เข้าสู่ระบบحاولتُ أن أركز على حديث آسر وأنا أسير إلى جانبه، لكن إحساسي الغريب في الممر ظل يرافقني.
لم أكن أملك سبباً منطقيًا لذلك الشعور، ولم أرد أن أفسد الزيارة بالتوقف عند أمر عابر لم أفهمه حتى أنا. لذلك تركتُ الأمر جانباً، وتابعتُ السير معه. فتح آسر باباً في نهاية الممر، ثم تنحّى قليلاً ليسمح لي بالدخول أولاً. ـ وهذه هي مساحتي الخاصة. دخلتُ بفضول، فوجدتُ جناحاً واسعاً يجمع بين غرفة جلوس صغيرة ومكتب تحيط به رفوف الكتب، بالإضافة إلى مطبخ صغيروصلتُ إلى عنوان الورشة قبل الموعد بعشر دقائق. لم يكن العنوان بعيداً عن المعرض، لكنه كان مبنى قديماً من طابقين، بابه خشبي كبير، وفوقه لافتة صغيرة كُتب عليها بخط اليد: «مرسم الضوء». دفعتُ الباب. كان أثقل مما توقعت. وفي الداخل، كانت الرائحة مختلفة؛ ليست رائحة طلاء المعرض، بل رائحة خشب وورق وقهوة. الأرضية بدت تصدر صوتاً خفيفاً عند كل خطوة، والجدران بيضاء لكنها ليست فارغة، وعليها بقع ألوان صغيرة كأن أحداً ما نفض فرشاته هناك وهو يضحك. لم يكن هناك مكتب استقبال، بل كانت هناك غرفة كبيرة مفتوحة، وفي وسطها طاولات طويلة، وفوق كل طاولة لوح رسم فارغ. والضوء هنا لم يكن هادئاً مثل ضوء المعرض، بل كان ضوءاً أبيض قوياً يأتي من نافذة كبيرة، ويقع مباشرة على الطاولات. كنت أنظر إلى النافذة عندما سمعت صوتاً: ـ جئتِ مبكراً. التفتُّ فرأيتها تقف عند الباب الجانبي الصغير تحمل كوبين من القهوة. بدت في الثلاثينات تقريباً، شعرها قصير ومربوط إلى الخلف بشكل عشوائي، وترتدي قميص
كنت أبحث عن الجبنة في الدرج السفلي من الثلاجة، عندما سمعت صوتاً خلفي. ـ ماذا تحضرين؟ التفتّ بسرعة. كانت يدي لا تزال داخل الدرج، ورأسي نصف مائل إلى الخلف. رأيتها؛ كانت أمي تقف عند مدخل المطبخ. لم تكن ترتدي ملابس الخروج، شعرها مربوط بسرعة، وبدت متعبة كعادتها في الأيام الأخيرة. فمنذ ليلة الصالة، ونحن نتعامل كأن شيئاً لم يحدث؛ هي تتظاهر، وأنا كنت أتظاهر أيضاً. لم أتوقع أن تدخل وتتحدث معي، لذلك تأخرت لحظة قبل أن أجيب. ـ أحاول إعداد وجبة خفيفة. اقتربت من الطاولة ونظرت إلى ما أعددته؛ خبز، جبن أبيض، طماطم، وخيار. أشياء بسيطة وضعتها فوق بعضها بدون ترتيب. ـ هل ستأكلين هذا وحده؟ ـ نعم، لا أريد إعداد شيء يحتاج إلى وقت طويل. أشارت إلى المقلاة التي وضعتها على الموقد دون أن أشعل النار تحتها. ـ يمكنكِ إضافة قليل من الزيت إلى الجبن، سيكون طعمه أفضل. نظرت إليها، ثم إلى المقلاة. ـ فكرة جيدة.
