Share

part 2

last update publish date: 2026-05-17 01:59:16

همست باسمه، وكأنها تتذوّق مرارته.

كيف يمكن لشخصٍ قضت عمرها كله تحاول التفوّق عليه…

أن يصبح فجأة زوجها؟

كيف لشخص لم تتحدث معه منذ سنوات رغم أنه يُسكن في نفس البيت في طابق مختلف فقط، أن يُصبح شريك حياتها المنتظر

كيف ل ياسر الذي لا تعرف عنه سوي القليل، أن تكمل حياتها معه!

محض من الجنون والهراء! هكذا كانت تري الأمر

في الوقت ذاته

كان ياسر يقف أمام نافذته، ينظر إلى الشارع المظلم.

بهمس بنفس الاسم، بقلب مضطرب

“ليلى… ليلي”

وكأنه يُغني مقطوعه من اغنيته المفضله، اغنيته التي لم يستمع لها منذ الكثير من السنوات!

ورغم كل هذا لم يكن أيٌّ منهما مستعدًا ولاحتي راغبًا.

لكن القرار… قد اتُخذ،والمدينة البعيدة كما يُسموها… كانت تنتظرهما.

وبين الرفض والاضطرار، بدأت حكايه

لم يكن أيٌّ منهما يتوقّع نهايتها.

لم يكن الاجتماع عاديًا.

البيت الذي جمعهم… بدا أضيق من المعتاد، رغم اتساعه.

والوجوه… كانت متجهمة أكثر مما ينبغي.

جلست ليلى في طرف الأريكة، مستقيمة الظهر، عيناها ثابتتان أمامها، وكأنها تحاول ألا تنظر إليه.

أما ياسر… فكان واقفًا، مستندًا إلى الجدار، ذراعاه متشابكتان، ونظراته لا تستقر.

حتي وجودهما في المكان ذاته، لم يكن مريحًا لأيٍّ منهما.

فكيف يطلبان منهم أن يتزوجا

“افتكر انتوا عارفين احنا لي متجمعين كده .”

قالها عمّه بصوتٍ حازم، وهو ينظر إليهما بالتناوب.

لم تجب ليلى.

أما ياسر، فاكتفى بابتسامة باهتة:

"انا موضوع اجبارنا علي الجواز، افتكر اه عارفينه كويس بس مش عارفين السبب”

كان يتحدث بصيغه الجماعه، لان نظرات ليلي منذ أن جلسا، وتلك الحيره في عيناها كانت واضحه له ك وضوح الشمس

“مهما قولت ومهما اعترضت، انا وعمك اتفقنا علي كل حاجه، ومحدش فيكوا له حق الاعتراض حتي .” كان هذا كلام أباه الصارم كعادته

تدخّل والد ليلى بهدوءٍ محسوب:

“الامر مش مطروح للنقاش، زي ما قولنا ده واقع ولا مفر منه.”

تبادل الاثنان نظرة خاطفة، سريعة… لكنها كانت كافية.

نظرة تحمل نفس المعنى، هذا لا يحدث حقًا صحيح!

أن يجتمعان هما الاثنان علي نفس النظره ونفس الموقف

شئ لا يحدث كل يوم

قالت ليلى أخيرًا، بصوتٍ هادئ ظاهريًا:

" حتي لو الموضوع مش مطروح للنقاش، انا عايزه اعرف السبب اللي يخليني اغير حياتي كلها ده .”

فانها اجابه عمها

" هنقولكوا السبب.”

تنفّس عمّه ببطء، ثم تابع:

“المشروع الزراعي بتاعنا اللي انتوا عارفينه، المحصول كلوا ولع والأرض خربت"

لم يتحرّك ياسر، لكن تركيزه ازداد، واعتقلت ليله نظره صادمه

“ولازم نسلم المشروع للشركه المصدره فاقرب وقت، ولو مبدأناش زراعه دلوقتي، هننخسر كل حاجه”

قاطعته ليلي بعدم فهم

" ده اي علاقتوا بموضوع جوازنا"

فأجابها أباها

" الشركه المتعاقدين معاها مش مصدقه أن الأراضي ولعت، ورافعين قواضي علينا ضد كل حاجه بنملكها، حاجه واحده بس ميعرفوش عنها حاجه عشان مكتوبه باسمكم "

" الاراضي اللي في اخر المدينه"

أكملها ياسر بدلًا منه.

