تمامًا.» التفتا. كان رائد. --- قال سليم: «أنت؟» نزل رائد ببطء. «كنت أعرف أنكما ستأتيان.» «هل أنت من كتب الرسالة؟» «لا.» «إذن من؟» «خالد.» «أين هو؟» لم يجب. تقدم سليم. «أين أبي؟» قال رائد: «أبوك مات.» «يونس قال إنه حي.» «يونس يكذب.» «والصورة؟» نظر رائد إليها. «الصورة حقيقية.» «إذن؟» «كان خالد حيًا عندما التقطت الصورة.» «متى مات؟» صمت رائد. «أبي!» رفع رائد عينيه إليه. «لم يمت.» ساد الصمت. قال سليم: «قلت إنه مات.» «قلت لك إنه مات لأنني لم أكن أملك خيارًا.» «أين هو؟» «لا أعرف.» «كاذب.» «أتمنى لو كنت أكذب.» اقتربت ليان. «ماذا حدث؟» نظر رائد إليها. «خالد اختفى.» «متى؟» «قبل ولادتك بعام تقريبًا.» «هل كان يهرب؟» «لا.» «إذن؟» «كان يُختطف.» شهقت. «من اختطفه؟» «لا أعرف.» قال سليم: «لكنّك تعرف شيئًا.» «نعم.» «قل.» تنهد رائد. «آخر شخص شوهد مع خالد كان...» توقف. «من؟» قال: «يوسف منصور.» --- لم تتفاجأ ليان. لكنها شعرت بأن الدائرة تضيق. قالت: «إذن يوسف يعرف أين خالد.» «نعم.» «وآدم؟» «يعرف جزءًا من الحقيقة.» «وفارس؟» «يعرف أكثر مما قال.» «وكمال؟» «يعرف أنه لا يستطيع مواجهة خالد.» قال سليم: «إذن خالد حي.» «ربما.» «لا تقل ربما.» «لأنني لا أعرف.» «لكن يونس قال إنه حي.» «يونس كان يستخدمك.» «والصورة؟» «الصورة لا تثبت أنه حي الآن.» ثم أضاف رائد: «لكنها تثبت شيئًا آخر.» «ماذا؟» «أن خالد لم يختفِ من تلقاء نفسه.» --- اقترب سليم من الطاولة. وجد ظرفًا آخر. «هذا كان هنا؟» هز رائد رأسه. «لم أره.» فتح سليم الظرف. كانت بداخله ورقة واحدة. قرأ: «إلى ابني سليم...» توقف. لم يستطع الاستمرار. قالت ليان: «أعطني.» ناولها الورقة. قرأت بصوت منخفض: «إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنني لم أستطع العودة إليك.» سكتت. ثم تابعت: «أعرف أن الجميع أخبرك أنني تركتك. لا تصدقهم.» توقفت ليان. ثم أكملت: «لم أتركك لأنني لم أحبك. تركتك لأن وجودي بجانبك كان سيجعلك هدفًا.» نظر سليم إلى رائد. «هدفًا لمن؟» لم يجب. تابعت ليان: «هناك رجل داخل عائلتنا يريد أن يرث كل شيء. لن أذكر اسمه، لأنني لا أعرف إن كانت هذه الرسالة ستصل إليك أم لا.» ثم جاء السطر التالي: «لكنني أعرف أن آدم سيحميك، حتى لو اضطر إلى أن يكرهني.» رفع سليم رأسه. «آدم؟» أكملت: «أما رائد، فلا تثق به بالكامل.» توقف الجميع. نظر سليم إلى رائد. «ماذا فعلت؟» قال رائد: «اقرأ.» تابعت ليان: «رائد لم يكن خائنًا، لكنه كان ضعيفًا أمام والده. وهذا الضعف سيجعله يتخذ قرارات ستؤذيك دون أن يقصد.» أغلقت ليان الورقة. نظر سليم إلى رائد. «لماذا؟» قال رائد: «كنت أظن أنني أحميك.» «الجميع يقول ذلك.» «لأنها الحقيقة.» «لكنكم جميعًا حطمتم حياتي باسم الحماية.» خفض رائد رأسه. --- قالت ليان: «هناك شيء آخر.» «ماذا؟» «الرسالة تقول إن خالد كان يعرف أنه سيختفي.» أومأ رائد. «نعم.» «وكان يعرف أن آدم سيحمي سليم.» «نعم.» «إذن آدم لم يكن عدو خالد.» «لا.» «فلماذا كان آدم يكره خالد؟» رفع رائد عينيه. «لم يكن يكرهه.» «ماذا؟» «كان يحبه.» سأل سليم: «كأخ؟» «أكثر من ذلك.» صمت. «خالد وآدم كانا أقرب من بقية الإخوة.» قالت