Share

: قبل أن تنكسر الأسوار مجددًا

Author: Lamar
last update publish date: 2026-08-08 06:06:49

عاد سرمد إلى الشقة قرب المساء، عقله لا يزال مثقلًا بكل ما سمعه من قيصار، لكنه اختار أن يخفي ثقل ذلك القلق خلف ابتسامة هادئة حين رأى نرجس تنتظره عند الباب، وجهها يحمل راحة واضحة برؤيته بعد غياب طال أكثر مما توقعت.

"أين كنت طوال اليوم؟" سألته وهي تسحبه من يده إلى الداخل، نبرة قلق خفيفة تشوب صوتها. "حاولت الاتصال بك مرتين."

"كان لديّ بعض الأمور لأنهيها." تجنّب التفاصيل بلطف، غير مستعد بعد لمشاركتها بما اكتشفه. "كيف حالك اليوم؟ هل عاد ذلك الوميض الغريب؟"

"لا، اختفى تمامًا منذ الأمس. أشعر أنني طبيعية تمامًا اليوم." اقتربت منه، تضع يدها على صدره بلطف، تشعر بدقات قلبه المتسارعة تحت راحة يدها. "لكنك تبدو متوترًا. هل حدث شيء؟"

"لا شيء يستحق القلق الآن." ابتسم لها، يجذبها بلطف أقرب إليه، محاولًا أن يغرق في تلك اللحظة النادرة من الهدوء قبل أن تنقلب الأمور مجددًا كما يخشى. "فقط أردت أن أراك."

نظرت إليه نرجس طويلًا، تقرأ في عينيه شيئًا يخفيه، لكنها اختارت ألا تضغط عليه هذه المرة، مدركة أنها هي أيضًا احتفظت بأسرارها الخاصة معه في وقت من الأوقات. بدلًا من ذلك، رفعت يدها لتلمس وجهه بحنان، تقرّب شفتيها من شفتيه ببطء.

لم يتردد سرمد، انحنى نحوها ليكمل تلك القبلة التي بدأتها، أعمق هذه المرة، أكثر يقينًا وثقة من قبلتهما الأولى المترددة تحت المطر. شعرت نرجس بذلك الدفء المألوف يجتاح جسدها بالكامل، لكنه هذه المرة كان مختلفًا — لم يعد غريبًا أو مقلقًا، بل مألوفًا وآمنًا، كأنهما أخيرًا وجدا مكانًا ينتميان إليه معًا.

سحبها سرمد أقرب، يداه تلتفّان حول خصرها برفق، بينما كانت هي تتشبث بقميصه وكأنها تخشى أن تفلته لو ابتعدت ولو للحظة. تبادلا القبلات ببطء متصاعد، كل لمسة تحمل ثقلًا عاطفيًا من كل ما مرّا به معًا — الخيانة، الغضب، الخوف، وأخيرًا هذا القبول العميق لبعضهما البعض رغم كل شيء.

"نرجس،" همس بصوت أجش قليلًا وهو يبتعد عنها بمسافة صغيرة، يلامس جبينها بجبينه، أنفاسهما متشابكة. "أريدك أن تعرفي أنني، مهما حدث لاحقًا، لن أتراجع عن هذا. عنكِ."

"ولا أنا." أجابت بصوت خافت، تسحبه نحو الأريكة، تجلس بجانبه وتضع رأسها على صدره، تستمع إلى دقات قلبه المتسارعة، تشعر لأول مرة منذ زمن طويل بأمان حقيقي لا يشوبه خوف من الغد.

جلسا معًا لساعة كاملة، أحاديث هادئة متداخلة مع لحظات صمت مريح، ولمسات بسيطة تحمل كل الدفء الذي بنياه معًا رغم كل العقبات.

لكن ذلك الهدوء لم يدم طويلًا.

اهتز هاتف سرمد فجأة على الطاولة، رسالة عاجلة من قيصار وصلته بشكل غير متوقع، مخالفة كل عاداته المعروفة بالحذر الشديد وتجنب أي تواصل مباشر خطير.