نظر إليه عمّه، ثم أومأ:

“بالضبط.”

سادت لحظة صمت.

ثقل الكلمات، بدأ يتسرّب ببطء.

“واي ذنبنا احنا ؟”

سألت ليلى، وعيناها تضيقان قليلًا.

“أنتم الحل الوحيد، لو روحتوا وشغلتوا الأرض دي، هتعرف نسلم المحاصيل في معادها، وساعتها القواضي كلها هتسقط.”

قالها والدها مباشرة.

“الجواز عيخلي ملكيه الأرض موحده، وهيحمي الأرض قانونيا من اي مسائلات، لان لو اتكشفت أن الأراضي دي بتاعتنا انا وعمك، هيتحجز عليها هي كمان.”

“يعني عايزين مننا نعمل اي ؟”

قالها ياسر ببرود.

“حفله جواز عاديه قدام الناس كلها، عشان تثبت إعلاميا اننا مش بنخسر والأسهم متقعدش في الارض، وبعدين تروحوا انتوا الاتنين تمكنوا في البيت القديم اللي جنب الأراضي، وتبدأوا الشغل، العمال هيبقوا عندكم من تاني يوم جواز، احنا معندناش وقت .”

سكت.

ثانية… ثم أخرى.

" الجواز لمده سنه يعني لحد ما المشروع ينتهي وبعدين انتوا احرار تكملوا فيه أو لا "

قالها والده، وكأنه ينهي النقاش.

ضحك ياسر.

ضحكة قصيرة، خالية من أي مرح.

“فهمت دلوقتي ”

نظر إليهم جميعًا، ثم قال:

“انتم مش بتجبرونا علي الجواز بس، لا بتنفونا بعيد كمان في بيت مهجور، اخر المدينه، اراضي مهجوره مستصلحتش من سنين، وتحطيم كل اعتماديتكم علينا "

" سميه اجبار، نفي، عقاب، سميه اللي تسميه .”

ردّ عمّه.

“لكن ده هو الحل الوحيد .”

“وإن رفضنا؟”

سأل ياسر، وعيناه لا تفارقانهم.

جاءه الرد… باردًا:

“العيلتين هيخسروا كل حاجه"

سقط الصمت.

هذه المرة… لم يكن صمت اعتراض.

بل صمت حسابات.

رفع ياسر عينيه ببطء…

ثم نظر إليها.

لأول مرة منذ بداية الاجتماع، يشعر أنه يريد أن يتأملها طويلا

لا مجرد نظرات خاطفه، يريد أن يسمع رأيها، أن يعرف تفكيرها، وان يستفسر عن قرارها،قبل رفضه هو أو قبوله، يريد أن يسمع حلولها هي

كانت تنظر إليه أيضًا لكن ليس كما اعتاد.

لا تحدٍّ… ولا سخرية.

بل شيء أقرب إلى… التردّد.

وعندما فهم تشوشها أدار وجهه سريعا

وكأن النظر إليها… أصبح عبئًا.

وفي داخله، عاد كل شيء....

فلاش باك

في أول يوم لهما في العمل…

كانت تقف أمام لوحة العرض، تشرح مشروعها بثقةٍ لا تحتمل الشك.

“الفكرة الأساسية تعتمد على تطوير الأرض بدلًا من بيعها…”

كانت تتحدث بثبات، والجميع ينصت.

أما هو فكان يراقب، لا الفكرة.

بل هي، ثباتها انفاعلها حضورها ورأيها الطاغي علي الجميع، بتحد واضح وسيطرت لا مثيل لها

“المشروع ده ناجح علي الورق ب، في التطبيق مش هيحقق نفس النجاح اللي انتي متصوراه”

قالها أمام الجميع حين انتهت.

