LOGINالفصل السادس: المرأة التي انتظرت ابنتها
لم تنم ليان تلك الليلة. كانت صورة المرأة التي ظهرت على هاتف سليم لا تفارق عينيها. امرأة تقف أمام البحر. شعرها تحركه الرياح. وجهها لم يكن واضحًا تمامًا، لكن ليان كانت تعرفه. حتى لو لم ترَ ملامحه كاملة. حتى لو مرت عشرات السنوات. كانت تعرف أمها. كانت تلك الصورة أقوى من كل الكلمات التي سمعتها منذ وفاة والدها. أمها حية. أمها كانت موجودة في مكان ما. وأمها كانت تنتظرها. لكن الجملة الأخيرة التي وصلت إلى هاتف سليم جعلت الخوف يعود من جديد. «لكن سليم لن يكون موجودًا عندما يحدث ذلك.» لم تفهم لماذا شعرت بالرعب من تلك الجملة أكثر من التهديدات السابقة. كان من المفترض أن تخاف على نفسها. لكن أول ما خطر في ذهنها كان: ماذا سيحدث لسليم؟ خرجت من غرفتها. وجدت باب مكتبه مغلقًا. طرقت. لم يجب. طرقت مرة ثانية. «سليم؟» سمعت صوته: «ادخلي.» فتحت الباب. كان واقفًا أمام النافذة، والهاتف في يده. قال دون أن يلتفت: «كان يجب أن تنامي.» «وأنت؟» «أنا لا أنام عندما يكون هناك خطر.» اقتربت منه. «أريد أن أرى الصورة مرة أخرى.» ناولها الهاتف. ظلت تنظر إليها. «إنها أمي.» «أعرف.» «أين التقطت؟» «لا أعرف.» «من أرسلها؟» «لا أعرف.» تنهدت. «أنت أصبحت تقولها حتى قبل أن أسأل.» التفت إليها. «لأنني لا أريد أن أكذب عليك.» «لكن هذه المرة أنت خائف.» صمت. اقتربت منه. «أليس كذلك؟» «نعم.» كانت الإجابة صريحة. «من ماذا؟» نظر إلى الهاتف. «من أن يكون هذا فخًا.» «وإذا لم يكن؟» «سيكون عليك أن تكوني مستعدة.» «لأمي؟» «لأي شيء.» سكتت لحظة. ثم قالت: «الرسالة قالت إنك لن تكون موجودًا.» لم يتغير وجهه. لكنها لاحظت قبضته وهي تشتد حول الهاتف. «هذا ما يقلقني.» «لماذا؟» «لأنهم يعرفون أن وجودي بجانبك هو نقطة قوتي.» «ماذا تقصد؟» نظر إليها مباشرة. «يقصدون أنهم سيحاولون إبعادي عنك.» شعرت ليان بقشعريرة. «هل يمكنهم ذلك؟» «لن أسمح.» «وإذا حدث شيء؟» «لن يحدث.» «أنت لا تستطيع ضمان ذلك.» «أستطيع أن أعدك بأنني سأفعل كل ما أستطيع.» «وأنا لا أريدك أن تفعل ذلك وحدك.» اقتربت أكثر. «أنا زوجتك.» توقف. كانت الكلمة بسيطة. لكنها بدت مختلفة هذه المرة. زوجتك. ليست على الورق فقط. لم يعد أي منهما قادرًا على تجاهل ذلك. قال سليم بهدوء: «أعرف.» «إذن لا تبعدني.» «لن أفعل.» «حتى لو كان الأمر خطرًا؟» «حتى لو كان أخطر شيء مررت به في حياتي.» ابتسمت رغم خوفها. «جيد.» --- في السادسة صباحًا، بدأ الاستعداد للسفر. هذه المرة لم يسمح سليم لأحد بمعرفة وجهتهما. اختار سيارة أخرى. وأرسل حارسين فقط إلى مكان مختلف لتضليل من يراقبه. جلست ليان بجواره. كانت تمسك بالقلادة التي وجدتها في منزل والدها. قال سليم: «هل أنت مستعدة؟» «لا.» «يمكننا التراجع.» نظرت إليه. «هل كنت ستتراجع؟» «لا.» «إذن لن أتراجع أنا أيضًا.» ابتسم. «عنيدة.» «أنت