LOGINالفصل السابع: الرجل الذي عاد من الموت
لم يضغط الرجل على جرس الباب. ظل واقفًا أمام القصر للحظات، ينظر إلى النوافذ المضيئة في الطابق العلوي. كان يعرف أن سليم في الداخل. ويعرف أن ليان معه. ويعرف أيضًا أن دخوله الآن سيكون أسهل مما يتخيل أي شخص. لكن الرجل لم يأتِ ليقتحم المكان. جاء ليترك رسالة. أخرج من جيبه ظرفًا أبيض، ووضعه أسفل الباب. ثم ابتعد. لم يلتفت خلفه. وبعد دقائق اختفى في أحد الشوارع الجانبية. --- في الداخل، كان سليم ما يزال في مكتبه. لم يسمع شيئًا. لكن الحارس الموجود عند البوابة لمح الظل يبتعد. اقترب من الباب، ووجد الظرف. دخل إلى المكتب. «سيدي.» رفع سليم رأسه. «ماذا؟» وضع الظرف أمامه. «وجدته أمام الباب.» نظر سليم إليه. «هل رأيت من وضعه؟» «رجل، لكنه اختفى قبل أن أستطيع اللحاق به.» «أغلقوا البوابة.» «مغلقة أصلًا.» فتح سليم الظرف. خرجت منه ورقة واحدة. لم يكن عليها سوى سطر: «إذا أردت أن تعرف لماذا ماتت أمك، اذهب إلى البيت رقم 17 قبل منتصف الليل.» تحت الجملة كان هناك توقيع. حرف واحد. ر. تجمد سليم. كان يعرف ذلك الحرف. لكنه لم يكن مستعدًا لتصديق ما يعنيه. دخلت ليان المكتب في اللحظة نفسها. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، وشعرها منسدل على كتفيها. «سليم؟» رفع رأسه. «لماذا لم تنامي؟» «سمعت صوتًا.» ثم لاحظت الورقة. «ماذا حدث؟» أخفاها سليم سريعًا. لكنها رأته. اقتربت. «لا تخفِ عني شيئًا.» «ليان...» «ماذا كتبوا؟» تنهد. ثم ناولها الورقة. قرأت. رفعت عينيها إليه. «البيت رقم 17.» «نعم.» «والموقع؟» «لا أعرف بعد.» «لكن أمي قالت شيئًا عن الرقم 17.» «وأبي كان لديه ملف يحمل الرقم نفسه.» «إذن يجب أن نذهب.» «ليس الليلة.» «لماذا؟» «لأن الرسالة تريدنا أن نذهب.» «وأنت قلت إنهم يريدون إبعادنا عن بعضنا.» «صحيح.» «إذن ربما يريدونك أن تذهب وحدك.» نظر إليها. «هذا ما أخشاه.» «لن تذهب وحدك.» «ليان...» «لن أسمح لك.» ابتسم رغمًا عنه. «أنت لا تسمحين لي بشيء هذه الأيام.» «وأنت لم تعد تمانع.» «صحيح.» ساد الصمت. ثم قال: «لكنني أريد منك وعدًا.» «ماذا؟» «إذا حدث أي شيء، تهربين فورًا.» «معك.» «بدوني إن اضطررت.» هزت رأسها. «لا.» «ليان.» «لا.» اقترب منها. «أنا جاد.» «وأنا أيضًا.» كانت عيناها ثابتتين. «أنا لن أهرب وأتركك.» تنهد. «أنت تجعلين مهمتي مستحيلة.» ابتسمت. «وأنت قلت إنك تحب التحديات.» توقفت الكلمات في فمه. لم تقل شيئًا بعد ذلك. لكنها فهمت من صمته أنه سمع الكلمة. تحب. ولأول مرة لم تحاول التراجع عنها. --- قبل منتصف الليل بساعة، كانا في الطريق إلى البيت رقم 17. لم يأخذا