التفتت إليه فورًا، فأكمل وهو يضع عيناه في عيناها مباشرا

“يعني المشروع يفتقر للواقعيه يا استاذه.”

رفعت حاجبها ثم اجابات بثقه كان يعرف انها مهتزه رغم تصورها بالثبات

" يعني عندك اقتراحات، ولا مجرد نقد ؟”

“طبعا عندي خطط احلا من كده بكتير .”

ثم اقترب، وأعاد شرح المشروع… بطريقته.

أكثر حدة، أكثر جرأة، مع ثبات اخرسها، وآخرس الجميع حولها

لم تعجبه ابتسامتها حين انتهى، كانت هادئة… بشكل مستفز.

“مش وحش "

قالتها ببساطة.

“بس مش شايف أن فيها مخاطره، احنا كده هنحط مبلغ اكبر بكتير”

“والنجاح دائمًا يحتاج مخاطرة.”

هذا ما اردفه بنحد واضح وثقه لا نقاش فيها

“والذكاء، عايز حسابات برضوا .”

وحينها عندما بدأ الأمر يخرج الي تحدي واضح لا مجرد نقاش وميلان

تدخل المدير يومها، وانتهى النقاش لكن م تنتهِ الحرب.

وفي كل مرة

كانت تسبقه بخطوة

أو يسبقها هو.

كان نفسي الشعور يغزو كل منهم، التحدي الواضح والصريح

لذا إذا كانت عرضٌ تقبله الإدارة منها

فيردّ بعرضٍ أفضل.

صفقةٌ ينجح فيها

فتغلق هي صفقة أكبر.

لم يكن أيٌّ منهما يعترف بتلك المنافسه الشرسه الخفيه أيضا

لكن الحقيقة كانت واضحة:

لم يكن أحدهما يتطوّر… إلا بسبب الآخر.

العودة إلى الحاضر

شدّ ياسر على يده دون وعي.

ثم بنفاذ صبر، أعطي رأيه

“سنة واحدة.”

فناظره الجميع بلا فهم حتي أكمل

" الموضوع مش هياخد اكتر من سنه، عشان كده انا موافق"

نظر ياسر إليها مرة أخرى، هذه المرة… أطول.

ومأنه ينتظر اجابتها علي ما اردفه

وهي لم تجعله ينتظر طويلا بل أجابت بسخريه

“يعني خلاص شايفها صفقه وهتقبل بيها ؟.”

قالتها ببطء وهو اماء لها بهدوء ليس وكأن نار الرفض تحرقه

" اه عقيل بيها، وهثبت لكل اني اقدر اوقف الأراضي دي علي رجليها تاني"

سكت قليلا يعطيها فرصه الاستيعاب وهي، لم تكن ترغب في خساره

هذا التحدي الذي اضافه علي الأجواء " انت اللي هتنجحها ؟ ولي ميكونش انا "

فأجاب هو ببروده المعتاد

" هنشوف

أما العم والاب فكان ينازران الوضع بابتسامه خفيهء قبل أن يضيف أباها

" الجواز هيخلي العمل جماعي والنجاح جماعي كمان، يعني عشان ينجح المشروع لازم كل واحد فيكم يشارك التاني خططه، هي مش منافسه"

" انا مش بنافس حد "

هذا ما قالته هي، ورد هو عليها بابتسامه ساخره

ثم أغمضت عينيها للحظة.