من تزوجتني.» «أعرف.» انطلقت السيارة. كانت القاهرة تستيقظ ببطء. المباني تمر من جانبهما. الناس في طريقهم إلى أعمالهم. الحياة تسير بشكل طبيعي. بينما كانت حياة ليان تتغير كل ساعة. بعد وقت طويل من الصمت، قالت: «سليم.» «نعم؟» «لو وجدنا أمي... ماذا ستفعل؟» «سأتركك معها.» «وإذا طلبت منك أن تبقى؟» نظر إليها. «سأبقى.» «لماذا؟» «لأنني لا أريد أن أتركك.» قالها ببساطة. خفضت ليان عينيها. «حتى لو انتهى العقد؟» سكت. ثم قال: «لا تتحدثي عن انتهاء العقد.» «لكننا اتفقنا.» «أعرف.» «أنت الذي قلت إنه عام واحد.» «كنت مخطئًا.» رفعت رأسها بسرعة. «ماذا؟» نظر إلى الطريق. «قلت إنني كنت مخطئًا.» «في ماذا؟» «في اعتقادي أنني أستطيع أن أتعامل مع هذا الزواج كأنه اتفاق مؤقت.» لم تتكلم. شعرت بأن قلبها يخفق. «وماذا تريده الآن؟» توقفت يده للحظة على المقود. «لا أعرف.» «أنت تعرف.» «ليان...» «قلها.» نظر إليها. كانت عيناه مختلفتين. «أريدك أن تبقي.» لم تستطع الرد. عاد ينظر إلى الطريق. لكن هذه المرة لم يكن هناك شيء يمكن أن يخفيه خلفه. --- وصلوا إلى الإسكندرية قبل الظهر. لم يذهبا مباشرة إلى العنوان الموجود في الرسالة. توقف سليم في مكان بعيد. خرج من السيارة. تفقد الشارع. ثم عاد. «المكان هادئ.» «هل هذا جيد؟» «أحيانًا الهدوء هو أكثر شيء يخيفني.» نزلا. سارا معًا. كان العنوان يقودهما إلى منزل قديم قريب من البحر. المنزل صغير. بسيط. وبابه الأزرق بدا مألوفًا لليان رغم أنها لم تره من قبل. وقفت أمامه. مدت يدها. ثم تراجعت. «أنا خائفة.» قال سليم: «أعرف.» «ماذا لو كانت هناك؟» «ستكونين بخير.» «ماذا لو لم تكن؟» «سنبحث من جديد.» نظرت إليه. «وماذا لو رفضتني؟» اقترب منها. «لن ترفضك.» «كيف تعرف؟» «لأنني رأيت أمًا تبحث عن ابنتها.» ثم أمسك يدها. «ادخلي.» طرقت الباب. لا رد. طرقت مرة أخرى. فتح الباب رجل مسن. نظر إليها. ثم تغير وجهه. «ليان؟» تجمدت. «تعرفني؟» نظر إلى سليم. ثم عاد إليها. «أخيرًا.» «أين أمي؟» لم يجب. «أين أمي؟» قال: «كانت هنا.» تراجعت خطوة. «كانت؟» «غادرت منذ ساعات.» شعرت بالصدمة. «إلى أين؟» «لم تقل.» «هل تركت شيئًا؟» نظر الرجل إلى القلادة في عنقها. تغير وجهه. «إذن وصلت إليك.» «ماذا؟» «أمك كانت تريد أن تعطيك هذه بنفسها.» أشار إلى الداخل. دخلت ليان بسرعة. وجدت غرفة صغيرة. على الطاولة ظرف. كان اسمها مكتوبًا عليه. ليان. بدأت يداها ترتجفان. أخذت الظرف. نظرت إلى سليم. «أفتحه؟» «نعم.» فتحت. كانت رسالة. هذه المرة بخط مختلف. خط أمها. بدأت تقرأ. > «ابنتي ليان، إذا وصلتِ إلى هذا المنزل، فهذا يعني أنك أصبحتِ تعرفين أنني لم أمت. لا أعرف إن كنتِ ستسامحينني. ولا أعرف إن كان من حقي أن أطلب منك ذلك. لكنني لم أتركك لأنني لم أحبك. تركتك لأنني كنت أخاف أن يأخذوك مني. كنت أظن أن ابتعادي سيحميك. ولم أعرف