登入الفصل السادس: المرأة التي انتظرت ابنتها
لم تنم ليان تلك الليلة. كانت صورة المرأة التي ظهرت على هاتف سليم لا تفارق عينيها. امرأة تقف أمام البحر. شعرها تحركه الرياح. وجهها لم يكن واضحًا تمامًا، لكن ليان كانت تعرفه. حتى لو لم ترَ ملامحه كاملة. حتى لو مرت عشرات السنوات. كانت تعرف أمها. كانت تلك الصورة أقوى من كل الكلمات التي سمعتها منذ وفاة والدها. أمها حية. أمها كانت موجودة في مكان ما. وأمها كانت تنتظرها. لكن الجملة الأخيرة التي وصلت إلى هاتف سليم جعلت الخوف يعود من جديد. «لكن سليم لن يكون موجودًا عندما يحدث ذلك.» لم تفهم لماذا شعرت بالرعب من تلك الجملة أكثر من التهديدات السابقة. كان من المفترض أن تخاف على نفسها. لكن أول ما خطر في ذهنها كان: ماذا سيحدث لسليم؟ خرجت من غرفتها. وجدت باب مكتبه مغلقًا. طرقت. لم يجب. طرقت مرة ثانية. «سليم؟» سمعت صوته: «ادخلي.» فتحت الباب. كان واقفًا أمام النافذة، والهاتف في يده. قال دون أن يلتفت: «كان يجب أن تنامي.» «وأنت؟» «أنا لا أنام عندما يكون هناك خطر.» اقتربت منه. «أريد أن أرى الصورة مرة أخرى.» ناولها الهاتف. ظلت تنظر إليها. «إنها أمي.» «أعرف.» «أين التقطت؟» «لا أعرف.» «من أرسلها؟» «لا أعرف.» تنهدت. «أنت أصبحت تقولها حتى قبل أن أسأل.» التفت إليها. «لأنني لا أريد أن أكذب عليك.» «لكن هذه المرة أنت خائف.» صمت. اقتربت منه. «أليس كذلك؟» «نعم.» كانت الإجابة صريحة. «من ماذا؟» نظر إلى الهاتف. «من أن يكون هذا فخًا.» «وإذا لم يكن؟» «سيكون عليك أن تكوني مستعدة.» «لأمي؟» «لأي شيء.» سكتت لحظة. ثم قالت: «الرسالة قالت إنك لن تكون موجودًا.» لم يتغير وجهه. لكنها لاحظت قبضته وهي تشتد حول الهاتف. «هذا ما يقلقني.» «لماذا؟» «لأنهم يعرفون أن وجودي بجانبك هو نقطة قوتي.» «ماذا تقصد؟» نظر إليها مباشرة. «يقصدون أنهم سيحاولون إبعادي عنك.» شعرت ليان بقشعريرة. «هل يمكنهم ذلك؟» «لن أسمح.» «وإذا حدث شيء؟» «لن يحدث.» «أنت لا تستطيع ضمان ذلك.» «أستطيع أن أعدك بأنني سأفعل كل ما أستطيع.» «وأنا لا أريدك أن تفعل ذلك وحدك.» اقتربت أكثر. «أنا زوجتك.» توقف. كانت الكلمة بسيطة. لكنها بدت مختلفة هذه المرة. زوجتك. ليست على الورق فقط. لم يعد أي منهما قادرًا على تجاهل ذلك. قال سليم بهدوء: «أعرف.» «إذن لا تبعدني.» «لن أفعل.» «حتى لو كان الأمر خطرًا؟» «حتى لو كان أخطر شيء مررت به في حياتي.» ابتسمت رغم خوفها. «جيد.» --- في السادسة صباحًا، بدأ الاستعداد للسفر. هذه المرة لم يسمح سليم لأحد بمعرفة وجهتهما. اختار سيارة أخرى. وأرسل حارسين فقط إلى مكان مختلف لتضليل من يراقبه. جلست ليان