الحراس. فقط سيارة واحدة. كان سليم يقود بنفسه. قالت ليان: «أنت صامت.» «أفكر.» «في ماذا؟» «في والدي.» «تعتقد أنه حي؟» «لا أعرف.» «هل تريد أن يكون حيًا؟» صمت. ثم قال: «لا.» نظرت إليه. «لماذا؟» «لأن الرجل الذي يتركني أعيش ثلاثين عامًا معتقدًا أنه مات، لا يمكن أن يكون فعل ذلك دون سبب.» «ربما كان يحميك.» «ربما.» «مثل أمي.» «ربما.» ثم نظر إليها. «لكن هناك فرق.» «ما هو؟» «أمي كانت تحاول حماية شخص تحبه.» «وأبوك؟» «لا أعرف إن كان يحبني أصلًا.» وضعت يدها على يده للحظة. «أنا متأكدة أنه يحبك.» نظر إليها. «كيف؟» «لأنك رغم كل ما حدث ما زلت تبحث عنه.» لم يجب. لكنه أمسك يدها للحظة قبل أن يعيدها إلى المقود. --- كان البيت رقم 17 في منطقة قديمة على أطراف المدينة. منزل مهجور منذ سنوات. جدرانه متشققة. نوافذه مكسورة. والباب الحديدي صدئ. قال سليم: «هذا المكان لا يبدو كأنه كان مسكونًا من قبل.» «لكنه كذلك.» «ماذا تقصدين؟» أشارت إلى الأرض. كان هناك أثر أقدام حديث. نزلا. أخرج سليم مصباحًا. دخل أولًا. تبعتْه ليان. كانت الرائحة قديمة. رطوبة وغبار وخشب متعفن. ثم وجدا غرفة في نهاية الممر. على الجدار رقم محفور: 17 قالت ليان: «وصلنا.» اقترب سليم. لاحظ وجود قفل صغير. أخرجت ليان القلادة. كان المفتاح المعلق بها صغيرًا. نظرا إلى بعضهما. قال: «جربي.» وضعت المفتاح. دار القفل. انفتح. انزلق الجدار إلى الداخل. ظهرت غرفة سرية. وفي وسطها صندوق خشبي. وفوقه صورة. اقتربت ليان. كانت الصورة لامرأتين. أمها. وأم سليم. لكن هذه المرة كان هناك رجل يقف خلفهما. رجل شاب. نظر سليم إلى الصورة. تجمد. «هذا أبي.» لم تستطع ليان الكلام. ثم وجد سليم ورقة تحت الصورة. قرأها. كان خط أمه. > «نادية، إذا اضطررنا للاختفاء، سيبحثون عن البيت رقم 17. لا تفتحي الصندوق إلا عندما يصبح سليم وليان معًا. وحدهما.» نظر سليم إلى ليان. «معًا.» قالت: «كانت تعرف.» «كانت تعرف كل شيء.» فتح الصندوق. وجد داخله عشرات الملفات. صور. رسائل. وأوراق مالية. لكن شيئًا واحدًا جذب انتباه ليان. دفتر صغير. على غلافه اسم والدها. فتحته. في الصفحة الأولى: «إذا كنت تقرأ هذا، فقد فشلت في حمايتهما.» شهقت. قلبت الصفحة. كان هناك تاريخ يعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا. ثم جملة: «بدأ كل شيء عندما اكتشفت أن رائد الراوي لم يمت.» رفع سليم رأسه. «رائد.» «والدك؟» أومأ. «نعم.» تابعا القراءة. كانت الصفحات تتحدث عن شبكة مالية سرية، وأشخاص نافذين، وعمليات تهريب أموال، وأسماء لم يعرفها أحد. لكن في منتصف الدفتر ظهرت جملة: «رائد لم يكن العقل المدبر.» وتحتها: «العقل