فتح سرمد الرسالة بقلق مفاجئ، ووجهه شحب فورًا وهو يقرأ الكلمات المقتضبة:

"اكتشفوا أنني تحدثت معك. غادر المدينة معها الليلة، الآن. إنهم قادمون، وليس والدها هو من يقودهم هذه المرة."

نظر سرمد إلى نرجس بذعر مفاجئ حلّ محل كل ذلك الدفء الذي عاشاه قبل لحظات فقط.

"نرجس، يجب أن نرحل. الآن."

"ماذا؟ لماذا؟" جلست منتصبة فجأة، تشعر بالقلق يتسلل إلى صوته. "سرمد، ماذا يحدث؟"

"سأشرح لكِ كل شيء في الطريق، أعدك. لكن الآن، يجب أن نغادر هذه الشقة فورًا. هناك خطر حقيقي قادم، وليس لدينا وقت كافٍ."

وبينما كانت نرجس تجمع أغراضها بيدين مرتجفتين، لم تكن تعرف بعد أن كل ما بنته من ثقة متجددة تجاه والدها كان على وشك أن ينهار بالكامل خلال الساعات القليلة القادمة، وأن الحقيقة التي أخفاها سرمد عنها لساعات فقط ستتكشف قريبًا بطريقة أقسى بكثير مما كان يتمنى.

---

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   خيوط تتشابك في الظل

    في اليومين التاليين، استقرت نرجس وسرمد في روتين هادئ داخل القصر الملكي الأكبر، حيث دُعيا للبقاء ضيوفًا لفترة إضافية بناءً على إصرار لطيف من الملك نفسه، الذي بدا مصممًا على تعويض نرجس عن كل السنوات التي حُرمت فيها من عائلتها ووطنها الحقيقي.في صباح اليوم الثالث، بينما كانت نرجس تتجول في حدائق القصر الواسعة برفقة إحدى وصيفات القصر التي عُيّنت لخدمتها، وجدت نفسها فجأة أمام الأمير كيان، يجلس وحيدًا على مقعد حجري قديم بجانب بحيرة صغيرة تعكس السماء الصافية بألوان نارية خافتة مميزة لعالم الجن."نرجس." نهض بأدب فور رؤيتها، ابتسامة ترحيبية صادقة على وجهه. "لم أتوقع أن ألتقيكِ هنا بمفردكِ هذا الصباح.""كنت أتمشى فقط، أستمتع بجمال الحدائق." جلست بحذر مهذب على الطرف الآخر من المقعد الحجري حين أشار إليها بلطف للجلوس. "لم أرَ مكانًا بهذا الجمال من قبل."تحدثا لوقت طويل، الأمير يشاركها بصدق واضح ذكريات إضافية عن والدتها، عن دفئها وحكمتها، عن طريقة تعليمها له أساسيات فن الحكم بعيدًا عن القسوة التي اعتاد عليها من مستشاري أبيه الآخرين. استمعت نرجس بشغف متجدد، تشعر وكأنها تكتشف جزءًا حقيقيًا مفقودًا من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   بين الشك واليقين

    عادا إلى غرفتهما في القصر تلك الليلة، والصمت الذي رافق سرمد طوال الطريق لا يزال يخيّم على المكان. جلست نرجس على حافة السرير، تراقبه وهو يقف عند النافذة، ظهره لها، أفكاره واضحة الاضطراب رغم صمته."سرمد." نهضت واقتربت منه، تضع يدها على كتفه بلطف. "أعرف أن هناك شيئًا يزعجك. أرجوك لا تخفِ عني شيئًا بعد الآن، لا بعد كل ما مررنا به."استدار نحوها، عيناه تحملان صراعًا داخليًا واضحًا. "لا أعرف كيف أشرح هذا دون أن أبدو غيورًا أو تافهًا. لكن هناك شيء في طريقة استقبال الملك لكِ، في اهتمام الأمير المفاجئ، يزعجني بعمق لا أستطيع تفسيره.""سرمد، إنهم يحاولون فقط تعويضي عن سنوات فقدت فيها كل رابط بعائلتي." اقتربت أكثر، يداها ترفعان وجهه نحوها. "أفهم قلقك، لكن أرجوك لا تدع الشك يفسد هذه الفرصة النادرة بالنسبة لي."نظر إليها طويلًا، يرى في عينيها ذلك الشوق الصادق العميق، ويشعر بذنب خفيف لكونه لا يستطيع أن يمنحها ثقة كاملة في هذه اللحظة بالذات. "أنتِ محقة. ربما أنا فقط... أخاف من فقدانكِ، بعد كل ما مررنا به معًا.""لن تفقدني أبدًا." اقتربت منه أكثر، جسدها يلامس جسده، عيناها تحملان يقينًا عميقًا. "أنت من

