登入ضغطت بأصابع مرتجفة على زر الجرس، ونبضات قلبها تتسارع مع كل ثانية تمر. وبعد برهة قصيرة، فُتح الباب لتطل منه والدتها، وما إن رأتها حتى بادرتها بلهفة وعتاب خفيف: "إيه ده؟ جيتي بدري يعني؟ مش كنتِ قلتي لي الصبح إنك هتتأخري في الجامعة؟".
لم تكد الأم تُنهي جملتها حتى وقعت عيناها على الشاب الطويل الواقف بجوار ابنتها في الممر، فتبدلت ملامحها وتوجست ريبة، وسألت بنبرة حائرة: "مين ده يا ياسمين؟". أجابتها ياسمين بتوتر واضح محاولةً مداراة الموقف: "عدّيني بس يا ماما ندخل جوه وهفهمك كل حاجة..". وما إن بدأت تخطو أولى خطواتها نحو الداخل، حتى انزاح ذيل فستانها الطويل كاشفاً عن قدمها المغطاة بالجبس الأبيض. تيبست الأم في مكانها، وشخصت عيناها بصدمة، ثم أطلقت شهقة فزع مزقت سكون الشقة: "يا لهوي! إيه اللي حصل لرجلك؟! إيه ده يا بنتي!". أمسكت بيديها بلهفة وجنون، وأجلستها على أول مقعد في الصالون، وعلى وقع صرخات الأم المذعورة، هرع الأب من غرفته وعلامات القلق تكسو وجهه. في تلك الأثناء، قالت ياسمين بصوت مهتز ومتحشرج تحاول طمأنتهما: "اتفضل يا دكتور إسلام، ادخل جوه لو سمحت.. اهدي بس يا ماما أرجوكي، أنا كويسة والله والحمد لله جت سليمة". صاح الأب بنبرة هلع وعصبية: "كويسة إزاي والجبس مغطي رجلك؟! إيه اللي حصل ونزل بيكِ كده؟ مين الحمار اللي خبطك ده؟ أنا هوديه في داهية ومش هسيبه! تعالي بس أطمن عليكي الأول ونروح لدكتور كبير نشوف ماله الكسر ده..". وقاطعتها الأم بصوت باكٍ حانق: "لحقتي تاخدي نمرة العربية يا ياسمين؟ قولي لي إنك صورتيها!". وسط هذه العاصفة من الخوف والاهتمام، رفعت ياسمين يديها قائلة: "بابا.. ماما.. أرجوكم اهدوا شوية واسمعوني! أنا لسه جاية من المستشفى حالا وعملت الجبس، والدكتور إسلام واقف أهو، كتر ألف خيره هو اللي أسعفني بنفسه، ووداني المستشفى وجابني لحد هنا ومسابنيش لحظة واحدة.. اهدوا بقى علشان أقدر أتكلم". تنهد الأب بوجع وضيق، وتمتم: "الحمد لله على كل حال.. طب واللي خبطك ده اتمسك ولا هرب زي غيره؟". هنا نكست الأم ذراعيها والتفتت لزوجها قائلة بعتاب: "مش تشكر الجدع الأول يا أبو ياسمين على وقفته الشهمة دي مع بنتك، بدل ما إنت داخل وعمال تزعق كده؟". شعر الأب بالحرج وضرب كفاً بكف قائلًا: "عندك حق يا أم ياسمين، أنا آسف يا ابني فوتني الأصول.. بس اتلخمت واتفزعت لما شفت البنت ورجلها.. تشرب إيه يا دكتور؟". رد إسلام بنبرة خجولة وعينين مطأطأتين أرضاً: "لا ولا حاجة يا عمي، الشكر لله.. أنا اللي آسف والله العظيم..". نظرت إليه ياسمين بحذر، وحركت رأسها مشيرة إليه بكلتا عينيها ليصمت ولا يخبرهما بالحقيقة، لكن ضميره الحي دفعه لإكمال كلماته بلا خوف: "أنا.. أنا اللي خبطتها بالعربية يا عمي.. بس والله العظيم..." لم يمهله الأب ليكمل جملته أو يبرر ما حدث؛ إذ اندفعت الدماء في عروقه بغضب عارم، واقترب منه بسرعة خاطفة ليمسك بياقة قميصه بكلتا يديه، وصاح في وجهه بعيون تشتعل شرراً: "أنت؟! أنت اللي خبطتها وجايلك عين لحد هنا تقف في بيتي وتكلمني بكل بجاحة؟! ده أنا مش هسيبك..". وقبل أن يتطور الأمر وتتحول ثورة الغضب إلى تشابك بالأيدي، صرخت ياسمين بدموع منحبسة وصوت قاطع: "استنى يا بابا! على