المدبر هو الشخص الذي يظن الجميع أنه مات.» سكت سليم. «ماذا يعني هذا؟» لم تجب ليان. ثم سمعا صوتًا خلفهما. تصفيق. مرة. مرتين. ثم صوت رجل: «أحسنتما.» استدارا. كان رجل يقف عند باب الغرفة. تجمد سليم. لم يحتج إلى صورة. ولا إلى دليل. عرفه. قال بصوت خافت: «أبي.» نظر الرجل إليه. كان أكبر سنًا، شعره أبيض، لكن عينيه لم تتغيرا. «مر وقت طويل يا سليم.» وقفت ليان بجوار سليم. قال: «أنت ميت.» ابتسم رائد. «كان ذلك مناسبًا للجميع.» «أمي؟» تغيرت ملامح الرجل. «أمك كانت تعرف أكثر مما يجب.» «أين هي؟» «بعيدة.» «هل قتلتها؟» صمت رائد. ثم قال: «لو كنت قتلتها، لما كنت تبحث عنها حتى الآن.» اندفعت ليان خطوة. «وأمي؟» نظر إليها. توقف. «أنت ابنة سلمى.» «أين أمي؟» «قريبة.» «أين؟» «في المكان الذي لم تجرؤ على العودة إليه.» قال سليم: «أنت الذي كنت تراقبنا.» «نعم.» «أنت أرسلت الرسائل.» «بعضها.» «لماذا؟» اقترب رائد. «لأنني أردت أن أرى إن كان ابني سيختار الحب أم الخوف.» نظر إلى ليان. «ويبدو أنك اخترت الحب.» شد سليم يد ليان. «لا تدخلها في الأمر.» ضحك رائد. «هي في الأمر منذ ولادتها.» ثم أخرج صورة. كانت لامرأتين وطفلتين. ليان صغيرة. وفتاة أخرى. قال: «أنتما لم تكونا أول لقاء.» نظر سليم إلى الصورة. «ما هذا؟» «ذكرى قديمة.» «من هذه الفتاة؟» ابتسم رائد. «ستعرف عندما تجد أمك.» ثم تراجع. «لكن ليس الآن.» قال سليم: «لن تذهب.» «لن تمنعني.» «أين أمي؟» «اسأل زوجتك.» تجمدت ليان. «ماذا؟» نظر رائد إليها. «والدك أخفى عنك أكثر مما أخفى عن سليم.» ثم أضاف: «أمك لم تختفِ من أجلك فقط.» نظر إلى سليم. «بل من أجله أيضًا.» قبل أن يتحرك سليم، أطفأ رائد الضوء. سمعا صوت باب يُغلق. ثم عاد الضوء. اختفى. --- بحث سليم عن مخرج آخر. لكن الرجل كان قد غادر. وقفت ليان وسط الغرفة. «ماذا يقصد؟» لم يجب. «سليم.» «لا أعرف.» «لكنه قال إن أمي اختفت من أجلك.» «ربما كان يكذب.» «ولماذا؟» «ليثير شكوكك.» اقترب منها. «لا تصدقي أي شيء يقوله.» «لكن الصورة...» «أي صورة؟» رفعتها. الطفلة الثانية كانت تشبه فتاة رآها سليم في إحدى صور عائلته القديمة. قال: «هذه ليست أول مرة أرى هذا الوجه.» «من هي؟» «لا أعرف.» فتح الدفتر بسرعة. وجد صفحة مطوية. قرأها. ثم تغير وجهه. ناولها ليان. كانت هناك جملة: «إذا عاد رائد، فابحثوا عن نادين.» قالت: «نادين؟» «المرأة التي رأيناها في الحفل.» «حبيبتك السابقة؟» «ليست حبيبتي.» «لكنها تعرف شيئًا.» «يبدو ذلك.» --- في طريق العودة، كانت ليان صامتة. قال سليم: «أنت غاضبة.» «نعم.» «مني؟» «لا.» «إذن؟» «من كل شيء.» توقفت لحظة. ثم قالت: «أشعر أنني