ليان: «إذن لماذا لم يخبرني آدم؟» «لأنه وعد خالد.» «بماذا؟» «أن يحميك أنت وسليم.» تجمدت. «أنا؟» «نعم.» «لماذا أنا؟» قال رائد: «لأنك كنت تحملين سرًا لم يكن يجب أن يصل إلى كمال.» --- فجأة انطفأ المصباح. ساد الظلام. قال سليم: «ليان، ابقي خلفي.» سمعوا صوت خطوات. ثم صوت باب يُغلق. قال رائد: «هناك أحد هنا.» أضاء سليم هاتفه. اختفت ليان. «ليان؟» لم تجب. صرخ: «ليان!» ركض في الظلام. سمع صوتها من نهاية الممر: «سليم!» ركض نحوها. وجد بابًا مفتوحًا. دخل. كانت ليان هناك. لكنها لم تكن وحدها. كان رجل يقف خلفها. وجهه في الظلام. قال سليم: «ابتعد عنها.» رفع الرجل يده. «لو أردت إيذاءها، لفعلت.» أضاء سليم المصباح. نظر إلى الرجل. وتجمد. لم يكن غريبًا. كان يعرفه. رآه في الصور. رآه في ذكريات طفولته. الرجل الذي كان يحمل الطفل في الصورة. قال سليم بصوت مرتجف: «أبي؟» لم يتحرك الرجل. ثم قال: «كنت أتمنى أن تقولها لي يومًا وأنت طفل.» اقترب سليم. «خالد.» أومأ الرجل. «نعم.» --- لم يعرف سليم ماذا يفعل. ظل واقفًا. ثم قال: «أنت حي.» «منذ سنوات.» «لماذا لم تعد؟» «لأنني لم أستطع.» «لماذا؟» «لأنني كنت أراقبك من بعيد.» «لماذا؟» «لأنهم كانوا يراقبونني.» «من؟» «الناس الذين قتلوا حياتنا.» اقتربت ليان. «هل أنت والدي؟» نظر خالد إليها. تغير وجهه. «لا.» تجمدت. «لكنني أعرف أباك.» «آدم؟» «نعم.» «يونس قال إنه أبي.» «يونس قال لك الحقيقة، لكنه لم يقل لك كل الحقيقة.» قال سليم: «إذن من والد ليان؟» نظر خالد إليها. ثم قال: «آدم.» تنفست ليان. «إذن لماذا قال يونس...» «لأن يونس يريد منك أن تصدقي أنه والدك.» «لماذا؟» «لأنه يحتاج إلى دمك.» تجمدت. «دمِي؟» «نعم.» «لماذا؟» «لأن هناك ميراثًا لا يفتح إلا ببصمة وراثية معينة.» قال سليم: «أي ميراث؟» «ممتلكات جدنا.» «كل هذا بسبب المال؟» هز خالد رأسه. «ليس المال.» «إذن ماذا؟» «هناك شيء أخطر.» اقترب من الطاولة. فتح درجًا سريًا. أخرج ملفًا قديمًا. «قبل سنوات، كان والدنا يدير إمبراطورية ضخمة.» قال سليم: «نعرف.» «لكن الإمبراطورية لم تكن كلها أموالًا.» «ماذا كانت؟» «كان هناك حساب سري.» «حساب؟» «ثروة مخفية، وأسهم، ووثائق، وأسماء أشخاص كانوا يعتمدون على العائلة.» قالت ليان: «ولماذا نحتاج إلى دمي؟» نظر خالد إليها. «لأن والدتك كانت تحمل المفتاح.» تجمدت. «أمي؟» «سلمى.» «ما علاقة أمي؟» «كانت الوحيدة التي تعرف مكان المفتاح.» «وأين هو؟» نظر إليها طويلًا. ثم قال: «معك.» رفعت ليان حاجبها. «معي؟» «منذ ولادتك.» لم تفهم. «أين؟» قال خالد: «في شيء لم يفارقك منذ كنت طفلة.» --- بدأت ليان تفكر. قلادة؟ خاتم؟ سوار؟ تذكرت فجأة شيئًا. رفعت يدها إلى عنقها. كانت ترتدي قلادة صغيرة أعطاها لها فارس عندما بلغت الثامنة عشرة. قالت: «هذه؟» نظر خالد إليها. تغير وجهه. «نعم.» خلعت القلادة. كانت بسيطة جدًا. قال سليم: «كيف تكون مفتاحًا؟» قال خالد: «لأنها ليست قلادة.» ضغط على جزء صغير منها. انفتح الغطاء. ظهر داخله جزء معدني دقيق يحمل رقمًا. 17. شهقت ليان. «المفتاح...» قال خالد: «كان مخفيًا أمام الجميع طوال هذه السنوات.» نظر سليم إلى والده. «ماذا