Share

2

last update publish date: 2026-08-02 15:10:15

الفصل الثاني.

لم يكن الخوف هو ما يدفع آريا إلى العودة إلى حدود الغابة الشمالية مراراً وتكراراً، بل فضولها الذي لم يعرف يوماً معنى التراجع.

كانت تعلم جيداً أن جميع سكان إيفرهيل يتجنبون هذا المكان، لكن كلما استمعت إلى قصص القصر الأسود، شعرت وكأن شيئاً ما يناديها لتكتشف الحقيقة بنفسها.

في ذلك اليوم، تقدمت أكثر من المعتاد بين الأشجار العالية. كانت الرياح الباردة تداعب خصلات شعرها البني بينما أخذت تتأمل المكان من حولها بإعجاب.

"إذا كان هناك حقاً مصاص دماء يعيش هنا، فلماذا يبدو المكان هادئاً إلى هذا الحد؟"

ابتسمت بسخرية وهي تلتقط إحدى الأوراق المتساقطة من الأرض، لكنها سرعان ما توقفت عن الحركة عندما شعرت بقشعريرة تسري في جسدها بأكمله.

ذلك الشعور عاد مجدداً.

شعور بأن هناك شخصاً يقف خلفها مباشرة.

تجمدت في مكانها للحظات قبل أن تستدير بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد سوى الأشجار التي تتمايل مع الرياح.

وضعت يدها فوق صدرها محاولة تهدئة نبضات قلبها.

"لقد بدأت أفقد عقلي حقاً."

وقبل أن تكمل كلامها، شعرت بنسمة باردة للغاية تمر بجانب عنقها، تلتها رائحة عطر غريب يشبه رائحة المطر والورود الحمراء.

ثم...

شعرت بوضوح شديد وكأن شخصاً ما قد اقترب منها وأخذ يشم خصلات شعرها ببطء.

اتسعت عيناها بصدمة وقفزت عدة خطوات إلى الأمام وهي تضع يديها فوق شعرها بسرعة.

"مـ... ماذا كان ذلك؟!"

أخذت تنظر حولها بذعر، لكن المكان كان خالياً تماماً.

حتى أصوات الطيور اختفت وكأن الغابة بأكملها حبست أنفاسها في تلك اللحظة.

بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها أخيراً، فهذه المرة لم يكن مجرد شعور بالمراقبة، بل كانت متأكدة أن أحداً كان يقف بجانبها قبل ثوانٍ قليلة.

"يجب أن أعود إلى المنزل!"

أخذت تركض خارج الغابة دون أن تلتفت خلفها ولو مرة واحدة، غير مدركة أن هناك عينين حمراوين كانتا تتابعانها بصمت من بين الأشجار.

أمسكت بأطراف فستانها قبل أن تركض عائده نحو المنزل بينما كان شعرها البني يتطاير مع الهواء.

أما لوسيان، فقد وقف فوق أحد الأغصان العالية ينظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل قليل.

ابتسم ابتسامة خافتة وهو يقول:

"رائحتها أجمل مما توقعت."

وقف غرابه الأسود فوق كتفه وهو يطلق صوتاً ساخراً.

"إنني قلق عليك يا سيدي، لقد بدأت تتصرف كالمهووسين."

لكن لوسيان اكتفى بالنظر إلى الاتجاه الذي هربت منه قائلاً بهدوء:

"ربما."

عندما وصلت آريا إلى منزلها، كانت لا تزال شاردة الذهن وغير قادرة على نسيان ما حدث داخل الغابة.

وبينما كانت تحاول إقناع نفسها بأنها تتوهم، عاد والدها من السوق حاملاً بعض الأغراض.

ابتسم فور رؤيتها وقال:

"آريا! تبدين متوترة، هل حدث شيء؟"

هزت رأسها بسرعة.

"لا، لا شيء."

اقترب منها والدها أكثر قبل أن يتوقف فجأة وينظر إلى شعرها باستغراب.

"بالمناسبة، تلك الوردة الحمراء تبدو جميلة عليك."

تجمدت ملامح آريا في مكانها.

"أي وردة؟"

أشار والدها إلى الجانب الأيسر من شعرها مبتسماً.

"التي تضعينها فوق أذنك."

رفعت يدها ببطء ولمست شعرها، لتشعر بشيء ناعم بين خصلاته.

نزعت الوردة بسرعة ونظرت إليها بصدمة.

كانت وردة حمراء داكنة بلون الدم تماماً، ولم تكن موجودة عندما غادرت منزلها صباحاً.

شحب وجهها وهي تتمتم بصوت مرتجف:

"أنا... لم أضع أي وردة."

وفي مكان بعيد داخل القصر الأسود، جلس لوسيان أمام نافذته مبتسماً بينما قال بهدوء:

"تناسبها كثيراً."

لم تكن آريا تعلم بعد...

أنها أصبحت بالفعل محط اهتمام سيد القصر الأسود.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    117

    لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.

  • عروس القصر لأسود    116

    بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟

  • عروس القصر لأسود    115

    بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:

  • عروس القصر لأسود    114

    انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها

  • عروس القصر لأسود    113

    بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث

  • عروس القصر لأسود    112

    كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status