Home / الرومانسية / شرارة الكبرياء / الفصل السادس: في عرين الأسد

Share

الفصل السادس: في عرين الأسد

Author: Hope49
last update publish date: 2026-07-20 08:13:47

في صباح يوم الإثنين، عند الساعة التاسعة تماماً، كانت لوسي تقف أمام باب مكتب لوسيان الفخم في الطابق الأخير. كانت ترتدي بدلة عملية أنيقة، وتحمل حقيبتها بثقة رغماً عن دقات قلبها المتسارعة.

فتحت الباب لتجد لوسيان يجلس خلف مكتبه الزجاجي الضخم، يراجع بعض الأوراق بجدية صارمة. ولشدة مفاجأتها، كانت إيما تجلس على الأريكة الجانبية في زيارة ودية، وتبدو هادئة ومتحفظة أمام شقيقها.

"صباح الخير،" قالت لوسي وهي تدخل بخطى واثقة.

رفع لوسيان عينيه الزرقاوين ونظر إلى ساعته بدقة مستفزة، ثم قال ببرود: "التاسعة ودقيقة يا لوسي. ظننت أنكِ تملكين دقة أكبر في المواعيد."

نظرت إيما إلى لوسي بقلق، ولم تجرؤ على التحدث خوفاً من حدة شقيقها.

أما لوسي، فتقدمت بخطوات هادئة نحو المكتب، ووضعت حقيبتها فوق الطاولة مباشرة أمام عينيه، وقالت بابتسامة ومشاكسة مضحكة: "حضرة المدير الصارم، الساعة في ممر الشركة متقدمة بدقيقة، وساعتك يبدو أنها متأثرة ببرودك فتجري بسرعة لتنهي اليوم. لذا، تقنياً.. أنا جئت قبل الوقت."

اتسعت عينا إيما بصدمة، ونظرت إلى لوسي بكثير من الذهول والإعجاب السري بجرأتها.

ضيق لوسيان عينيه وهو ينظر إلى حقيبة لوسي الموضوعة فوق أوراقه الرسمية. أزاح الحقيبة بيده ببطء وقال بنبرة جافة:

"حسناً، أرى أن لسانكِ مستعد للعمل أكثر من عقلكِ يا آنسة كارتر. تفضلي، هذا هو ملف مشروع 'مرفأ المشرق' المستعصي."

وضع أمامها ملفاً ضخماً وثقيلاً جداً. نظرت لوسي إلى حجم الملف، ولم تظهر أي ارتباك، بل سحبته بخفة وحملته بيديها الصغيرتين، وقالت ببراءة تحدٍ ذكية: "شكراً لك يا لوسيان. حجم الملف يثبت فقط كم كان مشروعك بحاجة لمستي العفوية لينقذه من هذا الجمود."

تصلبت ملامح لوسيان تماماً، وانقبضت أصابعه حول قلمه الفخم. نهض من خلف مكتبه بكامل طوله وهيبته، وتقدم نحوها ببطء محاولاً إخافتها بنظراته، وقال بصوت منخفض ومشحون: "المتدرّبة الجديدة تظن أن إدارة المشاريع مجرد كلام. هذا الملف يحتوي على ثغرة مالية عجز عنها المحاسبون. أمامكِ حتى المساء لتجديها، وإلا سأعتبر أنكِ أضعتِ وقتنا."

اقتربت لوسي منه خطوة واحدة، رافعة ذقنها لتلتقي بعينيه دون أي تراجع، وقالت بنبرة ناعمة ومضحكة: "سأجد الثغرة يا سيد لوسيان، فقط جهز نفسك للاعتراف بأن طرقك التقليدية هي التي تحتاج لتحديث. طاب يومك."

التفتت لوسي بذكاء وغادرت المكتب بخطوات رشيقة وحاملة الملف بثقة.

بقي لوسيان واقفاً مكانه وعضلات فكه مشدودة من أثر كلماتها، بينما التفتت إليه إيما التي كانت تتابع الموقف بأنفاس محبوسة، وقالت بصوت خافت مذهول: "أنا.. أنا لم أرَ أحداً في حياتي يجرؤ على الرد عليك هكذا يا لوسيان!"

