LOGINالفصل التاسع عشر
"ليلى... أختي التوأم؟!" خرجت الكلمات من فم يارا بالكاد، وكأنها فقدت القدرة على التنفس للحظات، بينما كانت عيناها مثبتتين على والدها في انتظار أن يبتسم ويخبرها أن الأمر مجرد مزحة سيئة، لكنه لم يبتسم. بل ظل ينظر إليها بعينين يملؤهما الحزن. شحب وجهها أكثر. ثم هزت رأسها ببطء. "لا..." صمتت. ثم أعادت بصوت أعلى: "لا... أنا معنديش أخت." أخفض والدها رأسه. أما هي فرفعت الملف المرتجف بين يديها. "إيه ده؟ وإيه الكلام ده؟" رفع عينيه إليها مجددًا. وقال بهدوء متعب: "عندك أخت يا يارا." تراجعت خطوة للخلف. ثم خطوة أخرى. وكأن الكلمات نفسها تدفعها بعيدًا. "إنت بتقول إيه؟" كانت أنفاسها تتسارع. وعيناها تمتلئان بالدموع. أما سليم فوقف من مكانه فورًا. وتقدم نحوها. لكنه لم يلمسها. كان يعرف هذا الشعور. شعور أن تنقلب حياتك فجأة. أن تكتشف أن هناك جزءًا كاملًا من حياتك لم تكن تعرف عنه شيئًا. قال والدها بصوت مبحوح: "اتولدتوا في نفس اليوم... وفي نفس المستشفى." رفعت يارا الملف أمامها. ثم فتحته بسرعة. وبدأت تقلب الأوراق. شهادة ميلاد. أوراق مستشفى. صور قديمة. صور لطفلتين صغيرتين. متشابهتين إلى حد مرعب. توقفت يدها. حدقت في الصور. ثم رفعتها ببطء. كانت هي. أو تشبهها. بل لا... كانتا طفلتين متطابقتين. سقطت الصورة من يدها. وشهقت. أما سليم فالتقط الصورة. ونظر إليها. ثم رفع عينيه ببطء نحو والدها. لأن الصدمة كانت حقيقية. هناك بالفعل طفلتان. إحداهما يارا. والأخرى... ليلى. همست يارا: "فين... فين هي؟" أغلق والدها عينيه لثوانٍ. ثم فتحهما. وقال: "اختفت." ساد الصمت. حتى الساعة الموجودة على الحائط بدا صوتها مرتفعًا بصورة مزعجة. قالت يارا بعدم استيعاب: "اختفت؟" أومأ. "كان عندكم خمس سنين." ارتجفت شفتاها. "إزاي يعني اختفت؟" تنهد. وكأنه يعيد عيش أسوأ أيام حياته. ثم قال: "خرجنا يومها كلنا." صمت. "أنا... ووالدتك... وإنتوا الاتنين." ارتجفت يده وهو يتكلم. "وفي لحظة..." سكت. وأخفض عينيه. "اختفت ليلى." شعرت يارا أن الأرض تميد بها. أما سليم فاقترب أكثر. ولا يزال يحمل الصورة. وقال بهدوء: "ملقتوهاش؟" رفع الرجل عينيه. وكانتا حمراوين. "دورنا في كل مكان." صمت. "أبلغنا الشرطة." صمت مرة أخرى. "سنين كاملة." ثم همس: "ومرجعتش." ساد الصمت من جديد. لكن هذه المرة... بدأت الدموع تنزل من عيني يارا دون صوت. كانت تقف. ولا تبكي. فقط الدموع تنزل. وكأن عقلها ما زال يرفض استيعاب الأمر. لها أخت. توأم. كانت موجودة. ثم اختفت. وهي... لا تتذكرها. قالت بصوت متقطع: "أنا... مش فاكرة." رفع والدها رأسه. أما هي فأكملت: "ليه مش فاكرة أي حاجة؟" تنهد. وقال بصوت خافت: "لأنك بعد اختفائها تعبت جدًا." التفت الجميع نحوه. وأضاف: "فضلتي شهور كل يوم تسألي عنها." ابتلع ريقه. "وكل يوم تعيطي." شحب وجه يارا. "وفي الآخر..." صمت. "بدأتي تنسي." ثم ابتسم بحزن. "والدكتور وقتها قال إن ده ممكن يحصل." رفعت عينيها نحوه. وكان الألم واضحًا فيهما. "إنتوا سيبتوني أنساها؟" هز