عشت حياتي كلها داخل قصة كتبها أشخاص آخرون.» نظر إليها. «وأنا كذلك.» «لكنني الآن أريد أن أختار بنفسي.» «ماذا ستختارين؟» نظرت إليه. «أنت.» لم يعرف ماذا يقول. أكملت: «أنا لا أعرف ماذا سيحدث غدًا. ولا أعرف إن كانت أمي ستعود. ولا أعرف من يكون والدك. ولا أعرف لماذا أخفى والدنا كل شيء.» ثم أخذت نفسًا. «لكنني أعرف أنني عندما أخاف، أبحث عنك.» أمسك يدها. «وأنا عندما أخاف، أبحث عنك.» تلاقت عيناهما. قال: «هذا هو الشيء الوحيد الذي أصبح متأكدًا منه.» ابتسمت. «ماذا؟» «أنني أحبك.» توقفت السيارة للحظة بسبب إشارة المرور. لكن ليان لم تسمع شيئًا سوى تلك الكلمة. أحبك. قالتها عيناها قبل أن تنطق بها شفتاها. «وأنا أحبك.» ظل ينظر إليها. ثم ابتسم. «كنت أظن أنني لن أقولها مرة أخرى.» «وأنا كنت أظن أنني لن أقولها لرجل مثلك.» ضحك. «رجل مثلي؟» «غاضب، غامض، مستفز، ولا يحب النساء.» «أنا لا أحب النساء.» «حقًا؟» «أنا أحب امرأة واحدة.» ابتسمت. ثم اقتربت منه. لم يكن هناك خوف. ولا أسرار في تلك اللحظة. فقط اعترافان صريحان. ووعد لم يُكتب في عقد. وعندما ابتعدت عنه، قال: «ليان.» «نعم؟» «هذه المرة، لا يوجد عقد.» ابتسمت. «أعرف.» «ولا مدة زمنية.» «أعرف.» «إذن لا تتركي يدي.» نظرت إلى يده. ثم أمسكت بها. «لن أتركها.» --- لكن في مكان آخر من القاهرة، كانت نادين تجلس أمام رجل مجهول. وضعت أمامه نسخة من الصورة. قالت: «لقد عرفوا عن البيت رقم 17.» أجاب الرجل: «كنت أتوقع ذلك.» «وسليم عرف أن رائد حي.» «جيد.» «لكن هناك مشكلة.» رفع عينيه. «ما هي؟» قالت: «سليم وقع في حبها.» ابتسم الرجل. «وهذا بالضبط ما كنا ننتظره.» «لكن إذا أحبها، سيحميها.» «بل سيصبح أضعف بسببها.» ثم فتح ملفًا. في داخله صورة ليان. وصورة سليم. وصورة ثالثة لامرأة تقف أمام البحر. سلمى منصور. قال: «الآن فقط يمكننا أن نعيد سلمى إلى اللعبة.» رفعت نادين عينيها. «وإذا رفضت؟» ابتسم. «لن ترفض.» ثم أضاف: «لأننا سنعطيها شيئًا لم تستطع مقاومته طوال خمسة وعشرين عامًا.» «ماذا؟» أغلق الملف. «ابنتها.» وفي اللحظة نفسها، وصل إلى هاتف ليان تسجيل صوتي جديد. ضغطت عليه. سمعت صوت أمها. مرت ثوانٍ من الصمت. ثم قالت سلمى: «ليان... إذا كنت تسمعين هذا، فلا تثقي بأحد.» ثم تغير صوتها. أصبح أكثر خوفًا. «حتى سليم.» تجمدت ليان. نظر سليم إليها. وانتهى التسجيل. ساد الصمت. هذه المرة لم تكن المشكلة في الرسالة. بل في السؤال الذي ظهر بينهما للمرة الأولى: هل كان سليم يحمي ليان طوال الوقت... أم كان جزءًا من السر الذي جعل أمها تختفي؟الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