نظر إليها لوسيان بنظرة حادة جعلتها تصمت فوراً وتعدل جلستها بارتباك.

مرت ساعات النهار ولوسي غارقة بين الأرقام والحسابات في مكتبها الصغير. لم تكن المهمة سهلة، لكن عنادها المشاكس منحها طاقة مضاعفة. وعند الساعة الخامسة مساءً، سحبت ورقة واحدة من الملف، والابتسامة تملأ وجهها بعد أن وضعت يدها على السر.

توجهت مباشرة إلى مكتب المدير العام. فتحت الباب، لتجد لوسيان يجلس برفقة والده السيد "إدوارد"، اللذين كانا يراجعان بعض المخططات. تراجعت خطوة واعتذرت بلباقة: "معذرة يا عمي إدوارد، لم أعلم أنك هنا."

رحب بها إدوارد بابتسامة حارة: "أهلاً لوسي، ادخلي يا ابنتي. كنا قد انتهينا للتو. أخبريني، كيف كان يومكِ الأول؟ ألم يكن لوسيان قاسياً معكِ؟"

قبل أن تجيب، سارع لوسيان بالرد بنبرة باردة وهو يغلق حاسوبه المحمول: "أبي، الآنسة كارتر جاءت لتسلم الملف وتعلن انسحابها غالباً، فقد كان التحدي أكبر من قدراتها."

نظرت لوسي إلى لوسيان، ورفعت حاجبها بتلك المشاكسة اللطيفة، ثم تقدمت ووضعت الورقة بثقة أمام إدوارد مباشرة، وقالت بنبرة مبتسمة وبراءة ذكية: "في الحقيقة يا عمي، جئت لأخبرك أن اختيارات لوسيان لمن يعملون تحت إمرته تحتاج إلى إعادة نظر شاملة. يبدو أن حضرة المدير يختار موظفيه بناءً على درجة برودهم، لا كفاءتهم."

اتسعت عينا إدوارد بفضول، بينما تصلبت ملامح لوسيان. تابعت لوسي بخفة: "المحاسبون العباقرة الذين يثق بهم لوسيان، كانوا يراجعون الميزانية وأعينهم مغمضة؛ لقد كرروا قيد الفواتير الجمركية في الصفحة الأربعين، وهو ما تسبب في عجز وهمي بقيمة مليوني دولار. حللتُ المشكلة في بضع ساعات!"

سحب السيد إدوارد الورقة بسرعة ليدقق فيها، ثم انفجر ضاحكاً وهو ينظر إلى ابنه: "يا إلهي! هذا صحيح تماماً! لوسيان.. المتدربة الجديدة كشفت خطأ فريقك بأكمله في يومها الأول!"

شعر لوسيان بلسعة حادة لكبريائه أمام والده، ونظر إلى الورقة ثم رفع عينيه الزرقاوين نحو لوسي بنظرة مشتعلة بالغيظ المكتوم.

مالت لوسي برأسها قليلاً نحو لوسيان، وقالت بنبرة خفيضة ومضحكة: "لا بأس يا حضرة العبقري، في المرة القادمة عندما تريد توظيف أحد، يمكنك استشارتي بدلاً من الاعتماد على معاييرك الصارمة الفاشلة."

كتم إدوارد ضحكته وهو يلاحظ الشرر المتطاير بينهما، ونهض قائلاً بابتسامة: "حسناً، أظن أن لوسي تستحق مكافأة. لوسيان، خذها معك في السيارة أثناء عودتك إلى القصر، فهذا أقل ما يمكن تقديمه لها اليوم."

في تلك اللحظة، اختفت ابتسامة لوسي فوراً، وظهر على وجهها امتعاض واضح وضيق طفولي لم تحاول حتى إخفاءه، وقالت بتذمر عفوي: "آه.. لا داعي لذلك يا عمي إدوارد حقاً، يمكنني أخذ سيارة أجرة. لا أريد أن أحول رحلة عودة لوسيان المريحة إلى حقل تجارب لعصبيته."