بجواره. كانت تمسك بالقلادة التي وجدتها في منزل والدها. قال سليم: «هل أنت مستعدة؟» «لا.» «يمكننا التراجع.» نظرت إليه. «هل كنت ستتراجع؟» «لا.» «إذن لن أتراجع أنا أيضًا.» ابتسم. «عنيدة.» «أنت من تزوجتني.» «أعرف.» انطلقت السيارة. كانت القاهرة تستيقظ ببطء. المباني تمر من جانبهما. الناس في طريقهم إلى أعمالهم. الحياة تسير بشكل طبيعي. بينما كانت حياة ليان تتغير كل ساعة. بعد وقت طويل من الصمت، قالت: «سليم.» «نعم؟» «لو وجدنا أمي... ماذا ستفعل؟» «سأتركك معها.» «وإذا طلبت منك أن تبقى؟» نظر إليها. «سأبقى.» «لماذا؟» «لأنني لا أريد أن أتركك.» قالها ببساطة. خفضت ليان عينيها. «حتى لو انتهى العقد؟» سكت. ثم قال: «لا تتحدثي عن انتهاء العقد.» «لكننا اتفقنا.» «أعرف.» «أنت الذي قلت إنه عام واحد.» «كنت مخطئًا.» رفعت رأسها بسرعة. «ماذا؟» نظر إلى الطريق. «قلت إنني كنت مخطئًا.» «في ماذا؟» «في اعتقادي أنني أستطيع أن أتعامل مع هذا الزواج كأنه اتفاق مؤقت.» لم تتكلم. شعرت بأن قلبها يخفق. «وماذا تريده الآن؟» توقفت يده للحظة على المقود. «لا أعرف.» «أنت تعرف.» «ليان...» «قلها.» نظر إليها. كانت عيناه مختلفتين. «أريدك أن تبقي.» لم تستطع الرد. عاد ينظر إلى الطريق. لكن هذه المرة لم يكن هناك شيء يمكن أن يخفيه خلفه. --- وصلوا إلى الإسكندرية قبل الظهر. لم يذهبا مباشرة إلى العنوان الموجود في الرسالة. توقف سليم في مكان بعيد. خرج من السيارة. تفقد الشارع. ثم عاد. «المكان هادئ.» «هل هذا جيد؟» «أحيانًا الهدوء هو أكثر شيء يخيفني.» نزلا. سارا معًا. كان العنوان يقودهما إلى منزل قديم قريب من البحر. المنزل صغير. بسيط. وبابه الأزرق بدا مألوفًا لليان رغم أنها لم تره من قبل. وقفت أمامه. مدت يدها. ثم تراجعت. «أنا خائفة.» قال سليم: «أعرف.» «ماذا لو كانت هناك؟» «ستكونين بخير.» «ماذا لو لم تكن؟» «سنبحث من جديد.» نظرت إليه. «وماذا لو رفضتني؟» اقترب منها. «لن ترفضك.» «كيف تعرف؟» «لأنني رأيت أمًا تبحث عن ابنتها.» ثم أمسك يدها. «ادخلي.» طرقت الباب. لا رد. طرقت مرة أخرى. فتح الباب رجل مسن. نظر إليها. ثم تغير وجهه. «ليان؟» تجمدت. «تعرفني؟» نظر إلى سليم. ثم عاد إليها. «أخيرًا.» «أين أمي؟» لم يجب. «أين أمي؟» قال: «كانت هنا.» تراجعت خطوة. «كانت؟» «غادرت منذ ساعات.» شعرت بالصدمة. «إلى أين؟» «لم تقل.» «هل تركت شيئًا؟» نظر الرجل إلى القلادة في عنقها. تغير وجهه. «إذن وصلت إليك.» «ماذا؟» «أمك كانت تريد أن تعطيك هذه بنفسها.» أشار إلى الداخل. دخلت ليان بسرعة. وجدت غرفة صغيرة. على الطاولة ظرف. كان اسمها مكتوبًا عليه. ليان. بدأت يداها ترتجفان. أخذت