أن غيابي سيؤلمك أكثر.» توقفت ليان. كانت الدموع تسقط على الورقة. تابعت: > «كنت أراقبك من بعيد. رأيتك تكبرين. رأيت أول يوم لك في المدرسة. رأيتك حين تخرجتِ. ورأيتك يوم وفاة والدك. كنت قريبة منك أكثر مما تتخيلين، لكنني لم أملك الشجاعة لأقترب.» انهارت ليان على الكرسي. «كانت هناك.» جلس سليم بجوارها. وضعت رأسها بين يديها. «كانت تراني.» قال: «نعم.» «لماذا لم تأتِ إليّ؟» «كانت خائفة.» «وأنا كنت أحتاج إليها.» لم يجد جوابًا. كانت هذه المرة لا تحتاج إلى تفسير. كانت تحتاج فقط إلى أن تبكي. وتركها. --- بعد دقائق، أكملت الرسالة. > «هناك شيء يجب أن تعرفيه عن سليم. ربما أخبرك والدك أنه الرجل الذي سيحميك. وربما ظننتِ أن زواجك منه مجرد اتفاق. لكن الحقيقة أنني طلبت من والدك أن يثق به.» توقفت ليان. نظرت إلى سليم. كان وجهه متجمدًا. تابعت: > «سليم ليس مثل عائلته. والداه دفعا ثمن أسرار لم يصنعاها. وهو دفع ثمنًا آخر عندما خسر المرأة التي أحبها. لا أعرف إن كان سيستطيع أن يحب مرة أخرى. لكنني أعرف أنه إذا أحبك، فلن يؤذيك.» لم تستطع ليان متابعة القراءة. رفعت عينيها إليه. «كانت تعرف.» «ماذا؟» «أنني...» توقفت. لم تكمل. فهم. قال: «ماذا؟» «لا شيء.» لكن سليم لم يبعد عينيه عنها. كان يعرف ما لم تقله. --- في تلك اللحظة، سُمع صوت سيارة خارج المنزل. تغير وجه الرجل المسن. قال: «يجب أن تخرجا.» وقف سليم فورًا. «من؟» «لا أعرف.» نظر من النافذة. كانت هناك سيارة سوداء. قال: «ليان، خلفي.» اقتربت منه. «ماذا يحدث؟» «لا شيء.» «لا تقل لا شيء.» نظر إليها. «هناك أشخاص وصلوا.» ثم أمسك يدها. خرجوا من الباب الخلفي. كان الطريق ضيقًا. قادهم الرجل المسن إلى ممر خلف المنزل. «أين يؤدي؟» «إلى الشارع الآخر.» قال سليم: «شكرًا.» ثم سحب ليان معه. كانت تركض بجواره. «أين سنذهب؟» «إلى السيارة.» «والرسالة؟» «معك؟» «نعم.» «جيد.» وصلوا إلى السيارة. ركبا. وانطلقت بسرعة. لكن بعد دقائق، أدرك سليم أن سيارة سوداء تتبعهم. «إنهم خلفنا.» نظرت ليان. «ماذا نفعل؟» «لا شيء.» «أنت هادئ جدًا.» «لأنني لا أريد أن أخيفك.» «أنا خائفة أصلًا.» مد يده. أمسك يدها. «أنا هنا.» ضغطت على يده. «لا تتركني.» نظر إليها. «لن أفعل.» --- استمرت المطاردة دقائق طويلة. ثم اختفت السيارة. لكن سليم لم يطمئن. قاد السيارة إلى منزل آمن. نزلا. دخلت ليان وهي ما تزال تمسك بيده. لاحظ ذلك. لكنها لم تتركه. قال: «أنت بخير؟» «نعم.» «هل أنت متأكدة؟» «نعم.» ثم سألته: «وأنت؟» «أنا بخير.» «كاذب.» ابتسم. «لماذا؟» «لأنك تنزف.» نظر إلى يده. كان هناك جرح صغير في ساعده. «هذا؟» «هذا ليس لا شيء.» «مجرد خدش.» «اجلس.» «ليان...» «اجلس.» ضحك. «حسنًا.» جلست أمامه وبدأت تنظف الجرح. كان يراقبها. قالت: «لا تنظر إليّ.» «لماذا؟» «لأنني أحاول التركيز.» «وأنا أشتتك؟» «نعم.» ابتسم. «جيد.» رفعت