Share

part 13

Aвтор: رنا خميس
last update publish date: 2026-06-05 01:24:26

كأن جسدها اختار قبل عقلها، وفي نفس اللحظة تحرك هو، فتح عينيه ببطء، ولأول ثانية لم يفهم، ثم رآها، قريبة، في حضنه، كما كانت، لكن هذه المرة كلاهما مستيقظ، تجمّد، عيناه التقتا بعينيها، صمت، طويل، ثقل اللحظة كان

واضحًا، لا أحد يتكلم، ولا أحد يتحرك، فقط ينظران، ثم لاحظ أنها لم تبتعد، لم تحاول حتى، بل كانت ما زالت قريبة، بهدوء، كأنها اختارت، وهذا كان جديدًا، نظره إليها تغيّر، أعمق، أهدأ، فيه سؤال،

وفيه شيء آخر لم يسمّه، قال أخيرًا: “صباح الخير”،

صوته كان منخفضًا، قريبًا، كأنه لا يريد أن يكسر الجو،

قالت وردت بعد لحظة: “صباح النور”، بنفس الهدوء

، لكن صوتها لم يكن ثابتًا تمامًا، ثم عاد الصمت، لكنه لم يكن مزعجًا، بل ممتلئ بأشياء لم تُقال، في الخارج صوت أحد العمال ارتفع، قال:

“باشمهندس! محتاجينك هنا”،

كأن الواقع قرر أن يذكّرهم بنفسه، رمش ياسر ببطء، ثم نظر نحو الباب، ثم عاد إليها، ترددت، للحظة، ثم ابتعدت، ببطء، كأنها تُجبر نفسها، لكن لم تنظر بعيدًا، بل ظلت عينيها عليه، وهو أيضًا لم يبعد نظره، لكن هذه المرة لم يكن هناك إنكار،

ولا هروب، فقط إدراك أن شيئًا ما قد بدأ، دون إذن،

ودون اتفاق، لكنه لن يتوقف بسهولة، لم يكن التغيير واضحًا لهما بقدر ما كان واضحًا لمن يراقب من الخارج، فالأشياء الصغيرة التي يظن الإنسان أنه يخفيها بسهولة، تكون في الحقيقة أكثر ما يفضحه حين ينظر إليه شخص لا يعيش داخل تلك المشاعر بل يراها فقط،

كانت مروى تقف على مسافة مناسبة من موقع العمل، تحمل ملفًا بين يديها وتبدو منشغلة بمراجعة بعض التفاصيل، لكن عينيها لم تكن ثابتة على الأوراق بقدر ما كانت تتحرك بين حين وآخر نحوهما، تراقب دون أن تقترب

، وتفهم دون أن تُسأل، لم يكن بين ياسر وليلى أي تصرف صريح يمكن أن يُؤخذ عليهما، لم يكن هناك حديث طويل أو ضحك مرتفع أو اقتراب واضح، لكن المسافة التي كانت تفصل بينهما قد اختفت، لم يعودا يقفان في طرفين متباعدين كما في الأيام الأولى،

لم يعد كل منهما يتحرك وكأن الآخر غير موجود، بل أصبح وجودهما في نفس المكان أمرًا طبيعيًا، بل متكررًا، يقفان جنبًا إلى جنب أثناء متابعة العمل، يتبادلان كلمات قليلة، نظرات أسرع مما ينبغي، وابتسامات خفيفة تختفي

قبل أن تكتمل، وكأن كل شيء يحدث في لحظة عابرة لا تستحق التوقف، لكنها بالنسبة لمروى كانت واضحة حد الإزعاج، كانت ترى كيف ينظر إليها حين تتحدث مع العمال، وكاف تلتفت هي نحوه دون وعي

كلما أنهى جملة، كانت ترى ذلك التوافق الصامت الذي لا يحتاج إلى تفسير، وكانت تدرك أن ما بينهما بدأ يتغير، حتى لو لم يعترف أي منهما بذلك بعد، شعرت بشيء ينقبض داخلها، ليس غضبًا صريحًا، بل إحساس خافت بأنها تقف خارج مشهد لم تعد تملك مكانًا فيه، ورغم محاولتها التركيز في عملها،