الظرف. نظرت إلى سليم. «أفتحه؟» «نعم.» فتحت. كانت رسالة. هذه المرة بخط مختلف. خط أمها. بدأت تقرأ. > «ابنتي ليان، إذا وصلتِ إلى هذا المنزل، فهذا يعني أنك أصبحتِ تعرفين أنني لم أمت. لا أعرف إن كنتِ ستسامحينني. ولا أعرف إن كان من حقي أن أطلب منك ذلك. لكنني لم أتركك لأنني لم أحبك. تركتك لأنني كنت أخاف أن يأخذوك مني. كنت أظن أن ابتعادي سيحميك. ولم أعرف أن غيابي سيؤلمك أكثر.» توقفت ليان. كانت الدموع تسقط على الورقة. تابعت: > «كنت أراقبك من بعيد. رأيتك تكبرين. رأيت أول يوم لك في المدرسة. رأيتك حين تخرجتِ. ورأيتك يوم وفاة والدك. كنت قريبة منك أكثر مما تتخيلين، لكنني لم أملك الشجاعة لأقترب.» انهارت ليان على الكرسي. «كانت هناك.» جلس سليم بجوارها. وضعت رأسها بين يديها. «كانت تراني.» قال: «نعم.» «لماذا لم تأتِ إليّ؟» «كانت خائفة.» «وأنا كنت أحتاج إليها.» لم يجد جوابًا. كانت هذه المرة لا تحتاج إلى تفسير. كانت تحتاج فقط إلى أن تبكي. وتركها. --- بعد دقائق، أكملت الرسالة. > «هناك شيء يجب أن تعرفيه عن سليم. ربما أخبرك والدك أنه الرجل الذي سيحميك. وربما ظننتِ أن زواجك منه مجرد اتفاق. لكن الحقيقة أنني طلبت من والدك أن يثق به.» توقفت ليان. نظرت إلى سليم. كان وجهه متجمدًا. تابعت: > «سليم ليس مثل عائلته. والداه دفعا ثمن أسرار لم يصنعاها. وهو دفع ثمنًا آخر عندما خسر المرأة التي أحبها. لا أعرف إن كان سيستطيع أن يحب مرة أخرى. لكنني أعرف أنه إذا أحبك، فلن يؤذيك.» لم تستطع ليان متابعة القراءة. رفعت عينيها إليه. «كانت تعرف.» «ماذا؟» «أنني...» توقفت. لم تكمل. فهم. قال: «ماذا؟» «لا شيء.» لكن سليم لم يبعد عينيه عنها. كان يعرف ما لم تقله. --- في تلك اللحظة، سُمع صوت سيارة خارج المنزل. تغير وجه الرجل المسن. قال: «يجب أن تخرجا.» وقف سليم فورًا. «من؟» «لا أعرف.» نظر من النافذة. كانت هناك سيارة سوداء. قال: «ليان، خلفي.» اقتربت منه. «ماذا يحدث؟» «لا شيء.» «لا تقل لا شيء.» نظر إليها. «هناك أشخاص وصلوا.» ثم أمسك يدها. خرجوا من الباب الخلفي. كان الطريق ضيقًا. قادهم الرجل المسن إلى ممر خلف المنزل. «أين يؤدي؟» «إلى الشارع الآخر.» قال سليم: «شكرًا.» ثم سحب ليان معه. كانت تركض بجواره. «أين سنذهب؟» «إلى السيارة.» «والرسالة؟» «معك؟» «نعم.» «جيد.» وصلوا إلى السيارة. ركبا. وانطلقت بسرعة. لكن بعد دقائق، أدرك سليم أن سيارة سوداء تتبعهم. «إنهم خلفنا.» نظرت ليان. «ماذا نفعل؟» «لا شيء.» «أنت هادئ جدًا.» «لأنني لا أريد أن أخيفك.» «أنا خائفة أصلًا.» مد يده. أمسك يدها. «أنا هنا.» ضغطت على يده. «لا تتركني.» نظر