قائله:

“وعموما انا كمان موافقة.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
sandytamer021
كملي تحفه تحفه
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • عاشقان المدينه    part 39

    تابعت ليلي بصوت يملؤه الوجع الحارق: "أنا كنت بتموت من الرعب عليك وأنت تحت الأنقاض.. كنت بدعي ربنا ياخد من عمري ويديك، ولما رجعتلي بالسلامة وقعدت تحت رجليك هنا، كل اللي فكرت فيه هو الشك! كل اللي شغل عقلك هو إني وقفت أتكلم مع دكتور بيعالجك! إنت بتشك فيا مع مراد.. وبتشك فيا مع الدكتور.. وبتخليني أحس إني رخيصة في عينك، حبه ده اللي بتكلمني عنه.. أنا بقيت حاسة إنه وهم! أيوا يا ياسر.. حبك ليا وهم.. أو يمكن حب تملك مريض! إنت مش بتحبني أنا.. إنت بتحب فكرة إنك تملكني، بتحب تحبسني جوه قفص من شكوكك عشان ترضي كبرياءك ونقصك! نزلت كلماتها كالسياط على قلب ياسر المنهك، وشعر بروحها المنطفئة وهي تعاتب فيه بقايا رجولته، فمفت عيناه بالدموع التي انحدرت بغزارة على وسادته، ولم يستطع تحمل رؤيتها تنهار أمامه بهذا الشكل دون أن يفعل شيئاً. وبحركة مفاجئة ومتهورة، تجاهل ياسر كل آلام جسده وكسوره المجبوسة، واندفع بجذعه إلى الأمام على الفراش، ومد ذراعه اليسرى السليمة بقوة حديدية، ويشدها نحو صدره بعنف جارف وعاطفة متفجرة، ليرتمي جسد ليلى فوق صدره رغماً عنها، ويحيطها بذراعه ويحتضنها بشدة وبأحضان قوية ممتلئة بالشوق و

  • عاشقان المدينه    part 38

    خفتت حركة الممرضين في الجناح الخاص مع حلول فترة الظهيرة، وساد المستشفى هدوء نسبي. غادرت ليلى الغرفة متوجهة إلى مكتب الإدارة المالية في الطابق الأرضي لإنهاء بعض الإجراءات والأوراق الخاصة بالتقارير الطبية للموقع، تاركة ياسر بمفرده يتأمل سقف الغرفة، محاصراً بين جدران عجزه الجسدي ونظرات ليلى الرسمية التي كانت تقصف كبرياءه مع كل حركة. بينما كان ياسر يحاول تعديل جلسته مستعيناً بيده اليسرى، انفتح الباب ببطء، لكن الخطوات لم تكن آلية كخطوات الممرضات، بل كانت خطوات واثقة ومنمقة تصحبها رائحة عطر نفاذ يعرفها ياسر جيداً. التفت برأسه بصعوبة ليجد مروى تقف عند عتبة الباب، ترتدي نظارتها الشمسية الضخمة التي رفعتها ببطء، وتكسو وجهها نظرة امتزج فيها التشفي بالقلق المصطنع. أغلقت مروى الباب خلفها بهدوء، وتقدمت نحو السرير بخطوات بطيئة، وتأملت حالته وجسده المكبس بالجبس، ثم ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت بنبرة حادة حملت الكثير من السخرية: "يا حرام يا باشمهندس.. مكنتش أتخيل أبدًا إن أسد الموقع اللي كان بيمشي يهد الدنيا، ينتهي بيه الحال مرمي هنا مش قادر حتى يعدل مخدرته!" تصلب فك ياسر، واشتعلت عيناه بنظرة حادة

  • عاشقان المدينه    part 37

    مع بزوغ أولى خيوط الفجر الرمادية، بدأت عتمة الليل تنجلي ببطء عن غرفة المشفى، تاركةً وراءها بقايا ليلة ممتلئة بالدموع والحيرة التي لم تحسمها ساعات السهد الطويلة. كانت ليلى لا تزال مستلقية على أريكتها الصغيرة، عيناها متعبتان ويملأهما الجفاف بعد أن جفت الدموع على وجنتيها الشاحبتين. نظرت إلى السقف، وشعرت بثقل رهيب يجثم على أنفاسها؛ فالقبلة المفاجئة والعنيفة التي انتزعها ياسر منها في عتمة الليل لم تزدها إلا ضياعاً، وشعرت أن قلبها وعقلها في حالة حرب طاحنة لا منتصر فيها. وعلى السرير المقابل، كان ياسر مستيقظاً هو الآخر، يراقب طيفها بنظرات مكسورة ومحملة بوجع الندم، فكه مشدود بقسوة يحاول بها كبح جماح الآلام الجسدية التي تضاعفت بعد حركته المتهورة ليلاً، لكن آلام روحه وخوفه من أن يكون قد خسرها نهائياً كانت أشد فتكاً من كسور جسده.في تمام الساعة الثامنة صباحاً، تحركت ليلى بآلية مفرطة، عدلت وشاحها وقامت لتغسل وجهها، ثم عادت لتجلس على مقعدها البعيد دون أن تلتفت نحو السرير، وتتجاهل تماماً نظرات ياسر التي كانت تلاحقها بلهفة ورجاء صامت. لم يمر وقت طويل حتى دق باب الغرفة بخفة، وأعلن دخول الطبيب مؤمن م