عينيها. «أنت مستفز.» «وأنتِ قلقة.» «بالطبع أنا قلقة.» «عليّ؟» «نعم.» سكت. كانت يدها تمسك بذراعه. قال: «ليان.» «ماذا؟» «هل تعلمين أن هذا أخطر شيء يمكن أن تقولي لي؟» «لماذا؟» «لأنني بدأت أعتاد أن تكوني قلقة عليّ.» توقفت. نظرت إليه. «وهل هذا سيئ؟» «بالنسبة لي... نعم.» «لماذا؟» «لأنني عندما يهمني شخص، يصبح فقده أكثر ألمًا.» نظرت إلى عينيه. «وأنا لا أريد أن أفقدك.» كانت الجملة هادئة. لكنها كانت اعترافًا أكثر مما يستطيع قوله. اقترب منها قليلًا. «ليان...» «نعم؟» «أنا لا أعرف متى حدث هذا.» «ماذا؟» «متى أصبحتِ أهم شخص في حياتي.» لم تتحرك. لم تقل شيئًا. فقط نظرت إليه. ثم قالت: «ربما عندما بدأت تعاملني كأنني شخص، وليس صفقة.» ابتسم. «ربما.» ثم رفع يده ولمس وجهها. لم تبتعد. هذه المرة لم يكن هناك خوف. ولا تهديد. ولا عقد. فقط لحظة صامتة بين رجل وامرأة بدأت قلوبهما تفهم ما لم يستطع عقلهما قبوله. اقترب أكثر. ثم توقف. قال: «هل أنتِ متأكدة؟» أومأت. لكن قبل أن يحدث شيء، رن هاتفه. ابتعد فورًا. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه. «من؟» لم يجب. «سليم؟» رفع الهاتف. كان هناك تسجيل صوتي. ضغط تشغيل. خرج صوت امرأة. صوت كانت ليان تعرفه رغم أنها لم تسمعه منذ طفولتها. صوت أمها. «سليم... لا تأخذ ليان إلى القاهرة.» تجمدت ليان. ثم جاء صوت أمها من التسجيل: «إذا عادت معك، سيعرفون مكانها.» ثم انقطع التسجيل. نظر سليم إليها. كانت شاحبة. قالت: «أمي تعرف أنك معي.» «نعم.» «وتعرف أنهم يراقبونني.» «نعم.» «إذن لماذا قالت لا تأخذني إلى القاهرة؟» لم يجب. ثم وصل تسجيل آخر. ضغط عليه. صوت سلمى: «إذا كنت تسمع هذا، فهذا يعني أنني لم أستطع الوصول إليكما.» توقفت ليان عن التنفس. «سليم، اسمعني جيدًا. الرجل الذي تبحثون عنه ليس من عائلتك فقط.» نظر سليم إليها. «إنه قريب منكم أكثر مما تتخيل.» انتهى التسجيل. قالت ليان: «ماذا يعني هذا؟» قال: «لا أعرف.» ثم وصل تسجيل ثالث. لكن هذه المرة لم يكن صوت أمها. كان صوت رجل. هادئ. بارد. قال: «انتهى وقت الاختباء يا سليم.» ثم صمت. «أنت تعرف أين تبدأ الحقيقة.» توقفت الرسالة. نظر سليم إلى ليان. «علينا أن نغادر.» «إلى أين؟» «مكان آخر.» «وماذا عن أمي؟» «سنجدها.» «كيف؟» «لأنها تركت لنا شيئًا.» أخرج الرسالة. وأشار إلى آخر سطر. كان هناك عنوان آخر. مكان لم تسمع به ليان من قبل. البيت رقم 17. قال سليم: «الملف 17.» نظرت إليه. «ما معنى ذلك؟» «لا أعرف بعد.» ثم أضاف: «لكنني أعتقد أن هذا هو المكان الذي بدأت فيه كل الأسرار.» --- في طريق العودة، لم تتحدث ليان كثيرًا. كانت تنظر إلى البحر من النافذة. لكن يدها كانت داخل يد سليم. لم يكن أحد منهما قد قرر أن يمسكها. حدث الأمر ببساطة. وفي لحظة ما، قال سليم: «هل أنتِ نادمة؟» «على ماذا؟» «على الزواج مني.» نظرت