إليها. «لن أفعل.» --- استمرت المطاردة دقائق طويلة. ثم اختفت السيارة. لكن سليم لم يطمئن. قاد السيارة إلى منزل آمن. نزلا. دخلت ليان وهي ما تزال تمسك بيده. لاحظ ذلك. لكنها لم تتركه. قال: «أنت بخير؟» «نعم.» «هل أنت متأكدة؟» «نعم.» ثم سألته: «وأنت؟» «أنا بخير.» «كاذب.» ابتسم. «لماذا؟» «لأنك تنزف.» نظر إلى يده. كان هناك جرح صغير في ساعده. «هذا؟» «هذا ليس لا شيء.» «مجرد خدش.» «اجلس.» «ليان...» «اجلس.» ضحك. «حسنًا.» جلست أمامه وبدأت تنظف الجرح. كان يراقبها. قالت: «لا تنظر إليّ.» «لماذا؟» «لأنني أحاول التركيز.» «وأنا أشتتك؟» «نعم.» ابتسم. «جيد.» رفعت عينيها. «أنت مستفز.» «وأنتِ قلقة.» «بالطبع أنا قلقة.» «عليّ؟» «نعم.» سكت. كانت يدها تمسك بذراعه. قال: «ليان.» «ماذا؟» «هل تعلمين أن هذا أخطر شيء يمكن أن تقولي لي؟» «لماذا؟» «لأنني بدأت أعتاد أن تكوني قلقة عليّ.» توقفت. نظرت إليه. «وهل هذا سيئ؟» «بالنسبة لي... نعم.» «لماذا؟» «لأنني عندما يهمني شخص، يصبح فقده أكثر ألمًا.» نظرت إلى عينيه. «وأنا لا أريد أن أفقدك.» كانت الجملة هادئة. لكنها كانت اعترافًا أكثر مما يستطيع قوله. اقترب منها قليلًا. «ليان...» «نعم؟» «أنا لا أعرف متى حدث هذا.» «ماذا؟» «متى أصبحتِ أهم شخص في حياتي.» لم تتحرك. لم تقل شيئًا. فقط نظرت إليه. ثم قالت: «ربما عندما بدأت تعاملني كأنني شخص، وليس صفقة.» ابتسم. «ربما.» ثم رفع يده ولمس وجهها. لم تبتعد. هذه المرة لم يكن هناك خوف. ولا تهديد. ولا عقد. فقط لحظة صامتة بين رجل وامرأة بدأت قلوبهما تفهم ما لم يستطع عقلهما قبوله. اقترب أكثر. ثم توقف. قال: «هل أنتِ متأكدة؟» أومأت. لكن قبل أن يحدث شيء، رن هاتفه. ابتعد فورًا. نظر إلى الشاشة. تغير وجهه. «من؟» لم يجب. «سليم؟» رفع الهاتف. كان هناك تسجيل صوتي. ضغط تشغيل. خرج صوت امرأة. صوت كانت ليان تعرفه رغم أنها لم تسمعه منذ طفولتها. صوت أمها. «سليم... لا تأخذ ليان إلى القاهرة.» تجمدت ليان. ثم جاء صوت أمها من التسجيل: «إذا عادت معك، سيعرفون مكانها.» ثم انقطع التسجيل. نظر سليم إليها. كانت شاحبة. قالت: «أمي تعرف أنك معي.» «نعم.» «وتعرف أنهم يراقبونني.» «نعم.» «إذن لماذا قالت لا تأخذني إلى القاهرة؟» لم يجب. ثم وصل تسجيل آخر. ضغط عليه. صوت سلمى: «إذا كنت تسمع هذا، فهذا يعني أنني لم أستطع الوصول إليكما.» توقفت ليان عن التنفس. «سليم، اسمعني جيدًا. الرجل الذي تبحثون عنه ليس من عائلتك فقط.» نظر سليم إليها. «إنه قريب منكم أكثر مما تتخيل.» انتهى التسجيل. قالت ليان: «ماذا يعني هذا؟» قال: «لا أعرف.» ثم وصل تسجيل ثالث. لكن هذه المرة لم يكن صوت أمها. كان