  • عاشقان المدينه    part 36

    حلّ ظلام الليل الدامس على المشفى، وانعكست أضواء الشوارع الخافتة عبر زجاج النافذة الكبيرة، لترسم ظلالاً متحركة على الجدران البيضاء الباردة، كان السكون التام يلف الغرفة، ولم يكن يقطعه سوى النين المنتظم لِجهاز مراقبة المؤشرات الحيوية الذي يذكر كلاهما بنبضات الحياة التي نجت بمعجزة، كانت ليلى تجلس في زاوية الغرفة على مقعدها الخشبي، واضعة رأسها بين كفيها، شاردة في الفراغ الذي يفصل بين سجن كبريائها الجريح وحنين قلبها الذي لا يهدأ، بينما كان ياسر يستلقي على ظهره، وعيناه مغلفتان بحزن ثقيل يراقب طيفها الصامت في العتمة، كأنه يخشى أن يغمض جفنيه فتختفي من أمامه مرة أخرى. في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، رن جرس المنبه الصغير في هاتف ليلى ليعلن موعد جرعة الدواء والمسكنات الليليّة الصارمة، نهضت ليلى بآلية وجفاء، وتحركت بخطوات هادئة نحو الطاولة، وسحبت زجاجة الدواء السائل وبعض الأقراص، ثم سكبت كوباً من الماء وتحركت نحو السرير بملامح جامدة لا تقرأ، وقفت فوق رأسه، وأمالت بجسدها قليلاً لتقرب ملعقة الدواء وكوب الماء من فمه في صمت مطبق، وتتجاهل تماماً نظراته الملهوفة التي كانت تتوسل إليها لتنظر

  • عاشقان المدينه    part 35

    امتدت الساعات التالية بعد خروج ليلى من الغرفة كأنها دهر من العذاب والترقب المرير، وكان ياسر ملقى على فراشه الأبيض لا يحرك ساكناً، وعيناه مثبتتان على الباب الزجاجي المغلق بجفاف تام، في تلك الساعات الطويلة، كان عقله يدور في حلقة مفرغة من الجلد والندم القاتل، وبدأ يظن أن ليلى مشت وسابته نهائياً، وأنها أغلقت خلفها صفحة زواجهما إلى الأبد بعد أن نفد رصيد صبرها على غيرته وشكه المستمر، شعر ياسر برعب خفي ينهش أمعاءه، رعب فاق بمراحل خوفه من الموت الذي رآه تحت ركام الخرسانة، ففكرة أن يعيش حياته القادمة دون طيفها، ودون أن يسمع نبرة صوتها الدافئ، كانت بمثابة حكم بالإعدام على روحه المكسورة، تمنى في سره لو أن ساقيه لم تكونا مقيدتين بهذا الجبس الثقيل ليزحف خلفها في ممرات المشفى ويتوسل إليها ألا تتركه وحيداً وسط عجزِهِ وقهرِهِ. مرت الظهيرة وجاء المساء ليضفي على الغرفة عتمة كئيبة زادت من وحشة المكان، وضغط ياسر بأصابع يده اليسرى السليمة على حافة الفراش وهو يتنفس بصعوبة، متذكراً كلماتها الجارحة "حبك ده مؤذي وخانق ويدمرني"، وعرف لأول مرة أن رغبته في التملك الأعمى قد قادته إلى خسارة المرأة الوحيدة التي ب