رأسه بسرعة. "لا." "أمال؟" تنهد. "حاولنا نفتكرك." صمت. "لكن كل مرة كنتي تنهاري." وأخفض رأسه. "فخفت عليكي." ساد الصمت. أما يارا فشعرت بأن قلبها ينقبض. كل حياتها... كانت ناقصة. دون أن تدري. مرت دقائق طويلة. جلس خلالها الجميع في صمت. أما يارا... فكانت ما تزال تقلب الصور. صورة أخرى. وواحدة أخرى. حتى توقفت. لأن هناك صورة مختلفة. صورة قديمة قليلًا. وفيها... هي. وطفلة أخرى. ورجل يقف خلفهما. انعقد حاجباها. ثم رفعت الصورة. "مين ده؟" نظر والدها إلى الصورة. وشحب وجهه فجأة. لاحظ الجميع ذلك. أما سليم فقال: "مين الراجل ده؟" سكت الرجل. ثم قال: "صديق قديم." لكن نبرته لم تكن طبيعية. رفعت يارا الصورة مرة أخرى. "أنا عمري ما شوفته." لم يجب. فقال سليم بهدوء: "حضرتك مخبي حاجة." رفع الرجل عينيه إليه. وبقي صامتًا. أما يارا فقالت: "بابا." نظر إليها. ثم تنهد. وقال: "اسمه شريف." "مين شريف؟" صمت. ثم قال: "كان شريكي." ساد الصمت. وأكمل: "وكان... أقرب أصدقائي." قال يوسف فجأة: "وده له علاقة بليلى؟" نظر إليه الرجل. ولم يجب. لكن صمته كان إجابة كافية. نهضت يارا من مكانها فجأة. بدأت تشعر بالاختناق. فخرجت إلى الشرفة. كانت تحتاج هواء. أي شيء. وقفت هناك. وكل شيء يدور داخل رأسها. أخت. اختفاء. أسرار. رجل غريب. لم تعد تعرف أي شيء عن حياتها. بعد لحظات... سمعت خطوات خلفها. لم تلتفت. كانت تعرف من هو. وقف سليم بجوارها. صامتًا. لبضع ثوانٍ. ثم قال: "إنتِ كويسة؟" ضحكت ضحكة صغيرة باكية. "شايفني كويسة؟" لم يجب. فأكملت: "أنا اكتشفت من نص ساعة إن ليا أخت." التفتت إليه. وعيناها ممتلئتان بالدموع. "أخت يا سليم." صمتت. "وأنا حتى مش فاكرة شكلها." شعر بانقباض حاد داخل صدره. لأنه رأى نفسه فيها. النسيان. وفقدان شيء لا يعرف كيف يستعيده. نظر إليها طويلًا. ثم رفع يده ببطء. ومسح دمعة هربت من عينها. وتوقفت هي. ثم قال بصوت هادئ: "يمكن نسيتي." صمت. "بس ده ميمنعش إنها كانت مهمة بالنسبالك." حدقت فيه. أما هو فأكمل: "وأكيد كانت بتحبك." ارتجفت شفتاها. ثم انهمرت دموعها فجأة. بكت. بصوت منخفض. ودون وعي... اقتربت منه. وأخفت وجهها في صدره. تجمد مكانه. لثوانٍ. ثم رفع يده ببطء. ووضعها على ظهرها. وبقي هكذا. لا يقول شيئًا. فقط يتركها تبكي. ولأول مرة منذ فقد ذاكرته... شعر أن هذا المكان... مكانها الطبيعي. بين ذراعيه. في الداخل... كان يوسف يتابع المشهد بصمت. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة. أما والد يارا... فنظر إليهما طويلًا. وقال بصوت خافت: "هو بيحبها أوي." ابتسم يوسف. "واضح." بعد دقائق... دخل سليم ويارا إلى الغرفة مجددًا. كانت عيناها حمراوين. لكنها بدت أهدأ. جلست. ثم رفعت الصورة القديمة. ونظرت إلى والدها. وقالت بهدوء: "احكي كل حاجة." نظر إليها الرجل طويلًا. ثم أخذ نفسًا عميقًا. وقال: "شريف..." صمت. "هو آخر شخص شاف ليلى." تجمد الجميع. وسقطت الصورة من يد يارا مرة أخرى. أما سليم فاعتدل في جلسته. وقال: "يعني إيه؟" رفع الرجل عينيه. وقال: "في يوم اختفائها..." صمت. "ليلى كانت معاه." ساد الصمت. وقبل أن ينطق أحد... رن هاتف والد يارا. نظر الجميع إليه. بتوتر. أما هو... فشحب وجهه. لأنه كان يعرف الرقم. رقم لم يظهر منذ سنوات طويلة. ارتجفت يده. ثم أجاب. وظل صامتًا يستمع. ثانية. اثنتين. ثلاثًا. وفجأة... وقف من مكانه. واتسعت عيناه بصدمة. همست يارا: "بابا؟" نظر إليها ببطء. وكان وجهه قد فقد لونه تمامًا. ثم قال الجملة التي جعلت الجميع يتجمد: "لقيت ليلى..." ساد الصمت. لكن كلماته التالية كانت أكثر صدمة. "وهي... عايزة تشوف يارا."الكتابة وسقطت الصورة من يد يارا مرة أخرى. أما سليم فاعتدل في جلسته. وقال: "يعني إيه؟" رفع الرجل عينيه. وقال: "في يوم اختفائها..." صمت. "ليلى كانت معاه." ساد الصمت. وقبل أن ينطق أحد... رن هاتف والد يارا. نظر الجميع إليه. بتوتر. أما هو... فشحب وجهه. لأنه كان يعرف الرقم. رقم لم يظهر منذ سنوات طويلة. ارتجفت يده. ثم أجاب. وظل صامتًا يستمع. ثانية. اثنتين. ثلاثًا. وفجأة... وقف من مكانه. واتسعت عيناه بصدمة. همست يارا: "بابا؟" نظر إليها ببطء. وكان وجهه قد فقد لونه تمامًا. ثم قال الجملة التي جعلت الجميع يتجمد: "لقيت ليلى..." ساد الصمت. لكن كلماته التالية كانت أكثر صدمة. "وهي... عايزة تشوف يارا."ظل الضابط يحدق في شاشة الهاتف لثوانٍ، بينما خيم صمت ثقيل على أرجاء المخزن، وكأن الجميع توقف عن التنفس في انتظار أن ينطق أحدهم بكلمة تنفي ما رأوه للتو.كانت الرسالة قصيرة...لكنها كانت كافية لتقلب كل شيء."تأخرتم... لقد وصلت إلى ليلى قبلكم."انتزعت يارا الهاتف من يد الضابط دون أن تشعر.قرأت الرسالة مرة ثانية...ثم ثالثة...وأخيرًا رفعت رأسها وهي تتمتم:"يعني... ليلى عايشة."قال الضابط بحزم:"ما نستنتجش حاجة بسرعة."التفتت إليه بعينين دامعتين."لو كانت..." ابتلعت غصتها، "لو كانت ماتت... مكنش كتب كده."لم يجد الضابط ردًا.لأن الاحتمال الذي تحاول التمسك به كان منطقيًا.اقترب سليم منها بهدوء، وأخذ الهاتف من يدها قبل أن تضغط على أي شيء قد يمحو دليلًا مهمًا.قال بصوت منخفض:"هنلاقيها."نظرت إليه.لم يكن يعدها وعدًا فارغًا.بل كان يتحدث بثقة جعلت قلبها يهدأ قليلًا.تنهدت وهي تخفض رأسها.فربت برفق على كتفها.ولأول مرة منذ ساعات...لم تبتعد.---بدأ رجال الشرطة بتفتيش المخزن مرة أخرى، لكن هذه المرة بدقة أكبر.اقترب أحدهم من الضابط."يا فندم.""ها؟""في آثار تراب جديدة عند الباب الخلفي."تحرك ال
"قبل الحادث... أنا كنت رايح المخزن ده... عشان أقابل كامل عزام."لم يكن وقع الجملة أقل من صدمة أصابت الجميع بالشلل للحظات، حتى إن يارا نسيت أن تتنفس وهي تحدق في وجه سليم الذي بدا شاحبًا على غير عادته، بينما كانت عيناه مثبتتين على المفتاح القديم وكأنه يحمل بين طياته جزءًا ضائعًا من ذاكرته.قطع الضابط الصمت أولًا وهو يسأله بلهجة جادة:"إنت متأكد من اللي بتقوله؟"أغمض سليم عينيه لثوانٍ، ثم قال بصوت هادئ لكنه واثق:"مش فاكر كل التفاصيل... لكن متأكد إن المخزن ده كان آخر مكان كنت رايح له قبل الحادث، وكامل عزام هو اللي طلب يقابلني."