صوت رجل. هادئ. بارد. قال: «انتهى وقت الاختباء يا سليم.» ثم صمت. «أنت تعرف أين تبدأ الحقيقة.» توقفت الرسالة. نظر سليم إلى ليان. «علينا أن نغادر.» «إلى أين؟» «مكان آخر.» «وماذا عن أمي؟» «سنجدها.» «كيف؟» «لأنها تركت لنا شيئًا.» أخرج الرسالة. وأشار إلى آخر سطر. كان هناك عنوان آخر. مكان لم تسمع به ليان من قبل. البيت رقم 17. قال سليم: «الملف 17.» نظرت إليه. «ما معنى ذلك؟» «لا أعرف بعد.» ثم أضاف: «لكنني أعتقد أن هذا هو المكان الذي بدأت فيه كل الأسرار.» --- في طريق العودة، لم تتحدث ليان كثيرًا. كانت تنظر إلى البحر من النافذة. لكن يدها كانت داخل يد سليم. لم يكن أحد منهما قد قرر أن يمسكها. حدث الأمر ببساطة. وفي لحظة ما، قال سليم: «هل أنتِ نادمة؟» «على ماذا؟» «على الزواج مني.» نظرت إليه. «لا.» «حتى بعد كل هذا؟» «لا.» «لماذا؟» ابتسمت. «لأنني لو لم أتزوجك، ربما لم أكن لأعرف أن أمي حية.» صمت. ثم قالت: «وأنت؟» «ماذا؟» «هل أنت نادم؟» نظر إليها. «أبدًا.» «حتى لو انتهى كل شيء بعد سنة؟» هذه المرة لم يجب. شد على يدها. ثم قال: «قلت لك... لا تتحدثي عن النهاية.» ابتسمت. «حسنًا.» لكن داخل قلبها، كان هناك سؤال أكبر. إذا كانت أمها تعرف أن سليم سيصبح أهم شخص في حياتها... فهل كانت تعرف أيضًا أن زواجهما لن يبقى مجرد عقد؟ --- عندما وصلا إلى القاهرة، كانت الشمس قد غربت. دخلت ليان القصر. وضعت الرسائل على المكتب. ثم التفتت إلى سليم. «أنا متعبة.» «اذهبي للنوم.» «وأنت؟» «سأبقى هنا.» «لا تعمل حتى الصباح.» «سأحاول.» ابتسمت. ثم تحركت نحو الدرج. لكنها توقفت. التفتت. «سليم.» «نعم؟» «شكرًا.» «على ماذا؟» «لأنك بقيت.» نظر إليها. «لن أذهب.» ثم صعدت. دخلت غرفتها. أغلقت الباب. جلست على السرير. وضعت يدها على قلبها. كانت تعرف الآن أن شيئًا تغير. لم تعد تخاف من انتهاء الزواج. بل أصبحت تخاف من أن ينتهي فعلًا. --- في الأسفل، بقي سليم وحده. فتح درج مكتبه. أخرج الصورة القديمة التي كانت لأمه. ثم وضع بجوارها صورة ليان. ظل ينظر إليهما. ثم أخرج هاتفه. وصلته رسالة جديدة. رقم مجهول. فتحها. كانت تحتوي على صورة. لم تكن لأم ليان. ولا لأمه. كانت لوالد ليان. في المستشفى. وفي الخلف يقف رجل لم يتوقع سليم أن يراه. تغير وجهه. لأن الرجل كان... والده. وتحت الصورة جملة واحدة: «والدك لم يمت كما أخبروك.» رفع سليم رأسه ببطء. في الطابق العلوي، كانت ليان تستعد للنوم، دون أن تعرف أن الحقيقة التي تبحث عنها بشأن أمها ستقودها إلى سر أكبر بكثير. سر يتعلق بوالد سليم نفسه. والأخطر من ذلك... أن الرجل الذي ظن سليم طوال حياته أنه مات منذ سنوات ربما يكون حيًا. وقد يكون هو الشخص الذي يقف خلف كل ما يحدث. لكن شيئًا آخر كان قد بدأ يتضح لسليم. إذا كان والده حيًا فعلًا... فلماذا سمح له طوال هذه السنوات أن يعتقد أنه مات؟ ولماذا كانت والدة ليان تهرب منه؟ ولماذا كان والد ليان يخاف منه؟ ثم ظهرت أمامه الإجابة الأولى. فتح الصورة مرة أخرى. كبّر الجزء الخلفي منها. كانت هناك ورقة على طاولة المستشفى. وعليها رقم واحد: 17. أغلق سليم الهاتف. ثم قال بصوت منخفض: «بدأت أفهم.» لكنه لم يكن يعرف أن الرجل الذي يملك الإجابة كان في تلك اللحظة يقف أمام باب القصر. وكان يحمل مفتاحًا قديمًا. مفتاحًا مطابقًا تمامًا للمفتاح الموجود في قلادة ليان. ووضع يده على الجرس. ثم ابتسم. لأن ما سيحدث في اليوم التالي لن يكون مجرد كشف سر قديم. بل سيكون بداية الحرب الحقيقية... الحرب التي ستجبر سليم على الاختيار بين حماية المرأة التي أحبها... ومواجهة الرجل الذي ظن طوال حياته أنه مات.الفصل ٦٠: الرجل الذي كان ينتظرهم— سليم: ليان! انزلي واطي!دوّى صوت طلقة تانية فوق راسهم، وارتطمت بالحائط الحجري، فتساقطت شظايا صغيرة على الأرض.ليان كانت لسه ماسكة في إيد مريم، وسليم واقف قدامهم يحاول يحجب عنهم اتجاه السلم.— ليان: ماما!— مريم: أنا هنا يا بنتي!— ليان: سامح فين؟— مريم: اختفى!— سليم: محدش يتحرك!من فوق السلم جاء صوت نادر باردًا:— نادر: سليم الراوي... دايمًا بتحب تحمي اللي حواليك حتى لو مش فاهم بتحميهم من مين.— سليم: انزل وشوف أنا هحميهم إزاي.— نادر: لسه بتتكلم بنفس الثقة؟— سليم: وانزل جرّب.— ليان: نادر!ساد صمت للحظة.ثم ظهر وجه نادر من بين الظلام.— نادر: أخيرًا.— ليان: إنت اللي بعت الرسالة؟— نادر: أي رسالة؟— ليان: الرسالة اللي جابتنا هنا.— نادر: لأ.— ليان: صوت ماما كان مزيف؟— نادر: لأ.نظرت ليان إلى مريم.— ليان: ماما؟— مريم: الصوت كان تسجيلي.— ليان: إيه؟— مريم: التسجيل اللي سمعتيه عند القبر اتعمل من فترة. مش النهارده.— ليان: طب إزاي صوتك ناداني؟— مريم: لأن التسجيل كان متجهز مخصوص عشان يشتغل لما المفتاح يفتح الباب.سليم التفت لها.— سليم: يعني إحن
الفصل ٥٩: مريم لم تكن وحدها— ليان: ماما!خرج صوتها في المقابر المظلمة، وارتد صداه بين القبور.كانت بتجري من غير ما تحس برجليها، وسليم وراها مباشرة.— سليم: ليان! استني!— ليان: دي ماما!— سليم: ممكن يكون فخ!— ليان: سمعت صوتها!— سليم: وأنا سمعته، بس لازم نفكر!وقفت ليان فجأة.كانت قدام ممر ضيق بين صفين من المقابر القديمة.الصمت رجع مرة واحدة.— ليان: كانت هنا.وصل يونس ومراد ونديم وفريد خلفهم.— يونس: ليان، متتحركيش.— ليان: ماما كانت هنا.