  • عاشقان المدينه    part 34

    تصلبت ابتسامة ليلى على شفتيها تدريجياً، وتحولت ملامح الدهشة إلى سحابة داكنة من الحزن والخذلان، سحبت يدها التي كانت تستقر بحنان على جبين ياسر ببطء شديد، وكأنها تسحب معها خيط الأمل الأخير في شفاء هذا القلب المريض بالغيرة والشك، تراجعت خطوة للخلف، ووقفت تتأمل وجهه المتجهم ونظراته المشتعلة بالغيظ، وشعرت أن الغرفة البيضاء الهادئة التي كانت قبل لحظات ملاذاً لصلحهما ودموع ندمهما، قد تحولت فجأة إلى زنزانة خانقة لا هواء فيها، الكلمات التي نطق بها ياسر للتو عن الدكتور مؤمن لم تكن مجرد غيرة عابرة من زوج مريض، بل كانت طعنة جديدة في صميم كرامتها، طعنة أعادت إلى ذهنها كل لحظة قهر عاشتها عندما شك بها مع مراد، وكل إهانة تجرعتها في الموقع عندما سمح لـ مروى بالتشفي فيها، هو وكأنه لم يتعلم شئ ابدا في المره السابقه مرت ثوانٍ ثقيلة من الصمت المشحون بالتوتر، وكانت ليلى تشعر بأن حبه مؤذي لها لدرجة الاختناق، حبه لم يعد ذلك الحضن الدافئ الذي يحميها من قسوة العالم، بل أصبح سيفاً مسلطاً على رقبتها، يذبح ثقتها بنفسها و يراقب أنفاسها، ويشك بها كلما تحدثت مع رجل، حتى لو كان هذا الرجل طبيباً يعالج زوجها بين جد

  • عاشقان المدينه    part 30

    بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببطء شديد من بين ثنايا الستائر الزرقاء السميكة لغرفة المشفى، لتضفي على الأركان البيضاء الباردة لمسة من الدفء الذي غاب عن هذا الثنائي لأسابيع طويلة، وسط هذا السكون المطبق الذي لم يكن يقطعه سوى النبضات الرتيبة والمنتظمة لِجهاز مراقبة العلامات الحيوية، بدأ ياسر يستعيد وعي

  • عاشقان المدينه    part 27

    نظر إليها ياسر طويلًا، ورأى في عينيها مزيجاً غريباً من التحدي والخوف الخفي عليه وعلى اسم عائلتهما، لكن كبرياءه الجريح وصفعة الأمس ومظهر مراد في مكتبها صباحاً منعه من التراجع، وحرك رأسه ببرود مستسلم وقبل قال بنبرة خفيضة وجافة كالرماد "إنتي اللي اخترتي الحرب دي من الأول يا ليلى، وإنتي اللي جبتي مراد

  • عاشقان المدينه    part 21

    في صباح اليوم التالي، بدا موقع المشروع وكأنه عاد شهوراً إلى الوراء، حيث انقشعت غيوم السلام الزائف لتترك المكان عرضة لعاصفة من التوتر المكتوم الذي يملأ الأجواء، كانت الشمس ترسل أشعتها الحارقة على الجدران الخرسانية غير المكتملة، لكن البرودة التي كانت تشع من مهندسي الموقع كانت أقوى من حرارة الطقس، وص

  • عاشقان المدينه    part 20

    خرجت ليلى من المكتب كالعاصفة التي لا تبقي ولا تذر، وكان صوت أنفاسها المتلاحقة يملأ ممر المنزل الضيق، بينما كانت الدموع المحبوسة في عينيها قد تحولت إلى طاقة غضب هائلة تحرك جسدها نحو غرفتها لتجمع أشياءها، ولم يكن ببالها في تلك اللحظة سوى فكرة واحدة، وهي أن كرامتها التي دُيست بكلمات الشك والاتهام لا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status