LOGINالفصل الرابع عشر
بقيت آريا في غرفتها لبعض الوقت بعد أن غادرت نيكس. جلست قرب النافذة وهي تنظر إلى القصر الواسع من الداخل، محاولة أن تعتاد على فكرة أنها ستعيش هنا من الآن. كل شيء كان غريباً. حتى الصمت كان مختلفاً. لم يكن صمت منزلها الصغير في القرية، بل صمت مكان قديم يحمل أسراراً لا يعرفها أحد. ... في الجهة الأخرى من القصر، كان لوسيان يجلس داخل مكتبه. كانت الغرفة مظلمة إلا من ضوء المدفأة الهادئ، بينما كان هو جالساً خلف الطاولة الكبيرة، يحمل كأساً بين يديه وينظر إلى النار بصمت. دخلت نيكس بعد أن طرقت الباب. "سيدي." لم يرفع لوسيان نظره. "ماذا تريدين؟" اقتربت نيكس وهي تراقبه باهتمام. "أريد أن أعرف شيئاً." رفع عينيه إليها. "ما هو؟" ابتسمت قليلاً. "لماذا لا تتحدث معها؟" ساد الصمت. قال لوسيان ببرود: "لا يوجد سبب." ضحكت نيكس بخفة. "حقاً؟" اقتربت من الطاولة. "كنت تراقبها لأيام. كنت تعرف أين تذهب، وماذا تفعل، وحتى أنك كنت تفكر بها أحياناً." توقفت للحظة ثم أضافت: "والآن عندما أصبحت هنا... تبتعد عنها؟" لم يجب لوسيان. وضعت نيكس يدها على الطاولة. "ربما لو جعلتها ترتاح لك أكثر، ستتحقق النبوءة بسرعة." في تلك اللحظة... توقف كل شيء. تجمدت ملامح لوسيان، وفي لحظة واحدة انكسر الكأس الزجاجي بين يديه. تناثرت القطع الصغيرة فوق الطاولة، وبدأت قطرات الدم تنزل من بين أصابعه. نظرت نيكس إليه بصمت. قال بصوت منخفض لكنه حاد: "لا تذكري هذا الأمر." اقتربت خطوة. "لوسيان..." رفع نظره إليها. "لن أستغلها." ساد الصمت. ثم أكمل: "لن أجعل فتاة بشرية تدفع ثمن نبوءة قديمة فقط لأنها قد تكون جزءاً منها." خفضت نيكس نظرها قليلاً. كانت تعرف أن لوسيان لا يتكلم بهذه الطريقة إلا عندما يكون الأمر مهماً بالنسبة له. ... في الوقت نفسه، كانت آريا قد خرجت من الحمام بعد أن طلبت منها نيكس أن تستعد للعشاء. كانت تمسك المنشفة حولها وهي تتجه نحو الخزانة، لكنها توقفت فجأة. كان هناك فستان معلق أمامها. فستان لم تره من قبل. كان لونه مزيجاً من الأحمر والذهبي والأبيض، بتصميم أنيق جعلها تحدق به بدهشة. "هذا..." جاء صوت نيكس من خلفها: "أعجبك؟" التفتت آريا بسرعة. "متى دخلتِ؟" ضحكت نيكس. "منذ لحظات." ثم أشارت إلى الفستان. "السيد اختاره لك." اتسعت عينا آريا. "لوسيان؟" أومأت نيكس بابتسامة صغيرة. قبل أن تتمكن آريا من قول شيء، أمسكت نيكس بيدها. "هيا، لا وقت للتفكير." وبدأت بتجهيزها. بعد وقت قصير، وقفت آريا أمام المرآة غير مصدقة. لم تتغير هي... لكن الفستان، وتسريحة شعرها البسيطة، جعلتها ترى نفسها بطريقة مختلفة. "هذه أنا؟" ابتسمت نيكس بفخر. "نعم." ... في قاعة الطعام، كان لوسيان جالساً أمام الطاولة الطويلة. أما ريفِن فكان على شكل غراب يقف فوق الكرسي بجانبه. قال ريفِن: "هذا أول عشاء لك معها." نظر إليه لوسيان. "أعرف." "إذن حاول أن تتصرف كأنك شخص طبيعي." رفع لوسيان حاجبه. "أنا طبيعي." ضحك ريفِن. "أنت كنت تراقبها من الغابة لأسابيع." قبل أن يرد، سمعا خطوات تقترب. دخلت نيكس أولاً، وخلفها آريا. وفي اللحظة التي رفع فيها لوسيان نظره... توقف. لثوانٍ قليلة، لم يقل شيئاً. أما آريا، فكانت تمسك أطراف فستانها بتوتر، غير معتادة على كل هذا الاهتمام. لاحظت نظراته، فخفضت عينيها قليلاً. لكن لوسيان سرعان ما استعاد هدوءه. وقال بصوت منخفض: "اجلسي." تقدمت آريا ببطء وجلست أمامه. ولأول مرة منذ سنوات طويلة... شعر لوسيان أن هذا القصر لم يعد هادئاً كما كان. لأن وجودها وحده كان كافياً ليغير كل شيء.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