— يونس: عارف.— ليان: لأ، إنت مش فاهم. أنا متأكدة.— سليم: أنا مصدقك، بس لازم نعرف الصوت جه منين.نظر مراد حوله.— مراد: الصوت جاي من الناحية دي.أشار إلى باب حديدي قديم في آخر الممر.اقتربت ليان.— ليان: الباب ده...— يونس: إيه؟— ليان: شوفته قبل كده.— سليم: فين؟— ليان: في حلم.تبادل يونس ومراد نظرة.— يونس: مش حلم.— ليان: يعني إيه؟— يونس: دي ذكرى.وقفت ليان قدام الباب.— ليان: أنا دخلته وأنا صغيرة؟— يونس: لأ.— ليان: أمال؟— يونس: كنتِ واقفة قدامه.— ليان: مع مين؟يونس لم يجب.نديم قال بهدوء:— نديم: معايا.التفتت ليان له.— ليان: إنت؟— ند
الفصل ٥٨: الأخ الذي لم يعرفه أحد— سليم: اسمك؟ظل الرجل واقفًا في الظلام، والضوء الخافت المنعكس على وجهه لا يكشف منه إلا نصف ملامحه.رفع يده ببطء.الخاتم ظهر بوضوح.الدائرة يتوسطها خط.نفس الخاتم الذي رأته ليان وهي طفلة.نفس الخاتم الذي ظهر في ذكرياتها.نفس الخاتم الذي ظل يطاردها طوال السنوات الماضية.— الرجل: اسمي مش هو المهم.— سليم: بالنسبة لي مهم.رفع سليم سلاحه أكثر.— سليم: أنت واقف قدامنا في مكان معزول، وبتقول إنك أخو نجيب الحقيقي. يبقى من حقي أعرف اسمك.ابتسم الرجل.— الرجل: لسه مندفع زي أبوك.تغير وجه سليم.— سليم: متجيبش سيرة أبويا.— الرجل: أنا أعرف أبوك أكتر منك.— سليم: وإنت اللي قتلته؟سكت الرجل.ثم نظر إلى يونس.— الرجل: هو قال لك؟— يونس: لأ.— الرجل: يبقى لسه بيحميك.— ليان: بابا...التفت يونس إليها.— يونس: خليكِ ورا سليم.— ليان: أنا مش هستخبى.— يونس: ليان، اسمعيني.— ليان: طول عمري بتقوليلي استخبي، متفتكريش، متسأليش، متدوريش. كل مرة كنت بتحميني من الحقيقة، الحقيقة كانت بتكبر ورا ضهري.اقتربت منه.— ليان: المرة دي أنا هسمعها.الرجل ابتسم.— الرجل: عشان كده مريم اخت
الفصل ٥٧: عند قبر نجيبكانت الساعة قربت من منتصف الليل، لكن محدش في العربية كان بيتكلم.ليان كانت قاعدة جنب سليم في المقعد الخلفي، وإيدها جوه إيده من أول ما خرجوا من المكان.قدامهم كان يونس سايق، ومراد قاعد جنبه.وفي العربية التانية كان كريم بيتابع تحركاتهم من بعيد.بعد دقائق طويلة، كسرت ليان الصمت.— ليان: بابا.— يونس: نعم؟— ليان: إنت متأكد إن فريد هو الأخ الرابع؟فضل يونس ساكت ثواني.— يونس: أنا متأكد إنه كان جزء من الدائرة.— ليان: ده مش نفس السؤال.— يونس: عارف.— سليم: إحنا رايحين نقابل شخص بيقول إنه فريد، وإنت لسه مش متأكد إنه هو؟— يونس: أنا متأكد إنه فريد.— سليم: يبقى ليه متردد؟— يونس: لأن الرجل اللي قابلته من سنين... مات.— ليان: وإنت شفت جنازته.— يونس: شفت جثمان شخص قيل لي إنه فريد.— سليم: يعني ممكن يكون التبديل حصل قبل الجنازة.— يونس: بالضبط.— ليان: يبقى هو كان بيجهز لاختفائه من زمان.— يونس: كان بيجهز لأكتر من كده.— سليم: إيه؟يونس شد على عجلة القيادة.— يونس: كان بيجهز لمستقبل الشبكة من غيره.— ليان: وإيه علاقة المفتاح؟— يونس: المفتاح بيفتح الخزنة اللي فيها النس