عادت عيناها إليهما مرة أخرى دون إرادة، لتلتقط تلك اللحظة الصغيرة حين التفت ياسر إلى ليلى بعد حديثه مع أحد العمال، نظر إليها نظرة قصيرة لكنها كانت كافية، فردّت عليه بنظرة مماثلة، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة لم تدم أكثر من ثانية، لكنها تركت أثرًا واضحًا،

في تلك اللحظة تحديدًا، توقفت سيارة عند مدخل الموقع، صوتها لم يكن غريبًا لكن توقيتها كان كافيًا ليكسر ذلك الإيقاع الهادئ، فالتفتت الأنظار بشكل تلقائي، ونزل منها شاب بدا وكأنه يعرف المكان جيدًا، يتحرك فيه بثقة من اعتاد عليه

، وعيناه تبحثان عن شيء محدد حتى وقعت عليهما، توقف في مكانه لثوانٍ، كأنه لم يصدق ما يراه، ثم قال ونطق الاسم بصوت واضح يحمل دهشة لم يحاول إخفاءها، فالتفت ياسر نحوه، وتغيرت ملامحه هو الآخر فور أن تعرف عليه، اقتربا من بعضهما بسرعة، تصافحا، لكن تلك اللحظة لم تكن كافية لإخفاء الصدمة التي ظهرت على وجه مراد حين انتقلت عيناه إلى ليلى،

وقف ينظر إليها طويلًا وكأنه يعيد ترتيب صورة قديمة في ذهنه مع واقع جديد لم يكن مستعدًا له، ألقت عليه التحية بهدوء،

لكنها كانت تشعر بنظراته، تلك النظرات التي تحمل شيئًا أقدم من مجرد معرفة عابرة، بينما كان هو ينظر بينهما، مرة إلى ياسر ومرة إليها،

وكأن عقله يرفض الربط بينهما في جملة واحدة، حين

قال ياسر ببساطة فجاه

" بارك لنا انا وليلي اتجوزنا "

متزوجان، لم تكن الكلمة عادية، خرجت منه بنبرة ثابتة لكنها حملت شيئًا آخر، شيء يشبه الفخر غير المعلن،

كأنه لا يكتفي بإخبار مراد بالحقيقة، بل يضعها أمامه بشكل لا يقبل الشك، في تلك اللحظة شعرت ليلى بشيء مختلف تمامًا، لم يكن مجرد إحراج أو دهشة، بل إحساس دافئ ومفاجئ في آنٍ واحد، كأن تلك الكلمة حين خرجت منه أمام شخص من ماضيها لم تعد مجرد حقيقة رسمية، بل أصبحت اعترافًا حيًا،

واضحًا، له وزن ومعنى، شعرت بأن قلبها يدق أسرع دون سبب منطقي، وكأنها تسمع تلك الجملة لأول مرة رغم أنه قالها من قبل،

لكن ما أربكها أكثر لم يكن الكلمة نفسها، بل ما حدث بعدها، حين اقترب ياسر خطوة دون وعي واضح، ومد يده ليمسك يدها، لم يكن الإمساك قويًا أو ملفتًا، بل هادئًا، طبيعيًا في ظاهره، لكن إحساسه كان مختلفًا تمامًا، شعرت بحرارة يده، بثباتها،

وبذلك الضغط الخفيف الذي لا يمكن تفسيره إلا بشيء واحد، كأنه يثبت وجوده، يضع حدًا غير منطوق، كأنه يقول دون كلمات إنها تخصه، رفعت عينيها إليه للحظة، لم تنطق، لكنها رأت في نظرته شيئًا لم تره من قبل بهذه الصراحة، لم يكن مجرد هدوء أو تحكم، بل شيء أقرب إلى التملك الصامت، ليس قاسيًا، لكنه واضح بما يكفي ليجعل قلبها يضطرب أكثر، أما مراد فقد رأى كل ذلك،

لم يكن غافلًا، بل التقط التفاصيل كلها، من نبرة ياسر حين أعلن زواجهما، إلى تلك الحركة البسيطة حين أمسك يدها، وكانت تلك اللحظة كافية ليعيد إليه كل ما حاول تجاهله لسنوات، الأيام التي كان يقطع فيها المسافات فقط ليراها، اللحظات التي اكتفى فيها بنظرة من بعيد، والإحساس الذي لم يعترف به بشكل كامل لكنه لم يختفِ أيضًا، ابتسم، لكن ابتسامته لم تصل إلى عينيه،