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    دعوة إلى القصر الأكبر

    مرّت الأيام التالية بسرعة غريبة، أسبوع كامل قضته نرجس تتنقل بين جناح جدتها الفخم وبين لحظات هادئة قضتها مع سرمد في إحدى غرف الضيافة المخصصة لهما داخل القصر. كانت الحياة، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تشبه نوعًا من الاستقرار الهش، لكنه حقيقي بما يكفي لتسمح نرجس لنفسها بالاستمتاع به دون قلق مفرط.في صباح أحد الأيام، بينما كانت تتناول الفطور مع سرمد في شرفة صغيرة مطلة على حدائق القصر الواسعة، وصلتها رسالة رسمية مختومة بختم ذهبي فخم، تحمل شعار العرش الأكبر لعالم الجن بأكمله.فتحتها بيدين مرتجفتين قليلًا من الفضول، لتجد دعوة رسمية موجهة إليها شخصيًا من الملك الأكبر نفسه، تطلب حضورها إلى القصر الملكي الكبير لحضور مأدبة عشاء خاصة، بمناسبة "تجديد الروابط العائلية القديمة" كما وُصف الأمر بصياغة دبلوماسية أنيقة."ما الأمر؟" سأل سرمد، لاحظ التغيّر في تعابير وجهها."دعوة من الملك الأكبر نفسه." أعطته الرسالة ليقرأها، توتر خفيف يتسلل إلى صوتها. "يريد استضافتي في مأدبة رسمية."قرأ سرمد الرسالة بعينين ضيقتين، شعور بعدم الارتياح يتصاعد بداخله فورًا. "لا أحب هذا يا نرجس. الأمر يبدو مباشرًا جدًا، ومفاجئ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   يد تمتد بحنان ظاهري

    :بعد أن أُخذ والد نرجس بعيدًا تحت حراسة صارمة بأمر مباشر من جدتها، خيّم على القاعة الكبرى هدوء مشحون بالتوتر، بينما وقفت نرجس أمام تلك المرأة العجوز الغريبة عنها، تحاول استيعاب كل ما يحدث دفعة واحدة."لا أفهم." قالت نرجس أخيرًا، صوتها لا يزال يحمل آثار الصدمة. "لماذا لم أعرف بوجودك من قبل؟ لماذا لم يخبرني أحد أن لديّ جدة حية؟"اقتربت الجدة منها بابتسامة دافئة، تمد يدها لتلمس وجه نرجس بحنان يبدو صادقًا تمامًا. "اخترت الابتعاد عن كل شؤون العشيرة منذ سنوات طويلة، بعد وفاة زوجي، تاركة الحكم لابني. لم أكن أعرف بكل ما فعله حتى وصلتني أخبار عن استيقاظ قوتك الكاملة الليلة، فأدركت أن الوقت حان أخيرًا للتدخل."نظر سرمد إلى الجدة بحذر صامت، لا يزال يشعر بشيء غير مريح في طريقة حديثها المحسوبة بدقة، لكنه لم يقل شيئًا أمام نرجس التي بدت متعطشة لأي رابط عائلي دافئ بعد كل تلك السنوات من الوحدة."تعالي معي يا نرجس." مدت الجدة يدها نحوها. "دعيني أعرّفك على بقية عائلتك، وأشرح لكِ الكثير مما تجهلينه عن تاريخ عشيرتنا وعن قوتك الحقيقية."تبعتها نرجس بثقة متجددة إلى جناح خاص في القصر، بينما بقي سرمد يسير خ