تبادل الجميع النظرات.قال يوسف:"يبقى مفيش وقت نضيعه."التفت الضابط إلى رجاله."جهزوا العربيات... هنطلع حالًا."---بعد أقل من أربعين دقيقة كانت السيارات تقف أمام مبنى صناعي قديم يقع في أطراف المدينة، وقد بدت المنطقة مهجورة تمامًا، فلا أصوات سوى صفير الرياح وهي تصطدم بالأبواب الحديدية الصدئة، ولا ضوء إلا أعمدة الإنارة المتباعدة التي بالكاد تكشف معالم المكان.ترجل الجميع من السيارات.ورفعت يارا رأسها تتأمل المبنى الذي بدا كأنه لم يدخله أحد منذ سنوات.قالت بصوت منخف
"ده... كان شغال عند والدي."ساد الصمت داخل مكتب الضابط، ولم يجرؤ أحد على مقاطعة سليم، بينما بقي هو يحدق في الصورة القديمة وكأنها أيقظت جزءًا آخر من ذاكرته، وقد شحب وجهه بصورة أثارت قلق الجميع، حتى يارا اقتربت منه بخطوات مترددة وهي تراقب ملامحه التي تغيرت فجأة.قالت بصوت منخفض:"إنت متأكد؟"أخذ نفسًا عميقًا، ثم أومأ ببطء."أيوة... مش فاكر اسمه، لكن وشه مستحيل أنساه."أخذ الضابط الصورة من يده سريعًا."كان بيشتغل إيه عند والدك؟"أغمض سليم عينيه محاولًا استرجاع المزيد.مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يجيب:"مش مجرد موظف."نظر الجميع إليه.فأكمل:"كان أقرب واحد لوالدي... وكان مسؤول عن أغلب شغله."سأل يوسف بقلق:"يعني مدير أعماله؟"هز سليم رأسه."تقريبًا."ثم وضع يده فوق جبينه عندما شعر بوخزة مؤلمة داخل رأسه.اقتربت يارا منه فورًا."كفاية... متضغطش على نفسك."رفع عينيه إليها.ولم يكن يرى سوى خوفها عليه.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم الألم.وقال:"أنا كويس."لكنها لم تقتنع.وضعت يدها على ذراعه وقالت بنبرة حازمة:"مش لازم تفتكر كل حاجة النهارده."نظر إليها الضابط ثم قال:"هي معاها حق."جلس سليم ببطء، بينما
"ريم."ظل الاسم أمام أعينهم لعدة ثوانٍ دون أن ينطق أحد بحرف واحد، بينما كانت يارا تمسك بالورقة ويداها ترتجفان، ثم رفعت رأسها ببطء نحو سليم، فوجدته يحدق في التوقيع بنفس الصدمة، وكأنه يحاول الربط بين الفتاة التي ظهرت في المستشفى قبل ساعات وبين الرسالة التي وصلت إلى المنزل في منتصف الليل.قال يوسف بعدما أخذ الورقة منها:"دي أكيد مش صدفة."أجابه سليم وهو يمد يده ليأخذ الرسالة مرة أخرى:"ولا أنا مصدق إنها صدفة."ثم قلب الورقة بين أصابعه أكثر من مرة، وقال:"الورقة جديدة... والحبر لسه واضح... يعني الرسالة اتكتبت من وقت قريب."اقترب الضابط منها بعدما استدعاه يوسف هاتفيًا، وألقى نظرة سريعة عليها، ثم قال:"يبقى اللي كتبها كان واقف هنا من وقت قليل."نظرت يارا إلى الحديقة الممتدة أمام المنزل، وكان الظلام لا يزال يسيطر عليها، بينما تتحرك الأشجار مع الهواء الخفيف، فشعرت بقشعريرة تسري في جسدها.همست:"يعني كان بيراقبنا."نظر إليها سليم فورًا، ثم قال بحزم:"ومن النهارده محدش هيخرج لوحده."اعترضت بسرعة:"أنا مش طفلة."ابتسم ابتسامة صغيرة رغم التوتر."وأنا ما قلتش إنك طفلة.""أمال؟"اقترب منها قليلًا.
