LOGINزوجي الذي تذكرنيمرّت عدة أيام منذ عادت ذاكرة سليم كاملة.ولأول مرة منذ سنوات، شعرت يارا أن المنزل عاد إلى طبيعته.لم تعد تراقب عينيه بحثًا عن علامة تدل على أنه نسي شيئًا.ولم يعد سليم يستيقظ في منتصف الليل محاولًا الإمساك بذكرى هاربة.كل شيء أصبح أكثر هدوءًا.لكن الغريب أن سليم نفسه بدا وكأنه اكتشف شخصًا جديدًا داخله.شخصًا أكثر تعلقًا بزوجته.في صباح أحد الأيام، كانت يارا تقف أمام المرآة ترتب شعرها استعدادًا للخروج.دخل سليم الغرفة.توقف عند الباب.ظل ينظر إليها.التفتت إليه."مالك؟""ولا حاجة.""بتبصلي ليه؟"ابتسم."عادي.""لا، مش عادي."اقترب منها."بس كنت بفكر.""في إيه؟""إزاي أنا كنت عايش كل السنين دي من غير ما أشوف قد إيه إنتِ جميلة."ضحكت."يعني بعد ما ذاكرتك رجعت بقيت رومانسي؟""أنا كنت رومانسي.""كنت غيور.""دي حاجة تانية.""كنت بتغير من أي حد يكلمني.""لسه."رفعت حاجبها."لسه؟"أومأ بثقة."طبعًا."ضحكت."يبقى مفيش فايدة.""مش عايز فايدة."ثم أمسك يدها."عايزك بس."ابتسمت."أنا رايحة أقابل ليلى.""عارف.""وممكن أتأخر.""تمام.""مش هتغير؟""هغير.""ليه؟""علشان بحبك."ضحكت.
لم يكن بيننا سوى الخوفجلس سليم إلى جوار يارا طويلًا، بينما بقيت ذراعاها ملتفتين حوله.لم يكن أي منهما يريد أن يبتعد.كان سليم يشعر أن السنوات التي فقدها بدأت تعود إليه قطعة بعد أخرى، لكنه لم يعد يهتم بعدد الذكريات التي ستعود، بقدر اهتمامه بالحقيقة التي أصبحت واضحة أمامه.لم تكن يارا هي السبب في كل ما حدث.ولم يكن هو قد توقف عن حبها يومًا.كان الخوف هو الذي وقف بينهما.الخوف من أن يخسر أحدهما الآخر، حتى جعلهما يتخذان قرارات ظنا أنها ستحمي من يحبانه.قالت يارا بصوت خافت:"سليم...""نعم؟""أنا كنت فاكرة إنك في اليوم ده كنت رايح تبعد عني."ابتسم بحزن."وأنا كنت فاكر إنك كنتِ ناوية تسيبيني."رفعت رأسها."يعني إحنا الاتنين كنا فاهمين بعض غلط.""أيوه."ضحكت رغم دموعها."سنين كاملة.""سنين كاملة."ثم نظر إليها."بس لو رجع بيا الزمن، كنت هقولك كل حاجة.""وأنا كمان.""حتى لو اتخانقنا؟""حتى لو اتخانقنا.""حتى لو زعلتي؟""هزعل."ابتسم."بس مش هتمشي."هزت رأسها."مش همشي."مد يده إليها."وعد؟"وضعت يدها في يده."وعد."---في اليوم التالي، جلس سليم مع يارا في غرفة المعيشة.كان الملف القديم أمامه،
الحقيقة التي كانت بيننالم تستطع يارا أن تنام تلك الليلة.كانت مستلقية إلى جوار سليم، تراقب ملامحه الهادئة، بينما كانت الكلمات التي قالها قبل قليل لا تزال تتردد في ذهنها."كنت خارج علشان أجيب خاتم."لم تكن تعرف أن سليم كان يحمل في قلبه ذلك القرار قبل الحادث.كانت تظن أنه كان يبتعد عنها.وكان هو يظن أنها تريد الابتعاد عنه.وبين سوء الفهمين، ضاعت سنوات كاملة.مدت يدها ولمست أصابعه برفق.فتح سليم عينيه."لسه صاحيه؟"ابتسمت."وأنت؟""صحيت لما حسيت إنك بتبصيلي."ضحكت."مغرور.""معاكي بس."سكتت قليلًا، ثم قالت:"سليم...""نعم؟""إنت كنت هتطلب مني نتجوز من جديد؟"ابتسم."مش نتجوز.""أمال؟""كنت هطلب منك فرصة."تغيرت ملامحها."فرصة؟""فرصة نبدأ من غير خوف."ثم نظر إليها."كنت حاسس إنك شايلة حاجات جواكي ومش بتقوليها، وكنت أنا كمان بعمل نفس الشيء."خفضت عينيها."كنا أغبياء."ضحك."أيوه."ثم جذبها إليه."بس لسه عندنا فرصة."استقرت بين ذراعيه.ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت يارا أن الماضي لم يعد يفصل بينهما.بل أصبح شيئًا يمكنهما النظر إليه معًا.في الصباح، وصل اتصال إلى سليم.كان من محاميه القديم.