تصلب لوسيان في مكانه تماماً. ضيق عينيه الزرقاوين وهو ينظر إلى ملامح وجهها الممتعضة. لقد استُفزت رجولته وكبرياؤه بشدة؛ فبأي حق تبدي هي كل هذا النفور والامتعاض من الركوب في سيارته الفارهة التي يحلم الكثيرون بمجرد القرب منها؟

تحرك لوسيان من خلف مكتبه بخطوات سريعة وحاسمة، ووقف أمامها مباشرة بكامل طوله، وقال بنبرة جافة وصارمة لا تقبل النقاش: "أبي عرض اقتراحاً يا لوسي، ونحن لا نكسر كلامه هنا. ضعي امتعاضكِ جانباً، والتقي بي في الأسفل خلال خمس دقائق.. هذا أمر إداري."

نظرت إليه لوسي بذات الملامح الممتعضة، ثم زفرت بقلة حيلة والتقطت حقيبتها قائلة بنبرة مضحكة ومستفزة: "أمر إداري؟ حسناً يا حضرة المتسلط.. لكن إن ساد الصمت والملل في السيارة، سأعتبر ذلك وقتاً إضافياً غير مدفوع الأجر."

استدارت وخرجت وهي تضرب الأرض بحذائها بخفة، تاركة لوسيان يقف وعضلات فكه تكاد تنفجر من شدة الغيظ من طريقة تفكيرها ونفورها منه، بينما يربت والده على كتفه ضاحكاً من قلبه على هذه الورطة الجميلة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • شرارة الكبرياء   الفصل الثالث والثمانون: الأَمْوَاجُ وَاحْتِرَاقُ الصَّمْت

    تغيّرت ملامح المشهد في جزءٍ من الثانية؛ فلم يكن **لوسيان** ليتراجع، أو يخوض جدالاً مكشوفاً مع لوسي، أو يترك صديقه توماس ينفرد برحلةٍ تُربك الحسابات وتُكسر سلطته. وبدلاً من توجيه حديثه إلى لوسي، خطى لوسيان نحو القارب الخشبي بهيبةٍ حازمة، دافعاً المجاذيف نحو المنتصف، ممتلكاً زمام الموقف بدهاءٍ صامت أجهض كل خطط الاستفزاز. استدار بجمودٍ نحو أخته، وقال بنبرةٍ قاطعة لا تقبل التردد: "إن كنا سنبحر... فسنبحر جميعاً." تسمرت لوسي في مكانها، واختنق صوت التحدي في حلقها وهي تراه يحلّ الأزمة بفرض وجوده القسري. أُجبرت الفتاتان على الجلوس في المقعد الخلفي المظلل للقارب؛ جلست **إيما** بجوار **لوسي** وقلبها يطرق بحيرةٍ خافقة، بينما تقدم **توماس** و**لوسيان** ليتوليا التجديف في المقدمة. ابتعد القارب الخشبي عن الرصيف، وشقّ مياه البحر الدافئة نحو منطقةٍ أكثر عمقاً وهدوءاً. كان الهواء ينضح بالحرارة والصمت الخانق، ولَمْ تكن ضربات المجاذيف سوى الإيقاع الوحيد الذي يكسر سكون المكان. وفجأة... توقف لوسيان عن التجديف لثوانٍ. وبعفويةٍ تنضح بالرجولة والثقة، خلع نظارته الشمسية، وبدأ بفك أزرار قميصه الأسود ا

  • شرارة الكبرياء   الفصل الثاني والثمانون: أَمْوَاجُ التَّحَكُّمِ وَلُعْبَةُ السُّلْطَة

    مَالَت شمس العصر نحو الغروب، لتسكب رداءً ذهبياً دافئاً يتهادى على مياه البحر الهادئ التابع للفندق. نزلت **لوسي** برفقة **إيما** نحو رصيف المراكب الخشبي؛ كانت إيما، ترتدي ثوباً صيفياً خفيفاً كشف عن انحناءات رقبتها الناعمة وبشرتها الصافية. كانت تسير ببراءةٍ ووداعة، غير مدركة لشرارة التوتر الحراري التي تشعلها في الهواء مع كل خطوة. وعلى مسافة غير بعيدة من الرصيف، كان **توماس** يستند إلى أحد الأعمدة الخشبية. كانت يداه تعتصران عمود الخشب، وعيناه تثقبان جسد إيما بنظراتٍ حادة، مشدودة الأعصاب ومحملة بغيرةٍ مكتومة تآكل صدره كالجمر. كان يغلي في مكانه؛ يريد قفز المسافة، سحب الوشاح، وإعادة تغطية تلك البشرة التي تلمع تحت ضوء الشمس، لكنه كان يعيش صراعاً طاحناً بين شخصيته التي تأبى التسرع، وبين عذابه في التعبير عن هذا التملك الصارم دون أن يُعري قلبه تماماً أمام الجميع. أما **لوسيان**، فقد كان يقف، متمسكاً بكبرياء رجلٍ أُهينت كرامته. كان يغلف وجوده بقناع التجاهل الجليدي لـ لوسي؛ يمر بجانبها وكأنها طيفٌ غير مرئي، مصمماً على ألا يمنحها حتى إيماءة عين واحدة، وممارساً عقاب الصمت واللااهتمام بقسوةٍ هادئ