الأقل الأستاذ وقف، وشالني ووداني المستشفى، وجابني لحد هنا بنفسه.. وحي الله هي رجل مكسورة وكسر بسيط، مسبنيش مرمية في دمائي وهرب! هتعاقبه هو؟! إذا كان اللي سابني مرمية زمان لما اتعرف في المحضر ومجاش عليه حكم يتعاقب.. وده ضيع رجلي خالص وخلاها حتة حديد، وضيع معاها روح بني آدمة تانية وكسر حياتنا!". سقطت الكلمات كالصاعقة على قلب الأب، وتجمدت يداه فوق ياقة إسلام. نزلت الدموع حارة من عيني أب يعتصر قلبه العجز وقلة الحيلة، فترك إسلام ببطء والندم ينهشه، وذهب نحو ابنته ياسمين، وجثا عند قدميها وضمها إلى صدره بقوة وهو يبكي بنشيج مرير: "حقك عليا يا بنتي.. حقك على عيني ورأسي.. أنا عارف إني معرفتش أرجعلك حقك زمان، بس أنتِ عارفة ومقدرة إنه مكنش بإيدي يا ياسمين.. القانون والورق خذلونا يابنتي..". مسحت ياسمين دموع أبيها بيديها وقالت بنبرة حنونة: "متزعلش يا بابا ومتحملش نفسك فوق طاقتها، ده نصيب وقدر ومكتوب لنا من زمان.. أنا بس بعرفك إن في فرق بين الناس.. وعلی فكرة، أنا اللي غلطانة النهاردة، الكتاب وقع مني وجيت قدام عربيته فجأة وهو ملحقش يقف". في هذه الأجواء المشحونة بالحزن والدموع، تنحنح إسلام بحرج كبير، وشعر برغبة عارمة في تقديم أي شيء يكفر به عن ذنبه، فقال بصوت صادق: "أنا آسف مرة تانية يا عمي، وعارف ومقدر إن أسفي مش هيفيد بحاجة قصاد الوجع ده.. بس أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا علشان أصلح غلطتي.. أنا دكتور هنا في المستشفى ومستعد أتابع معاها الحالة والعلاج الطبيعي خطوة بخطوة، وأوديها وأجيبها كل يوم لعربيتي لأي مكان تحب تروحه لحد ما تخف تماماً ورجلها تفك الجبس". قاطعته ياسمين بنبرة خجولة ورافضة: "مفيش داعي لكل ده يا دكتور، أنا..". لكن الأب قاطعها فجأة ملتفتاً إلى إسلام: "متشكرين لحد كده يا ابني، كتر خيرك لحد هنا ومقصرتش". نظر إليه إسلام برجاء حار تلمع به عيناه: "صدقني يا عمي.. أنا مش هيرتاح لي بال ولا هعرف أنام غير لو عملت كده، وده الشيء الوحيد اللي هيحسسني إنكم بجد سامحتوني من قلبكم.. أرجوك وافق". صمت الأب لبرهة، وتبادل مع زوجته نظرات طويلة ومترددة حائرة، ثم تنهد وقال: "خلاص يا ابني.. أنا موافق تتابع معاها الحالة وتوصلها الجامعة وتجيبها، بس لحد ما تخف وبس عشان منتقلش عليك.. ودا لسبب واحد؛ إني مضطر أسافر الأسبوع الجاي تبع الشغل بره المحافظة، ومكنتش هبقى مطمن عليها تروح وتيجي في مواصلات متبهدلة وهي بالحالة دي..".أخرج إسلام هاتفه من جيبه بنوع من الارتياح، ودَوّن رقم هاتفها بعناية، ثم سألها بنبرة هادئة عن موعد خروجها ومحاضراتها في اليوم التالي ليكون أمام منزلها في الوقت المحدد، وبعد أن ودّع والديها بكل احترام، استأذن وانصرف. دلت ياسمين إلى غرفتها وهي تجر قدمها المصابة بثقل وألم ينهش جسدها؛ تنهدت بتعب وهي تبدل ملابسها بصعوبة، ثم ارتمت على سريرها، مغلقة عينيها في محاولة مستميتة للنوم والهروب من الأفكار الصاخبة التي باتت تملأ رأسها منذ تلك الصدفة الصباحية. وفي الجانب الآخر من المدينة، فُتح باب منزل دافئ، ودلف منه إسلام والإنهاك يرتسم على كل ملامحه. جلس على أقرب مقعد قابله في الصالة، وأرجع رأسه إلى الخلف مغمض العينين بتعب شديد؛ فقد كانت نهاراً طويلاً مشحوناً بالمشاعر المتقلبة. أتت من خلفه بخطوات مرحة وخفيفة فتاة في مقتبل العمر، وقالت بنبرة يملؤها القلق: "تأخرت كده ليه يا أبيه؟ أنا قلقت عليك جداً النهاردة!". التفت إليها إسلام وارتسمت على وجهه ابتسامة حانية تمحو تعبه، وقال: "متقلقيش يا حبيبتي، أنا كويس والحمد لله.. قولي لي، نازلة إمتى؟". أجابت بلهفة وهي تنظر إلى ساعة الحائط: "عندي درس دلوقتي حالا يا أبيه".غلبها النعاس أخيراً بعد ليلة شاقة، لينتشلها من بحر ذكرياتها المظلمة وتستسلم لراحة قصيرة يفتقدها جسدها المتعب... بعد العصر بساعه، استيقظ إسلام من نومه بنشاط، توجه نحو الحمام حيث توضأ وصلى فرضه بيقين وهدوء. بعد ذلك، دلف إلى المطبخ وبدأ في تحضير الغداء؛ صنع المعكرونة والدجاج المقرمش (البانيه)، فهي الوجبة الأسهل والأسرع التي أتقن طهوها منذ وفاة والدته -رحمها الله-. فمنذ ذلك اليوم الحزين، وجد نفسه فجأة المسؤول الأول والأخير عن شقيقته الصغيرة "ملك". نسى إسلام تماماً طعم الوجبات البيئية الدافئة؛ إلا في حالات نادرة عندما تزورهم إحدى خالاته، أو تحن عليه شقيقته الكبرى وتعود إلى مصر في إجازة. لكنها منذ أن تزوجت وسافرت مع زوجها للخارج، أصبحت زياراتها نادرة، لا تتعدى المرة الواحدة كل عام، وها هو العام الثاني يمر دون أن تأتي، متحججة بالظروف وصعوبة السفر. كثيراً ما كان يكلمه عمه في أمر الزواج، يلح عليه لكي يجد زوجة صالحة تؤنس وحدته وتساعده في حمل مسؤولية البيت، لكنه كان يرفض دائماً وبشدة؛ فهو لا يريد الزواج لمجرد الهروب من المسؤولية أو للبحث عن طاهية وخادمة، بل كان يؤمن أنه لابد أن يجد شريكة حيا
نهض إسلام من مقعده مستجمعاً بقايا قوته وقال: "طب يلا يا ملك، اجهزي بسرعة علشان أوصلك في طريقي". نظرت إليه ملك بدهشة وإشفاق على حاله وقالت: "هتنزل تاني دلوقتي يا أبيه وأنت لسه راجع حالا من بره وما ارتحتش؟! ارتاح أنت وأنا هروح مع مروة صاحبتي، هي مستنياني بره". رد إسلام بنبرة صارمة لا تقبل النقاش، لكنها مغلفة بالخوف الأبوي عليها: "ملك.. يلا قلت، اجهزي فوراً، أنا هروح أغسل وشي وجاي وراكِ على طول". أذعنت ملك لطلب شقيقها وقالت باحترام: "حاضر يا أبيه". فعلت ملك مثلما طلب منها ونزلت بصحبته، وبعد نصف ساعة من القيادة وسط شوارع المدينة، وصلا أخيراً وتوقفت السيارة أمام مركز الدروس (السنتر). التفت إسلام إلى شقيقته، وتلاشت صرامته لتحل محلها نبرة دافئة وقال: "ملوكة.. متزعليش مني ومن تحكماتي، بس أنتِ عارفة أنا بخاف عليكي قد إيه يا حبيبتي الدنيا مبقتش أمان.. أول ما تخلصي كلميني فوراً وهجيلك في ثواني، أوعي ترجعي لوحدك، ماشي؟". ابتسمت له ملك بامتنان ودفء وقالت: "حاضر يا أبيه، متقلقش". ترجلت من السيارة، وظل إسلام يتابعها بنظراته القلقة والمليئة بالمسؤولية إلى أن اختفت تماماً بالداخل ودخلت مبن