إليه. «لا.» «حتى بعد كل هذا؟» «لا.» «لماذا؟» ابتسمت. «لأنني لو لم أتزوجك، ربما لم أكن لأعرف أن أمي حية.» صمت. ثم قالت: «وأنت؟» «ماذا؟» «هل أنت نادم؟» نظر إليها. «أبدًا.» «حتى لو انتهى كل شيء بعد سنة؟» هذه المرة لم يجب. شد على يدها. ثم قال: «قلت لك... لا تتحدثي عن النهاية.» ابتسمت. «حسنًا.» لكن داخل قلبها، كان هناك سؤال أكبر. إذا كانت أمها تعرف أن سليم سيصبح أهم شخص في حياتها... فهل كانت تعرف أيضًا أن زواجهما لن يبقى مجرد عقد؟ --- عندما وصلا إلى القاهرة، كانت الشمس قد غربت. دخلت ليان القصر. وضعت الرسائل على المكتب. ثم التفتت إلى سليم. «أنا متعبة.» «اذهبي للنوم.» «وأنت؟» «سأبقى هنا.» «لا تعمل حتى الصباح.» «سأحاول.» ابتسمت. ثم تحركت نحو الدرج. لكنها توقفت. التفتت. «سليم.» «نعم؟» «شكرًا.» «على ماذا؟» «لأنك بقيت.» نظر إليها. «لن أذهب.» ثم صعدت. دخلت غرفتها. أغلقت الباب. جلست على السرير. وضعت يدها على قلبها. كانت تعرف الآن أن شيئًا تغير. لم تعد تخاف من انتهاء الزواج. بل أصبحت تخاف من أن ينتهي فعلًا. --- في الأسفل، بقي سليم وحده. فتح درج مكتبه. أخرج الصورة القديمة التي كانت لأمه. ثم وضع بجوارها صورة ليان. ظل ينظر إليهما. ثم أخرج هاتفه. وصلته رسالة جديدة. رقم مجهول. فتحها. كانت تحتوي على صورة. لم تكن لأم ليان. ولا لأمه. كانت لوالد ليان. في المستشفى. وفي الخلف يقف رجل لم يتوقع سليم أن يراه. تغير وجهه. لأن الرجل كان... والده. وتحت الصورة جملة واحدة: «والدك لم يمت كما أخبروك.» رفع سليم رأسه ببطء. في الطابق العلوي، كانت ليان تستعد للنوم، دون أن تعرف أن الحقيقة التي تبحث عنها بشأن أمها ستقودها إلى سر أكبر بكثير. سر يتعلق بوالد سليم نفسه. والأخطر من ذلك... أن الرجل الذي ظن سليم طوال حياته أنه مات منذ سنوات ربما يكون حيًا. وقد يكون هو الشخص الذي يقف خلف كل ما يحدث. لكن شيئًا آخر كان قد بدأ يتضح لسليم. إذا كان والده حيًا فعلًا... فلماذا سمح له طوال هذه السنوات أن يعتقد أنه مات؟ ولماذا كانت والدة ليان تهرب منه؟ ولماذا كان والد ليان يخاف منه؟ ثم ظهرت أمامه الإجابة الأولى. فتح الصورة مرة أخرى. كبّر الجزء الخلفي منها. كانت هناك ورقة على طاولة المستشفى. وعليها رقم واحد: 17. أغلق سليم الهاتف. ثم قال بصوت منخفض: «بدأت أفهم.» لكنه لم يكن يعرف أن الرجل الذي يملك الإجابة كان في تلك اللحظة يقف أمام باب القصر. وكان يحمل مفتاحًا قديمًا. مفتاحًا مطابقًا تمامًا للمفتاح الموجود في قلادة ليان. ووضع يده على الجرس. ثم ابتسم. لأن ما سيحدث في اليوم التالي لن يكون مجرد كشف سر قديم. بل سيكون بداية الحرب الحقيقية... الحرب التي ستجبر سليم على الاختيار بين حماية المرأة التي أحبها... ومواجهة الرجل الذي ظن طوال حياته أنه مات.الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