  • شرارة الكبرياء   الفصل الحادي والثمانون: التَّجَاهُلِ وَثَوْرَةُ الجَرأة

    في تلك البقعة المظللة من الشرفة، تحول الهواء الدافيء إلى غازٍ مضغوط يوشك على الانفجار. كان **لوسيان** يقف كجدارٍ من الفولاذ، يغلف ملامحه بجمودٍ قسري لا ترمش له عين. لكن خلف هذا القناع الثلجي المتقن، كانت أعماقه تستعر بغضبٍ مكتوم وكرامةٍ مجروحة؛ فكلمات لوسي القاسية في الليلة الماضية—حين صرخت في وجهه بأنه "آخر شخص في هذا العالم" ترغب في الدنو منه—أصابت كبرياءه في مقتل. لم يكن تجاهله الصريح لها مجرد رد فعل عابر، بل عقاباً مدمراً هندسه ببرود؛ عقاباً يهدف إلى تجريدها من شعور الأهمية، وإثبات أن حضورها أو غيابها باتا سواء بالنسبة له. على الجانب الآخر، كانت **لوسي** تخوض حرباً طاحنة مع نفسها. كانت تقنع عقله طوال الوقت بأنها تمقت استبداده، وتشتهي الفكاك من قبضة سلطته... فلماذا إذاً يتآكل صدرها بهذه النار الحارقة؟ لماذا يعتصر قلبها من الغيرة التي لم تختبر لها مثيلاً من قبل لمجرد أن امرأة غريبة تضع أصابعها على عضلة ذراعه؟ لم تكن لوسي فاهمةً لسبب هذا الجنون الذي يجتاح عروقها؛ كيف لامرأة تدعي الكره أن تحترق بهذه الطريقة لمجرد رؤية امرأة أخرى تقترب منه؟ حاولت لوسي ضبط أنفاسها، وبحثت في عقله المش

  • شرارة الكبرياء   الفصل الثمانون: ثَوْرَةُ الغَيْرَةِ وَانْكِسَارُ الأَقْنِعَة

    حلّ وقت الظهيرة، وسادت الشرفة الخارجية المطلة على حوض السباحة أجواء صيفية دافئة، غير أن الهواء المحيط بالطاولات المظللة كان ينضح بكهرباءٍ حارقة. كان **توماس** يجلس عند إحدى الطاولات الخشبية، يتظاهر بتصفح هاتفه بقلة صبر محاولاً تهبيط النبض المربك الذي يطرق صدره كلما لمح **إيما**. وعلى بعد خطوات، كان **لوسيان** يقف بجسده الشاهق وقميصه الأسود الأنيق، يرتدي نظارته الشمسية الداكنة ويتابع بعض أعماله عبر هاتفه بجمودٍ مرعب، ممارساً تجاهله الصريح والجليدي لـ **لوسي**، وكأنها طيفٌ غير مرئي يشارك المكان. وفجأة... اقتحمت الممر مجموعة من الفتيات الجميلات والمثيرات، يرتدين ملابس صيفية أنيقة كتلة بالحيوية والضحكات المتعالية. كنّ يحاولن سحب بعض الحقائب الثقيلة والمعدات البحرية، قبل أن تتوقف إحداهن وتهمس لرفيقاتها بابتسامة إعجابٍ صريحة وهي تتطلع نحو توماس ولوسيان. اقتربت الفتيات بفضول وجرأة، واندفعت أحداهن بنبرة دافئة وناعمة تتخللها ضحكة دلع: "عفواً يا رفاق... هل يمكننا الاستعانة بقوتكما لقليلٍ من الوقت؟ هذه الحقائب ثقيلة جداً علينا ومقبضها يرفض التحرك!" في البداية، كانت لوسي تجلس مع إيما في جلسة