ضغطت بأصابع مرتجفة على زر الجرس، ونبضات قلبها تتسارع مع كل ثانية تمر. وبعد برهة قصيرة، فُتح الباب لتطل منه والدتها، وما إن رأتها حتى بادرتها بلهفة وعتاب خفيف: "إيه ده؟ جيتي بدري يعني؟ مش كنتِ قلتي لي الصبح إنك هتتأخري في الجامعة؟". لم تكد الأم تُنهي جملتها حتى وقعت عيناها على الشاب الطويل الواقف بجوار ابنتها في الممر، فتبدلت ملامحها وتوجست ريبة، وسألت بنبرة حائرة: "مين ده يا ياسمين؟". أجابتها ياسمين بتوتر واضح محاولةً مداراة الموقف: "عدّيني بس يا ماما ندخل جوه وهفهمك كل حاجة..". وما إن بدأت تخطو أولى خطواتها نحو الداخل، حتى انزاح ذيل فستانها الطويل كاشفاً عن قدمها المغطاة بالجبس الأبيض. تيبست الأم في مكانها، وشخصت عيناها بصدمة، ثم أطلقت شهقة فزع مزقت سكون الشقة: "يا لهوي! إيه اللي حصل لرجلك؟! إيه ده يا بنتي!". أمسكت بيديها بلهفة وجنون، وأجلستها على أول مقعد في الصالون، وعلى وقع صرخات الأم المذعورة، هرع الأب من غرفته وعلامات القلق تكسو وجهه. في تلك الأثناء، قالت ياسمين بصوت مهتز ومتحشرج تحاول طمأنتهما: "اتفضل يا دكتور إسلام، ادخل جوه لو سمحت.. اهدي بس يا ماما أرجوكي، أنا كويسة
ردت نهاد وهي تشعر ببعض التعب: "روحوا أنتوا هاتو الأكل، وأنا هستناكم هنا في المكان ده مش هتحرك". أمسكت ياسمين بيد نهلة وقالت بحماس: "يلا بينا!". ذهبا مسرعتين وأحضرا الطعام والضحكات لا تفارق وجوههما. وعند عودتهما، لمحتا نهاد على الطرف الآخر من الطريق وهي تشير إليهما بسعادة بالغة حثاً لهما على العبور. أمسكت ياسمين يد نهلة بمرح وطفولية، ونظرت إلى الشارع قائلة: "الطريق فاضي.. يلا بسرعة نعدي!". وفي جزء من الثانية، ومن حيث لا يحتسب أحد، ظهرت سيارة مسرعة جنونية من العدم، شقت صمت الشارع وهي تنطلق بأقصى سرعتها. وقبل أن تستوعبا ما يحدث، صدمتهما السيارة بكل قوة وعنف. وبفعل قوة الارتطام، طارت ياسمين عالياً في الهواء لتسقط على الأرض جثة خامدة والدماء تسيل منها، أما نهلة، فقد دفعتها الصدمة الأولى لتسقط إلى الأمام مباشرة تحت عجلات السيارة، ليقوم السائق بدهسها مرة أخرى بوحشية وهو يهرب مسرعاً بالسيارة دون رحمة. انطلقت صرخات نهاد الممزقة للقلب وهي تنادي عليهما بأعلى صوتها، وركضت نحوهما والدموع تعمي عينيها، اقتربت من جسديهما الغارقين في الدماء وهي تصرخ وتبكي بهستيرية، ولم يتحمل عقلها بشاعة الم
في ساعات الصباح الأولى، والأيام تلفظ أنفاسها الأخيرة من فصل الشتاء البارد، كانت تمشي في رصيف الشارع بخطوات وئيدة، يشوبها عرج خفيف تحاول جاهدة أن تخفيه عن أعين المارين كبرياءً وخجلاً. كانت تضم إلى صدرها كتبها الجامعية كمن يتمسك بأمانه الوحيد، بينما يداعب الهواء العليل ذيل فستانها الطويل ويطيره بخفة، لتمسكه بأصابع مرتجفة واستحياء، محاولة السيطرة عليه وسط زحام الشارع وموجات الصباح الباردة. وصلت إلى حافة الرصيف، وكان عليها أن تعبر إلى الطرف الآخر من الطريق؛ تلك اللحظة بالذات هي أكثر ما تخشاه دائماً، حيث تبدو السيارات كوحوش معدنية لا ترحم. وقفت لبرهة، استجمعت شجاعتها المحتبسة في صدرها، وتلت الشهادتين بصوت خافت وقلب ينبض رعباً، ثم بدأت في السير. وفجأة، في منتصف الطريق، انفلت أحد كتبها من يديها ليسقط أرضاً. انحنت بلهفة ومدت يدها المرتجفة لتلتقطه، وفي تلك اللحظة الخاطفة، دَوَّى صوت محرك سيارة يقترب بسرعة جنونية، تبعه صرير حاد وقاسٍ لكبح الفرامل. تزلزل العالم من حولها، وبفعل الصدمة والرعب، لم تحتمل أنفاسها فسقطت مغشياً عليها قبل أن تلامسها السيارة، لتغرق في ظلام دامس. نزل السائق من سيارته