كانت تحمل شيئًا من المرارة، وشيئًا من الدهشة، وكأنه يقف أمام احتمال لم يفكر فيه يومًا، أن تكون قريبة إلى هذا الحد،

لكنها ليست له، أما مروى فقد كانت تراقب كل ذلك من بعيد، ترى ما يحدث بوضوح أكبر مما يراه أصحاب المشهد أنفسهم، تدرك أن الأمر لم يعد مجرد توتر عابر أو بداية خفيفة، بل شيء يتشكل أمامها دون أن تملك القدرة على إيقافه، شعرت بثقل غريب في صدرها، ليس فقط بسبب ليلى، بل بسبب الطريقة التي تغيّر بها ياسر، ذلك الرجل الذي لم يمنحها يومًا نظرة مشابهة،

ولم يسمح لأي شعور أن يتسلل إلى طريقته، أصبح الآن يقف بهذا الوضوح، بهذه الحماية، بهذا القرب، وفي وسط كل ذلك استمر العمل من حولهم كأن شيئًا لم يحدث، لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، فبين نظرة وأخرى، وبين كلمة وأخرى، كان هناك شيء يتغيّر بصمت،

شيء بدأ يخرج للنور رغم كل محاولات الإخفاء، شيء لم يعد يمكن إنكاره بسهولة، وكان الجميع كلٌ بطريقته يشعر به.

Продолжить чтение
Scan code to download App

Latest chapter

  • عاشقان المدينه    part 31

    ظلت ليلى مقتربة منه، تنهل من حضنه السكينة التي فقدتها طوال أيام الكارثة، وكانت أنفاس ياسر تضرب وجهها ببطء، مختلطة برائحة المعقمات الطبية التي نفاذها لم يعد يزعجها، بل على العكس، أصبحت تلك الرائحة هي عنوان نجاته وبقائه. كانت يدها لا تزال ممسكة بطرف قميص المشفى الخاص به، وكأنها تخشى أن تفتح عينيها فتكتشف أن كل هذا كان حلماً جميلاً في ليلة كابوسية، بينما كان ياسر يستشعر في تلامسهما دفئاً خاصاً، دفئاً لم يعرف قيمته الحقيقية إلا حينما لامس الموت أعتاب حياته، ووجد نفسه وحيداً تحت ركام من الأسمنت والحديد الذي لم يكن ليأبه لشيء سوى كبريائه.مرت الدقائق في صمت مشوب بالخشوعقطعته فقط حركة الطبيب المناوب الذي دخل الغرفة ليطمئن على العلامات الحيوية، فتنحت ليلى جانباً ببطء، لكنها لم تترك يده السليمه، بل ظلت متمسكة بها بقوة، تراقب الطبيب وهو يفحص الجبس الذي يغلف ساقي ياسر وذراعه اليمنى. كان ياسر يبتسم ابتسامة واهنة للطبيب، بينما كانت نظراته تلاحق ليلى، تلمس وجهها الذي بدأ يستعيد بعضاً من لونه بعد أن انقشعت غيوم الخوف لاحظ الطبيب ذلك الترابط القوي بينهما، فابتسم بدوره وقبل قال بنبرة مشجعة "ا

  • عاشقان المدينه    part 30

    بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعيه تدريجياً، تحركت جفونه ببطء وثقل شديد، وشعر بآلام مبرحة تنهش كل إنش في جسده المتصلب، وكأن أطناناً من الأسمنت لا تزال تجثم فوق أطرافه المقيدة بالجبس الأبيض السميك، فتح ياسر عينيه أخيراً، محاولاً التغلب على غشاوة البنج التي كانت تشوش رؤيته، والتفت برأسه المجهد نحو الجانب الأيسر ليتفحص المكان من حوله.وفي تلك اللحظة بالذات، انقبض قلبه بشدة وتوقفت أنفاسه لثوانٍ وهو يرى ليلى بجانبه، كانت تجلس على مقعد خشبي منخفض، وقد أسندت رأسها المتعب على حافة الفراش الطبي بالقرب من يده السليمة، كانت مغمضة عيناها في نوم عميق أملته عليها ساعات الخوف والإنهاك الطويلة، ولكن الشحوب الشديد كان يظهر على وجهها بوضوح كاشف، وهالات التعب السوداء التي تحيط بعينيها كانت تحكي دون كلمات حجم الرعب والوجع الذي عاشته في الساعا