الفصل الخامس والثلاثون"وأول حاجة قالها... إن الشخص اللي خطف ليلى كان من العيلة."توقفت يارا في مكانها.أما سليم...فشعر بأن الكلمات سقطت فوق رؤوسهم كالصاعقة.نظر يوسف إليهما وهو ما يزال يلهث من شدة انفعاله.وقال:"تعالوا بسرعة."ولم ينتظر ردًا.بل استدار فورًا نحو المصعد.أما يارا...فكانت تسير بجوار سليم وكأن الأرض تتحرك تحت قدميها.من العائلة؟أي عائلة؟عائلتها هي؟أم عائلة نادية؟أم شخص آخر؟كلما ظنت أنها اقتربت من الحقيقة ظهرت حقيقة أكثر تعقيدًا.---وصلوا إلى غرفة سامح.كان الضابط يقف بالخارج.وبجواره طبيب يبدو عليه الضيق.قال الطبيب:"خمس دقايق بس."أومأ الضابط.ثم التفت إليهم.وقال:"الراجل لسه ضعيف جدًا."لكن أحدًا لم يكن مستعدًا للانتظار.دخلوا الغرفة.فوجدوا رجلاً في أواخر الستينات من عمره.شاحب الوجه.متعبًا.لكن عينيه كانتا مفتوحتين.وكان ينظر مباشرة إلى يارا.وكأنه كان ينتظرها.ساد الصمت للحظات.ثم رفع سامح يده بصعوبة.وأشار إليها.اقتربت يارا.ووقفت بجوار سريره.نظر إليها طويلًا.طويلًا جدًا.حتى شعرت بالتوتر.ثم خرج صوته أخيرًا:"شبه أمك."شعرت بقشعريرة تجتاح جسدها.أم
"قولوا ليارا إن فؤاد مش اللي خطف أختها."ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.صمت لم يستمر سوى ثوانٍ قليلة، لكنه بدا للجميع وكأنه دقائق طويلة.أما يارا...فشعرت أن عقلها توقف عن العمل تمامًا.حدقت في يوسف.ثم في الضابط.ثم عادت تنظر إلى الرسالة الموجودة بين يديها.كل شيء بدأ يتشابك بصورة مرهقة.فؤاد.نادية.الطفلة المفقودة.ليلى.الرسالة.والآن...سامح يقول إن فؤاد ليس الخاطف.قال يوسف أخيرًا:"يعني إيه مش هو؟"رفع الضابط كتفيه."معرفش."ثم أكمل:"الممرضة قالت إنه كان فاقد للوعي تقريبًا، ودي آخر جملة قالها."سادت حالة من التوتر.أما يارا فقالت بسرعة:"أنا عايزة أروحله."التفت الجميع إليها.فأكملت:"دلوقتي."قال الضابط:"لسه خارج من عملية.""مستنية إيه؟"ارتفع صوتها لأول مرة منذ ساعات."كل ما نقرب من الحقيقة بيظهر سر جديد."ثم نظرت إليه مباشرة."ولو الراجل ده عنده إجابة... لازم أسمعها."---بعد أقل من نصف ساعة...كانوا أمام المستشفى.الهدوء الليلي يلف المكان.لكن التوتر داخلهم كان أعلى من أي وقت مضى.دخلوا جميعًا.وبعد حديث قصير مع الطبيب...علموا أن سامح ما زال تحت الملاحظة.وأنه لم يستيقظ بعد.
"ولقوا جواها... لعبة أطفال قديمة. ومكتوب عليها اسم ليلى."تجمدت يارا.وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.أما سليم...فنظر إليها فورًا.رأى لون وجهها يختفي تدريجيًا.ورأى عينيها تتسعان بصدمة.ثم همست:"لعبة... ليلى؟"أومأ يوسف ببطء."أيوة."ساد الصمت.ولم يعد أحد يعرف ماذا يقول.أما يارا...فكانت تشعر
كانت جميع الأنظار معلقة على الورقة الأخيرة داخل الملف.لم يمد أحد يده إليها.حتى أنفاسهم بدت ثقيلة.أما يارا...فكانت تشعر بأن قلبها يدق بعنف داخل صدرها.الورقة الأخيرة.الحقيقة.السر الذي جعل سليم يفكر في الابتعاد عنها.السر الذي كاد يقتله.رفعت عينيها ببطء نحو سليم.كان ينظر إلى الورقة بالطريقة ن
"متروحوش الشقة... لأن السر اللي جواها هيغير حياة يارا للأبد."وانقطع الخط.بقي الهاتف ملتصقًا بأذن سليم لعدة ثوانٍ، بينما كانت عيناه ثابتتين أمامه دون أن تريا شيئًا.ساد الصمت داخل الغرفة.ثم نهض يوسف فجأة."مين؟ مين كان بيتكلم؟"أنزل سليم الهاتف ببطء."معرفش."اقتربت يارا منه.كانت تقف أمامه مباشر
"أنا أبوك."تجمد الجميع في أماكنهم.حتى الهواء داخل الغرفة بدا وكأنه توقف.أما سليم...فبقي ينظر إلى الرجل الواقف عند الباب دون أن يرمش.كان يشعر أنه يعرف هذا الوجه.ليس بوضوح.لكن هناك شيء مألوف فيه.شيء يوقظ ذكريات مبعثرة داخل رأسه.قال يوسف أخيرًا بعد صدمة طويلة:"عمي...؟"رفع الرجل عينيه إليه.







