Share

عروس القصر لأسود
عروس القصر لأسود
Author: سولي كيم بارك

1

last update publish date: 2026-08-02 15:07:23

الفصل الأول

في قلب غابةٍ شاسعة لا نهاية لها، حيث تعجز أشعة الشمس عن اختراق أشجارها العتيقة إلا بصعوبة، تقع قرية صغيرة تُدعى "إيفرهيل". كانت القرية أشبه بلوحةٍ من القصص الخيالية القديمة؛ منازلها الخشبية ذات الأسقف الحمراء، وحقولها الخضراء الممتدة، ورائحة الخبز الطازج التي تعبق في أزقتها كل صباح.

كان سكان إيفرهيل يعيشون حياة هادئة وبسيطة، يزرعون الأرض ويحتفلون بمواسم الحصاد، لكنهم جميعاً يشتركون في أمرٍ واحد؛ الخوف.

خوفٌ ورثوه عن آبائهم وأجدادهم منذ مئات السنين.

ففي الجزء الشمالي من الغابة، حيث يصبح الضباب أكثر كثافة ويعم السكون المكان، يقف قصرٌ أسود شامخ فوق تلة مرتفعة، وكأنه يراقب القرية منذ الأزل. لم يكن القصر مجرد بناءٍ حجري ضخم، بل كان رمزاً للأساطير التي تناقلها سكان القرية جيلاً بعد جيل.

قيل إن سيد ذلك القصر ليس إنساناً عادياً، بل مصاص دماء عاش لمئات السنين، لا يشيخ ولا يمرض، ويراقب العالم من خلف نوافذه المظلمة بصمتٍ مخيف.

لم يكن أحد يعلم إن كانت تلك القصص حقيقية أم مجرد خرافات أوجدها الخوف، لكن ما يعرفه الجميع هو أن لا أحد يجرؤ على الاقتراب من حدود الغابة المحيطة بالقصر.

حتى الأطفال في إيفرهيل كانوا يُربَّون على تلك القاعدة.

"لا تقترب من القصر الأسود."

"لا تنظر إلى نوافذه بعد غروب الشمس."

"وإن سمعت صوت غرابٍ ينادي باسمك في الغابة، فاركض ولا تلتفت خلفك."

أصبحت تلك الكلمات جزءاً من حياة سكان القرية، حتى إن بعضهم لم ير القصر قط طوال حياته، ومع ذلك كان الخوف منه يسكن أعماق قلوبهم.

الغريب في الأمر أن أحداً لم يشاهد سيد القصر منذ سنوات طويلة. بعض المسنين كانوا يدّعون أنهم رأوه ذات ليلة يقف فوق شرفته مرتدياً ملابس سوداء فاخرة بينما تتطاير خصلات شعره مع الرياح الباردة، وآخرون أقسموا أنهم شاهدوا غراباً أسود ضخماً يحوم فوق القرية كل ليلة وكأنه عين سيده التي تراقب الجميع.

أما القصر نفسه، فكان يبدو وكأنه خرج من حكايات الرعب القديمة؛ بواباته الحديدية العالية، حدائقه التي نمت فيها الورود السوداء على نحوٍ غريب، وجدرانه المظلمة التي لم تلمسها أشعة الشمس يوماً.

ومع مرور السنوات، تحولت قصته إلى مجرد أسطورة بالنسبة للبعض، بينما بقي حقيقة مرعبة بالنسبة للآخرين.

لكن ما لم يكن يعلمه أحد في قرية إيفرهيل هو أن سيد القصر لم يكن يراقب الغابة فقط، بل كان ينتظر شيئاً ما.

شيئاً سيغير حياته الهادئة التي استمرت لقرون.

فالقدر، الذي ظل صامتاً لسنوات طويلة، بدأ أخيراً في نسج خيوط قصته الجديدة.

قصة ستجمع بين مصاص دماء عاش وحيداً في قصره الأسود، وفتاة بشرية لم تكن تعلم أن فضولها سيقودها إلى أبواب ذلك القصر، لتصبح جزءاً من أسطورة لم يجرؤ أحد على الاقتراب منها.

لطالما كانت آريا مختلفة عن بقية سكان إيفرهيل.