  • عاشقان المدينه    part 29

    مرّت الساعات تحت الركام وكأنها دهور جافة استنزفت كل قطرة أمل في قلوب الحاضرين، لان كل دقيقه كانت بمثابه خنجر حاد يطعن ليلي آلاف المرات فكانت ليلى تجثو على ركبتيها وسط الغبار والحديد الملتوي، لا تشعر بألم ساقيها ولا بخشونة الأرض التي كانت تغرز نفسها في جلدها، وكأن جسدها كله فقد الإحساس إلا من ذلك القلب المرتجف داخل صدرها.أو كأنها تعاقب نفسها بأن تتألم مثله كانت تتنفس الأتربة دون وعي وهي تراقب رجال الإنقاذ الذين يعملون بلا توقف، يرفعون الكتل الخرسانية الثقيلة بحذر شديد خشية حدوث انهيارٍ جديد، فيما كانت أصوات المعدات تختلط بصيحات العمال وصفارات سيارات الإسعاف المتوقفة حول الموقع. وهي وحيده وحيده جدا وخائفه بشكل لا تعرف كيف توصيفه كل ما تريده الان هو ياسر..ياسر وفقط لم تعد ليلى تعرف كم من الوقت مرّ منذ وقوع الحادث، دقائق أم ساعات أم عمرٌ كامل. كل ما كانت تعرفه أنها لم تغادر مكانها لحظة واحدة، وأن عينيها ظلتا معلقتين بتلك الفجوة المظلمة التي ابتلعت ياسر أمامها. كانت تتشبث بأمل ضئيل، هش كخيط عنكبوت، لكنها رفضت التخلي عنه مهما بدا مستحيلاً.وفجأة، تعالت صيحات العمال العالية، وتبعته

  • عاشقان المدينه    part 28

    بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب الصامتة تحت وطأة قرار انتحاري اتخذه ياسر بكامل إرادته وكبريائه الجريح، فبعد مغادرة ليلى العاصفة للموقع في اليوم السابق، لم يعد يرى أمامه سوى هدف واحد: إثبات أنه السيد المطاع في أرض العمل، وأن كلمته لا يمكن أن تكسرها امرأة استعانت بخصمه القديم لتذله، وفي صباح اليوم التالي، اتخذ ياسر خطوته الأكثر جرأة وعناداً، وبدأ في تنفيذ الصب دون رجوع لأحد، متجاهلاً تماماً المخططات المعدلة لليلى، ومضرباً بعرض الحائط كل تقارير السلامة المهنية التي تركها مراد على مكتبه، جمع المعلم صابر والعمال في ساعة مبكرة جداً من الفجر، وقبل قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش وعيناه تشعان بنيران التحدي الأعمى "يا رجالة، مفيش تعطيل للصب النهارده، الخرسانة هتنزل في المسار الشرقي فوراً، وأي حد يسألكم من الإدارة قولوا الباشمهندس ياسر هو اللي أمر وهو اللي واقف بيشرف بنفسه" حاول المعلم صابر أن يبدي بعض التردد، ونظر إلى التشققات الخفيفة في التربة الجانبية وقبل قال بنبرة قلقة "بس يا باشمهندس، المدام ليلى والباشمهندس مراد قالوا إن التربة هنا محتاجة تدعيم بالخوازيق الأول قبل الصب عشان متتحر

  • عاشقان المدينه    part 27

    نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد هنا عشان يكسرني، ودلوقتي لما الموضوع كبر ووصل للأهل وجاي يخرب كل حاجة، جاية تشتكي؟ أنا مش هراجع قراري، والحفر هيستمر في المكان اللي أنا عاوزه، وخلي مراد بتاعك يوريني هيعمل إيه"التفت ياسر وغادر المكان بخطوات سريعة متجهاً نحو مكتبه، وتبعتْه مروى بابتسامة انتصار خبيثة تركت ليلى واقفة بمفردها وسط الأتربة وصوت الحفارات التي بدأت بالعمل بناءً على أوامر ياسر الصارمة، نظرت ليلى إلى الأرض، وتشجعت بداخلها رغبة قوية في الانسحاب، لكن كبرياءها الأنثوي والمهني كان يمنعها، التفتت لتجد مراد يقف بجانبها ويبتسم بنبرة غريبة وقبل قال "متزعليش يا ليلى، هو اللي بيخسر نفسه وشغله بعناده ده، وإحنا الكسبانين في النهاية" وهنا نظرت إليه ليلى بنفور تام، وتأكدت أن مراد بات عبئاً ثقيلاً على قلبها، وأن معركة إثبات الذا