ذهبتُ إلى المعرض في اليوم التالي، وكان المكان أكثر هدوءاً من المعتاد. لم تكن هناك مجموعة كبيرة من الزوار، ربما بسبب يوم الجمعة. بدأت الموظفة عند المدخل تعرفني الآن، وتبتسم لي دون أن تسأل عن التذكرة. في الداخل توقفتُ أمام مجموعة من ثلاث لوحات معلقة على الجدار نفسه، في القاعة الصغيرة التي أحبها لأن ضوءها هادئ. كانت الأولى تصور منزلاً قديماً تحيط به الأشجار، مليئة بالتفاصيل، وكل ورقة مرسومة بعناية. والثانية لامرأة تجلس قرب نافذة مفتوحة، لا يظهر وجهها، فقط ظهرها ويدها على حافة النافذة، والضوء يدخل ويصل إلى طرف المقعد الخشبي. أما الثالثة فكانت لمنظر طبيعي تغطيه ألوان الغروب، جميلة لكنها تشبه بطاقة بريدية. أعجبتني اللوحة الثانية أكثر من غيرها. لم يكن فيها شيء لافت للوهلة الأولى، لكن الضوء الذي يدخل من النافذة جعلني أقف وأسأل نفسي: لماذا يجلس أحد قرب نافذة مفتوحة دون أن ينظر إلى الخارج؟ ـ اخترتِ هذه؟ التفتُّ، فوجدت ريان يقف على مسافة قريبة مني. لم أسمع خ
كان ضوء الشمس يميل إلى الغروب حين خرجت مع آسر إلى حديقة المدينة. اقترح أن نقضي بعض الوقت في الخارج بدلاً من البقاء في المنزل، فوافقت دون تردد. كنت قد أمضيت جزءاً من اليوم في المنزل، ولم أكن أرغب في إنهاء يومي بالطريقة نفسها. ولا يزال صوت بكاء أمي من الليلة الماضية عالقاً في أذني، حتى لو تظاهرت هي اليوم بأن شيئاً لم يكن. جلسنا على المقعد الخشبي القريب من الأشجار، ووضع آسر كوبين من الشاي على الطاولة الصغيرة أمامنا. نفس الكوبين اللذين نستخدمهما دائماً، كوبه الأزرق وكوبي الأبيض الذي اشتراه لي في عيد ميلادي الماضي. ـ يبدو أنكِ كنتِ بحاجة إلى الخروج. نظرت إليه وأنا أمسك بيده الدافئة، كالعادة. آسر دائماً دافئ، حتى في الأيام الباردة. ـ أشعر أن أيامي أصبحت مزدحمة قليلاً. ـ مزدحمة بالأمور الجيدة أم المزعجة؟ ـ بعضها جيد، وبعضها لا أعرف ماذا. قالها ولم يسألني مباشرة عمّا أقصده. هذه هي طريقته. يترك لي مساحتي الخاصة، ولا يسحب الكلام مني.
لا أعرف إن كانت دخلت زقاقاً، أو توقفت خلف سيارة، أو أنني تخيلت الأمر كله من شدة توتري. بقيت أنظر إلى الشارع حتى ابتعدت السيارة واختفى عن نظري. كانت أنفاسي سريعة وأنا أمسك بحزام حقيبتي بقوة. أسندت ظهري إلى المقعد وحاولت أن أتنفس بهدوء. ربما كانت امرأة عائدة إلى بيتها مثلي، وصادف أن طريقنا واحد. وربما أنا من بالغت. لكن يدي بقيت ترتجف طوال الطريق، والشعور المزعج لم يفارقني حتى وصلت. وصلت إلى المنزل وأغلقت الباب خلفي بقوة أكثر من المعتاد. وضعت حقيبتي جانباً وأخذت نفساً عميقاً. كنت أحتاج إلى دقيقة واحدة فقط لأهدأ. توقعت أن أجد المكان هادئاً كالعادة. لكنه لم يكن الهدوء المعتاد. كان هناك صوت خافت يأتي من الصالة، صوت متقطع، يشبه صوت شخص يحاول كتم صوته حتى لا يسمعه أحد. توقفت في مكاني. وأنصتُّ. الصوت يأتي من الصالة. اتجهت نحوها بخطوات هادئة. كنت لا أزال متوترة بسبب ما حدث في الشارع، وكلما سمعت صوتاً خافتاً
لم ألاحظها في البداية. كنت أسير في الشارع المؤدي إلى المنزل بعد خروجي من المعرض، أفكر في اللوحة وفي تلك الجملة التي كتبتها في دفتري. لم أكن أشعر بالتعب، ففضلت أن أمشي بهدوء. الهواء كان بارداً والشوارع بدت فارغة. قررت أن أستمتع بتلك الدقائق التي أكون فيها وحدي، دون أن أضطر لشرح أي شيء لأحد. تذكرت حديثي مع ريان في المعرض، والطريقة التي جعلني بها أنظر إلى اللوحات من زاوية مختلفة. أخرجت دفتري من حقيبتي للحظة، وفتحته على الصفحة التي كتبت فيها جملتي، ثم قرأتها مرة أخرى. ابتسمت ابتسامة خفيفة، وأعدت الدفتر إلى مكانه. لم أكن أريد التفكير في كل شيء دفعة واحدة. كان يكفيني أن أستمتع بالطريق وأصل إلى المنزل دون أن يشغلني شيء. لكن بعد بضع دقائق، شعرت أن هناك خطوات تتكرر خلفي. في البداية لم أهتم. من الطبيعي أن يسير أشخاص آخرون في الشارع نفسه، والصدى في هذا الحي يجعل أي صوت يبدو أقرب مما هو عليه. فتابعت طريقي حتى وصلت إلى مفترق صغير وغيرت اتجاهي نحو ا