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)    صوت من الماضي

    اقترب الحراس أكثر، دائرة محكمة تضيق حول نرجس وسرمد ببطء مرعب، بينما كان والد نرجس يراقب المشهد بابتسامة ظافرة، واثقًا تمامًا من نتيجة هذه المواجهة غير المتكافئة.شعرت نرجس بذلك الإحساس الغريب يتصاعد بداخلها بقوة غير مسبوقة، أعمق من أي استيقاظ سابق لقوتها، وكأن شيئًا قديمًا جدًا، منسيًا، بدأ يتحرك في أعماق روحها. أغمضت عينيها للحظة، وفجأة سمعت صوتًا لم تسمعه منذ سنوات طويلة، صوتًا نقيًا واضحًا يتردد في ذهنها وكأنه يأتي من مكان بعيد جدًا، أو من زمن آخر تمامًا:"استخدمي ما ورثتِه مني، يا شمسي الصغيرة. حان وقت الاستيقاظ الكامل."صوت أمها.فتحت نرجس عينيها فجأة، وقد تغيّر كل شيء فيها. لم يعد الضوء الذهبي المعتاد هو ما يتوهج تحت جلدها، بل شيء أكثر عمقًا وقدمًا، لون نادر يمزج بين الذهبي والأبيض الناصع، يضيء القاعة بأكملها بشكل مبهر جعل الجميع، حراسًا ووالدها نفسه، يتراجعون خطوات بذعر غير مقصود."ما هذا؟" همس والدها بذهول ورعب ممزوجين، يتراجع من على عرشه فجأة. "هذا... هذا لون قوة والدتك الكاملة. لكن هذا مستحيل، لم تكتمل تدريباتها أبدًا—""لم أكن بحاجة لتدريباتكم." قالت نرجس بصوت لا يشبه صوتها

  • سر نرجس (دم من دخان ..روح من نار)   المواجهة

    وصلا إلى أطراف قصر والدها عند غروب الشمس، الضوء البرتقالي الخافت يلقي ظلالًا طويلة على الأسوار الحجرية القديمة المحيطة بمقر عشيرتها. توقفت نرجس للحظة، تشعر بثقل كل الذكريات التي تربطها بهذا المكان — طفولتها، أمها، وأخيرًا لحظة طردها المهينة أمام الجميع."هل أنتِ مستعدة؟" سألها سرمد بهدوء، واقفًا بجانبها بثبات، يده تمسك يدها بإحكام يمنحها قوة إضافية."لست متأكدة أنني سأكون مستعدة تمامًا أبدًا." أجابت بصدق، تأخذ نفسًا عميقًا. "لكنني سئمت الهروب. حان الوقت لمواجهة كل هذا وجهًا لوجه."تقدما معًا نحو البوابة الرئيسية، حيث وقف حراس مذهولون برؤيتهما تقترب بلا خوف ظاهر، بعد أن وصلتهم أخبار ما حدث في الكوخ. لم يجرؤ أحد منهم على اعتراض طريقهما، مكتفين بمراقبتهما بحذر بالغ بينما كانا يدخلان القاعة الكبرى حيث كان والد نرجس يجلس على عرشه، محاطًا بمستشاريه القلقين.نهض والدها فجأة حين رآها، مزيج من الصدمة والغضب يتصارعان على وجهه. "نرجس. تجرأتِ على العودة إلى هنا بنفسك؟""لم آتِ لأطلب الصفح أو الرحمة." تقدمت نرجس بخطوات ثابتة، صوتها يحمل قوة وثقة لم يسمعها منها من قبل أحد في تلك القاعة. "أتيت لأخبر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status