  • عاشقان المدينه    part 26

    استيقظت ليلى في الصباح التالي وثقل العالم كله يجثم فوق صدرها، كانت ساعات الليل الماضية عبارة عن كابوس ممتد من الأفكار المتضاربة، وصوت والدها الصارم في الهاتف وهو يعاتب ويجادل والد ياسر لا يزال يرن في أذنيها كجرس إنذار مخيف، نظرت إلى المرآة لتجد وجهها شاحبًا، لكن عينيها كانتا تشعان بذات البريق الحاد الذي يرفض الاستسلام، تحركت في أرجاء الشقة بهدوء مريب، متجنبة تمامًا المرور من أمام غرفة ياسر، حتى لا تلمح طيفه أو تضطر لمواجهة تلك النظرات المكسورة والمحملة بالعتاب والغيرة التي باتت تؤرق مضجعها، غادرت المنزل وحدها قبل موعد العمل بنصف ساعة كاملة، باحثة عن مساحة من الفراغ لتستجمع شتات نفسها قبل أن تبدأ جولة جديدة من الحرب التي طالت الأخضر واليابس في حياتهما الزوجية والمهنية. عندما وصلت إلى موقع المشروع، كانت الأجواء ضبابية، تملأها رائحة الأتربة ومحركات الشاحنات الضخمة التي بدأت بالدوران، توجهت مباشرة إلى مكتبها المؤقت، لكنها لم تكد تضع حقيبتها حتى دخل مراد دون أن يطرق الباب بثبات، وكان يحمل في يده كوبين من القهوة، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة تحمل من الود ما يتخطى الزمالة المهنية بكثير

  • عاشقان المدينه    part 21

    في صباح اليوم التالي، بدا موقع المشروع وكأنه عاد شهوراً إلى الوراء، حيث انقشعت غيوم السلام الزائف لتترك المكان عرضة لعاصفة من التوتر المكتوم الذي يملأ الأجواء، كانت الشمس ترسل أشعتها الحارقة على الجدران الخرسانية غير المكتملة، لكن البرودة التي كانت تشع من مهندسي الموقع كانت أقوى من حرارة الطقس، وص

  • عاشقان المدينه    part 20

    خرجت ليلى من المكتب كالعاصفة التي لا تبقي ولا تذر، وكان صوت أنفاسها المتلاحقة يملأ ممر المنزل الضيق، بينما كانت الدموع المحبوسة في عينيها قد تحولت إلى طاقة غضب هائلة تحرك جسدها نحو غرفتها لتجمع أشياءها، ولم يكن ببالها في تلك اللحظة سوى فكرة واحدة، وهي أن كرامتها التي دُيست بكلمات الشك والاتهام لا

  • عاشقان المدينه    part 19

    استيقظت ليلى في الصباح الباكر على شعور غريب بالبرودة يلف أرجاء الغرفة، شعور لم يكن نابعاً من الطقس بقدر ما كان منبعثاً من ذلك الفراغ الذي تركه ياسر في المنزل منذ ليلة أمس، تقلبت في فراشها لعدة دقائق، تحاول طرد الأفكار السوداء التي عششت في رأسها طوال الليل، لكن دون جدوى، فالأسئلة كانت تتصارع في ع

  • عاشقان المدينه    part 18

    وبدأت مروه تتحدث معه بنبرة هادئة ومسترسلة تخفي وراءها خبثًا شديدًا، سألته في البداية " اي اخبارالمعدات يا بشمهندس، لقيتها بالسعر اللي متوافق مع الميزانيه "وعندما أجاب ب ردوده القصيره ك العاده تثقالت ببطء شديد وتناغم مريب قائلة" انا عديت علي ليلي عشان نقعد مع بعض بس بعد كده مردتش ادخل " وعندما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status