يفتح؟» قال خالد: «المكان الذي دفن فيه والدنا الحقيقة.» --- فجأة دوى صوت إطلاق نار في الخارج. تراجع الجميع. قال خالد: «لقد وجدونا.» قال سليم: «كمال؟» «لا.» «من؟» نظر خالد إلى رائد. «أبوك يعرف.» قال رائد بصوت خافت: «يونس.» لكن خالد هز رأسه. «ليس يونس.» ثم قال: «الرجل الذي أرسل الرسالة ليس أنا.» تجمد سليم. «ماذا؟» «أنا لم أكتبها.» نظر الجميع إلى بعضهم. «إذن من كتبها؟» قال خالد: «الشخص الذي يريد أن يجمعكم هنا.» تراجعت ليان. «فخ.» «نعم.» قال خالد: «ولقد وقعنا فيه.» انفتح الباب بعنف. ظهر كمال. لكن بجانبه كان رجل آخر. رجل لم تره ليان من قبل. ابتسم. وقال: «مرحبًا يا خالد.» تجمد خالد. ثم همس: «مستحيل.» قال سليم: «من هذا؟» لم يجب خالد. اقترب الرجل. «ألم تعرفني؟» ثم ابتسم. «مر وقت طويل يا أخي.» تغير وجه رائد. «يوسف؟» قال الرجل: «كنت أعرف أنكم ستصلون إلى هنا في النهاية.» صرخت ليان: «أين فارس؟» ضحك يوسف. «في مكان آمن.» قال سليم: «ماذا تريد؟» نظر يوسف إلى ليان. «المفتاح.» وضعت يدها على القلادة. قال: «أعطيني إياه.» تقدم سليم أمامها. «لن تأخذه.» رفع يوسف سلاحه. «إذن سأضطر لأخذها بطريقة أخرى.» وفي اللحظة نفسها، أمسك خالد بيد سليم وقال: «اسمعني جيدًا.» «ماذا؟» «إذا حدث شيء... خذ ليان واهرب.» «لن أتركك.» نظر خالد إلى ابنه. ولأول مرة، ظهرت الدموع في عينيه. «هذه أول مرة أراك فيها منذ عشرين عامًا.» ثم ابتسم. «ولا أريد أن تكون الأخيرة.» قال سليم: «أبي...» قاطعه خالد: «اذهب.» لكن ليان أمسكت بيد سليم. «لن نهرب.» نظر إليها. قالت: «لقد عشنا حياتنا وهمًا.» ثم نظرت إلى يوسف. «هذه المرة سنواجه الحقيقة.» ابتسم يوسف. «كنت أعرف أن ابنة آدم ستكون عنيدة.» قالت: «وأنا أعرف شيئًا واحدًا.» «ما هو؟» اقتربت من سليم. وأمسكت يده أمام الجميع. «أنني لن أسمح لأي سر أن يفرق بيننا.» نظر سليم إليها. ابتسم. ثم قال: «ولا أنا.» وفي اللحظة التالية... انطفأت الأنوار مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يكن الظلام وحده هو الذي حلّ بالمكان. كان هناك صوت انفجار من الطابق السفلي. اهتز البيت كله. صرخ رائد: «الملفات!» قال خالد: «إنهم يحرقون المكان.» نظر يوسف إلى ليان. «أعطيني المفتاح.» هزت رأسها. «لا.» «إذن سيموت فارس.» تجمدت. قال سليم: «ماذا قلت؟» ابتسم يوسف. «فارس ليس في مكان آمن.» ثم أخرج هاتفه. ظهر بث مباشر. كان فارس مقيدًا داخل غرفة مظلمة. قال يوسف: «لديكم عشر دقائق.» ثم أضاف: «إما المفتاح... أو والدك الذي ربّاك.» نظر سليم إلى ليان. لم تتردد. نزعت القلادة. وضعتها في يده. ثم قالت: «سننقذه.» رفع سليم عينيه إليها. «وبعدها؟» قالت: «بعدها سنأخذ الحقيقة كلها.» لكن خالد كان ينظر إلى القلادة بقلق. وقال بصوت منخفض: «لا تعطوه المفتاح أبدًا.» التفتت ليان إليه. «لماذا؟» أجاب: «لأن المفتاح لا يفتح الخزنة... بل يفتح الباب الذي حاولنا إغلاقه منذ عشرين عامًا.» وساد الصمت. ثم ابتسم يوسف. وكأنه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا. «الآن فقط... بدأت اللعبة الحقيقية.»الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