القرار الذي أخفته عنيلم تستطع يارا النوم بعد حديث سليم.ظلت الكلمات تدور في رأسها."أعتقد إنك كنتِ بتخبي عني حاجة كمان."لم يكن صوته غاضبًا، ولم يحمل اتهامًا، وهذا تحديدًا ما جعل الأمر أصعب عليها.فلو كان غاضبًا، لكان بإمكانها الدفاع عن نفسها.أما هدوؤه، فقد جعلها تشعر بأنه يمنحها فرصة لتقول الحقيقة بنفسها.لكنها لم تكن تعرف من أين تبدأ.جلست على طرف السرير، بينما كان سليم مستلقيًا بجوارها، وقد بدا أنه نام أخيرًا.نظرت إليه طويلًا.ثم همست:"أنا مكنتش بخبي عنك علشان أخدعك."لم يتحرك.تابعت بصوت خافت:"كنت بخبي علشان كنت خايفة."أغمضت عينيها.وعادت إليها صورة قديمة.قبل الحادث بيوم واحد.كانت تقف وحدها في غرفة المعيشة، تحمل ورقة بين يديها.كان سليم قد أخبرها أنه سيخرج لمقابلة شخص ما.وكانت تشعر بأن هناك شيئًا لا يخبرها به.لكن الورقة التي كانت في يدها لم تكن تخصه.كانت تخصها هي.قرارًا كانت قد اتخذته بالفعل.قرارًا ظنت أنه سيحميه.لكنها لم تستطع أن تخبره.---في الصباح، استيقظ سليم ووجد يارا جالسة في الشرفة.اقترب منها."صباح الخير."التفتت إليه."صباح النور."جلس بجوارها.لم يسألها ع
الذكرى التي اختار عقلي أن يخفيهاظل سليم واقفًا مكانه بعد انتهاء المكالمة، والهاتف لا يزال في يده.كانت يارا تراقبه بصمت، لكنها لم تحتج إلى أن تسأله عما حدث، فقد كانت ملامحه كافية لتخبرها أن شيئًا جديدًا دخل بينهما.قالت بهدوء:"الدكتور قال إيه؟"رفع عينيه إليها."عايزني أروح المستشفى.""دلوقتي؟""أيوه."اقتربت منه."هروح معاك."لم يعترض.بل مد يده إليها."كنت مستني تقوليها."ابتسمت بخفة."أنا مراتك.""عارف."ثم خرجا معًا.---طوال الطريق، لم يتحدث سليم كثيرًا.كانت يارا تراقبه من حين لآخر، وتلاحظ توتر أصابعه فوق المقود.وضعت يدها على يده."متفكرش كتير."نظر إليها."صعب.""ليه؟""لأني خايف.""من إيه؟"سكت قليلًا."من اللي ممكن أفتكره."أجابته بهدوء:"حتى لو الذكرى وجعتك، مش هتواجهها لوحدك."شد على يدها."أنا عارف."ثم ابتسم."علشان كده أنا هادي شوية."---عندما وصلا إلى المستشفى، كان الطبيب ينتظرهما.دخل سليم غرفة الفحص، بينما بقيت يارا بجواره.قال الطبيب بعد أن راجع بعض الأوراق:"النتائج الجديدة مش معناها إن فيه مشكلة خطيرة."تنفست يارا براحة."أمال إيه؟"أجاب الطبيب:"الفحوصات بتوضح