  • شرارة الكبرياء   الفصل التاسع والسبعون: صَدْمَةُ الصَّمْتِ وَأَرَقُ الرَّغْبَةِ المَكْتُومَة

    ساد الجناحَ صمتٌ رنان ومؤلم فور خروج لوسيان وتوجهه إلى غرفته المغلقة. ظلت لوسي متسمرة فوق الأريكة، تطوق جسدها المرتجف ببطانيتها، وعيناها معلقتان بالأثر الفائر الذي تركته قبضته الغارسة في الوسادة بجوار رأسها تماماً. كانت تتوقع منه ثورة غضبٍ عارمة أو تحكماً أقسى كعادته... لكن ضربته الجانبية وانسحابه المظلم والصامت تركا في أرجاء الغرفة ثقلاً أشدَّ قسوة من كل كلماته. تلمست لوسي موضع الضربة بأطراف أصابعها المرتجفة، وشعرت بمرارةٍ تنخر صدرها؛ لقد أصابت كبرياءه في مقتل، وجردته من سلطته أمام نفسه، لكن هذا الصمت المفاجئ والجدار الجليدي الذي شيده كان يعلن بداية نوعٍ جديد وغير متوقع من العقاب. على الجانب الآخر من الفندق، وفي غرفته المعتمة، كان **توماس** يتجول بخطواتٍ غير متزنة، عاجزاً عن الاستقرار في مكانٍ واحد. خلع قميصه المبتل وألقاه جانباً، وأمسك برأسه بين كفيه وهو يجوب الغرفة بقلة صبر. توماس... الذي طالما أدار أصعب المواقف بابتسامةٍ هادئة وجاذبية واثقة ومرحٍ لا ينضب، كان الليلة أسيراً لارتباكٍ طفولي وشديد الغرابة، لم يختبره من قبل في حياته! كان وجهه يتوهج حرارة كلما تذكر كيف طارت قد

  • شرارة الكبرياء   الفصل الثامن والسبعون: ثَوْرَةُ الإِحْرَاجِ وَالجِدَارُ الجَلِيدِيّ

    تسمرت الغرفة في صمتٍ قاتل فور إغلاق الباب خلف إيما بحدة. كانت وجنتا لوسي تشتعلان بحرارةٍ حارقة، وعيناها تغرقان بالدموع من أثر الصدمة والهول والإحراج الشديد الذي أكل كيانها. انفجرت لوسي بدفع صدره الصلب بكفيها بكامل قوتها، وهتفت بانهيار وصوت مرتجف يصرخ بالحرقة: "ابتعد عني!... ابتعد يا لوسيان! هل استوعبت ما فعلته بجنونك هذا؟ إيما رأتنا بهذه الطريقة بسببك!" بدأت تضربه على صدره بضرباتٍ متتالية عشوائية وهي تتابع ببكاءٍ حاد ونبرة يملؤها القهر: "ما الذي تظن نفسك فاعلاً؟! كيف تفرط في وقاحتك واستبدادك إلى هذا الحد؟! صديقتي الوحيدة دخلت ورأتك تعتليني وتحاصرني وكأنني أسيرة لديك! ماذا ستظن بي الآن؟ كيف سأنظر في عينيها أو أتحدث إليها بعد هذه اللحظة المخزية؟ جعلتني أظهر بمظهرٍ رخيص ومحرج للغاية، وكأنني بلا كرامة ولا إرادة أمامك!" لم يتحرك لوسيان من فوقها، ولم ينزعج من ضرباتها المتتالية؛ بل تحمّل انفعالها بجمودٍ صلب وهدوءٍ مرعب تفيض به حدقتاه القاتمتان. وحين زادت حدة صراخها وشهقاتها، امتدت يده الكبيرة ليقبض بها على معصميها بحدة، يجمع كفيها المرتجفتين فوق صدره بالقوة، ليوقف حركة يديها ويجبرها عل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status