فبينما كان الجميع يرتجفون خوفاً لمجرد سماع اسم القصر الأسود، كانت هي تشعر بفضولٍ لا ينتهي كلما سمعت إحدى تلك القصص المرعبة عنه.

كيف يمكن لشخصٍ أن يعيش وحيداً في ذلك القصر منذ مئات السنين؟ وهل هو حقاً مصاص دماء؟ وإن كان كذلك، فلماذا لم يؤذِ أحداً من سكان القرية طوال هذه السنوات؟

أسئلة كثيرة كانت تدور في عقلها منذ طفولتها، لكنها لم تجد إجابة لها يوماً.

في ذلك اليوم، وبعد أن أنهت أعمالها المنزلية، تسللت خارج القرية متجهة نحو الغابة كعادتها. كانت تعلم جيداً أن والدها سيوبخها إن علم إلى أين ذهبت، لكنها لم تستطع مقاومة فضولها.

كان ضوء الشمس يتسلل بين أغصان الأشجار الطويلة، بينما كانت أصوات العصافير تملأ المكان. في البداية، بدت الغابة جميلة وهادئة، لكن كلما تقدمت أكثر، بدأت تشعر بأن شيئاً ما قد تغير.

أصبحت الأشجار أكثر ضخامة، واختفى صوت الطيور تدريجياً، وكأن جميع الكائنات الحية قد غادرت هذا المكان منذ زمن بعيد.

توقفت آريا عن المشي ونظرت حولها بتوتر.

"غريب... لماذا أشعر أن أحدهم ينظر إلي؟"

حاولت إقناع نفسها بأنها تتوهم، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي بدأ يرافقها كلما اقتربت من حدود الغابة الشمالية.

كانت تشعر وكأن عينين خفيتين تراقبان كل خطوة تخطوها.

استدارت سريعاً نحو الأشجار خلفها، لكنها لم تجد شيئاً.

"لا بد أنني أبالغ في التفكير."

تابعت السير وهي تحاول تجاهل ذلك الإحساس، إلى أن سمعت صوت رفرفة أجنحة فوقها.

رفعت رأسها لترى غراباً أسود يقف فوق أحد الأغصان، ينظر إليها بثبات غريب جعلها تتجمد في مكانها.

لم يكن غراباً عادياً.

كانت عيناه ذكيتين بصورة مخيفة، وكأنه يفهم كل ما يدور حوله.

"أنت لست خائفاً مني، أليس كذلك؟"

ابتسمت وهي تمد يدها نحوه، لكنه اكتفى بمراقبتها بصمت قبل أن يطلق صوتاً خافتاً ويطير مبتعداً بين الأشجار.

لم تكن تعلم أن ذلك الغراب لم يكن مجرد طائر عابر.

كان يراقبها بأمرٍ من سيده.

وفي مكانٍ بعيد داخل القصر الأسود، كان رجل يجلس أمام نافذة ضخمة يطل منها على الغابة بأكملها.

كانت خصلات شعره الأسود الطويل تنسدل على كتفيه، بينما كانت عيناه الحمراوان تتابعان انعكاس صورة فتاةٍ صغيرة تتجول في الغابة وكأنها لا تخشى شيئاً.

اقترب الغراب من النافذة وحط فوق حافة الطاولة قبل أن يقول بصوتٍ ساخر:

"إنها هنا مجدداً."

ابتسم الرجل ابتسامة خافتة وهو ينظر إلى الفتاة من بعيد.

"أعلم ذلك."

"هذه البشرية متهورة للغاية. ألا تخاف منك؟"

أجاب بهدوء وهو يضع يده أسفل ذقنه:

"هذا ما يثير فضولي."

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يراها فيها، بل كان يراقبها منذ فترة دون أن تعلم.

أما آريا، فلم تكن تدرك أن خطواتها الصغيرة نحو الغابة كانت تقودها شيئاً فشيئاً نحو القدر الذي سيربط حياتها بسيد القصر الأسود.

ولم تكن تعلم أيضاً...

أنها أصبحت بالفعل محط اهتمام مصاص دماء عاش وحيداً لقرون طويلة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    117

    لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.

  • عروس القصر لأسود    116

    بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟

  • عروس القصر لأسود    115

    بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:

  • عروس القصر لأسود    114

    انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها

  • عروس القصر لأسود    113

    بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث

  • عروس القصر لأسود    112

    كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status