هل يمكن أن أحبك مرتين؟في صباح اليوم التالي، استيقظت يارا على صوت سليم وهو يتحدث في الهاتف.لم تستطع سماع الكلمات بوضوح، لكنها لاحظت نبرة صوته الهادئة، ثم رأته يغلق المكالمة ويضع الهاتف على الطاولة.فتح الستارة، فدخل ضوء الشمس إلى الغرفة.قالت يارا بصوت ناعس:"صحيت بدري ليه؟"التفت إليها وابتسم."مش عارف.""إنت كويس؟"اقترب منها وجلس على طرف السرير."كويس."ثم أضاف:"بس صحيت وأنا حاسس إني كنت عايز أشوفك."ابتسمت."أنا قدامك.""عارف."ثم ظل ينظر إليها."بس عايز أسألك سؤال.""اسأل.""لو أنا ما رجعتش أفتكر كل حاجة..."تغيرت ملامحها قليلًا."هنعيش.""حتى لو نسيت أول مرة حبيتك فيها؟""هخليك تحبني مرة تانية."ابتسم."ولو نسيت أول مرة اتخانقنا؟"ضحكت."هفكرك.""ولو نسيت أول مرة طلبت منك تتجوزيني؟""هقولك إنك كنت متوتر جدًا."ضحك.ثم قال:"ولو نسيت كل اللحظات اللي بينا؟"اقتربت منه."هعمل لحظات جديدة."ظل ينظر إليها.ثم قال:"إنتِ عارفة إنك بتخليني أتمنى ما أرجعش أفتكر؟"تجمدت قليلًا."ليه؟""علشان النسخة اللي أعرفها دلوقتي منك... أنا بحبها."ابتسمت بحزن."بس أنا نفس يارا.""عارف."ثم أمسك يد
"بابا فاق؟!"خرجت الكلمات من فم يارا بصورة مرتجفة، وكأنها لا تصدق ما سمعته للتو، بينما كانت تنظر إلى يوسف بوجه شاحب وعينين متسعتين من الصدمة.أومأ يوسف ببطء."الممرضة هي اللي اتصلت دلوقتي."تقدمت نحوه بسرعة."هو كويس؟ اتكلم؟ قال حاجة؟"هز رأسه."قالت إنه أول ما فاق طلب يشوفك."ساد الصمت.ثم أكملت ي
"إيه علاقة بابا بالموضوع؟!"خرج صوت يارا مرتفعًا وممتلئًا بالصدمة وهي تنظر إلى الهاتف في يد سليم وكأنها تنتظر أن يعود يوسف للرد، لكن الخط انقطع بالفعل، ولم يبقَ في الغرفة سوى الصمت الثقيل ونظرات متبادلة يسيطر عليها التوتر وعدم الفهم.أما سليم فكان لا يزال ينظر إلى شاشة الهاتف.والألم داخل رأسه يعود
الفصل الثالث عشر"إنتِ بتقولي إنك ما استلمتيش الظرف؟!"خرج صوت سليم مرتفعًا بصورة أربكت الجميع، بينما كانت عيناه مثبتتين على شاشة الحاسوب التي تعرض اللقطة المجمدة من الفيديو، تلك اللقطة التي تظهر يارا بوضوح وهي تمد يدها وتأخذ الظرف الأبيض من الرجل الذي يحمل ملامحه نفسها تقريبًا، أما يارا فكانت تنظر
"أخويا؟!"خرجت الكلمة من فم سليم كأنها صدمة جسدية تلقاها في صدره، بينما ظل كريم واقفًا في منتصف غرفة المعيشة ممسكًا الهاتف بيد مرتجفة، أما يارا فكانت تنظر بينهما غير قادرة على استيعاب ما تسمعه، إذ بدا لها أن كل إجابة يحصلون عليها لا تؤدي إلا إلى مزيد من الأسئلة.مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يتكلم سليم مج