الفصل ٥٦: الذكرى الأخيرة— ليان: بابا... هو كان عايز مني إيه؟فضل يونس ساكت قدام الشاشة السودا، كأنه مش شايف غير الصورة اللي اختفت من عليها.سليم قرب من ليان، ومسك إيدها.— سليم: يونس، المرة دي مفيش أسرار.رفع يونس عينه ليه.— يونس: عارف.— سليم: لأ، إنت مش عارف. كل مرة بنوصل لحاجة، بتطلع لنا طبقة جديدة من الحقيقة. ليان مش هتستحمل ده تاني.— ليان: أنا هتحمل.بص لها سليم.— سليم: مش لازم تثبتي إنك قوية طول الوقت.— ليان: أنا مش بحاول أثبت حاجة. أنا عايزة أعرف.قربت من أبوها.— ليان: آخر ذكرى قلت عليها... إيه هي؟يونس أخد نفس طويل.— يونس: الذكرى اللي خفت طول عمري إنها ترجع.— ليان: ليه؟— يونس: لأنها مش مجرد ذكرى شوفتي فيها رؤوف.— سليم: أمال إيه؟— يونس: لأنها اللحظة اللي إنتِ فيها عرفتي سر الشبكة.ليان سكتت.— ليان: وأنا عندي ست سنين؟— يونس: أيوه.— ليان: إزاي؟— يونس: لأن مريم كانت أذكى من كل اللي حواليها.— ليان: ماما؟— يونس: مريم كانت عارفة إن رؤوف مش هيسيبنا، وعارفة إن نجيب بدأ يشك فيه. وكانت عارفة إن لو الملفات اختفت، ممكن الحقيقة تختفي معاها.— سليم: فحطت نسخة في مكان محدش هي
الفصل ٥٥: الأخ الرابع— ليان: أنت محوت ذكراي؟خرج السؤال من فمها بصوت خافت، لكنه كان أثقل من أي صرخة.ظل يونس ينظر إليها دون أن يهرب بعينيه.— يونس: لم أمحُ ذاكرتك بالكامل.— ليان: لكنك قلت إنك جعلتني أنسى وجهه.— يونس: نعم.— ليان: كيف؟تدخل سليم فورًا.— سليم: قبل أن تجيب، أريد أن أعرف شيئًا واحدًا... هل ما حدث لها كان خطرًا عليها؟نظر يونس إليه.— يونس: أكثر مما تتخيل.— سليم: إذن اشرح.تنفس يونس ببطء، ثم جلس على المقعد القديم الموجود في الغرفة.— يونس: في تلك الليلة، كنت أعتقد أن نجيب هو الهدف الوحيد.— ليان: لكنه لم يكن.— يونس: لا.— سليم: وكان الأخ الرابع موجودًا؟— يونس: كان موجودًا قبل أن يصل حازم.تقدمت ليان نحوه.— ليان: وأنا كنت هناك؟— يونس: كنتِ في الطابق العلوي.— ليان: كم كان عمري؟— يونس: ست سنوات.ارتجفت ملامحها.— ليان: ست سنوات...— يونس: وكنتِ تعرفين أن هناك رجلًا غريبًا في البيت.— ليان: الرجل ذو الخاتم؟هز يونس رأسه.— يونس: نعم.— ليان: كنت أراه؟— يونس: رأيتِ يده أولًا.— ليان: لماذا؟— يونس: لأنه كان يضع قفازًا أسود، ثم نزعه عندما أمسك بك.ساد الصمت.أغمضت لي







