LOGINالفصل السادس والأربعون
مرّت عدة أيام، لكن الصوت لم يتوقف. كل ليلة تقريبًا، كانت آريا تسمعه. "آريا..." أحيانًا كان يأتي من نهاية الممر. وأحيانًا من خلف باب الغرفة المحرّمة. وفي كل مرة كانت تتجاهله، رغم أن فضولها كان يزداد. حتى جاء يوم كان فيه لوسيان مشغولًا في الجناح الآخر من القصر. وقفت آريا أمام الممر المحرّم. حدقت في الباب طويلًا. "مرة واحدة فقط..." وضعت يدها على المقبض. وفتحته. فورًا اندفع هواء بارد وقوي من الداخل، جعل شعرها يتطاير خلفها. تراجعت خطوة، لكنها تماسكت ودخلت. كان المكان مظلمًا، ولا يصل إليه سوى خيط ضعيف من ضوء القمر. تقدمت ببطء. ثم رأته. تابوت أسود ضخم موضوع في منتصف الغرفة. اقتربت منه بحذر، ولاحظت كلمات محفورة على غطائه: "عروس القصر الأسود." تسارعت أنفاسها. "ما معنى هذا؟" مدت يدها، ورفعت الغطاء ببطء. وفي اللحظة التي انفتح فيها التابوت، تجمدت في مكانها. كانت هناك امرأة شابة مستلقية داخله، ساكنة كأنها نائمة منذ زمن بعيد. شعرها داكن، وملامحها... آريا حدقت بها بصدمة. كان هناك شبه واضح بينهما. العينان، شكل الوجه، وحتى بعض تفاصيل ملامحها. "إنها..." لم تستطع إكمال الجملة. وفجأة جاء صوت من خلفها. هادئ، لكنه جعل الدم يتجمد في عروقها. "لقد أخبرتكِ ألا تدخلي إلى هنا، أليس كذلك؟" استدارت آريا بسرعة. كان لوسيان واقفًا عند الباب. لم يكن غاضبًا بالصورة التي توقعتها، لكنه بدا أكثر جدية من أي وقت مضى. خفضت آريا عينيها. "أنا آسفة... لكنني كنت أسمع صوتًا." نظر إلى التابوت. ثم إلى المرأة بداخله. تنهد. "كان يجب أن أخبركِ بنفسي." اقترب ببطء. وقفت آريا بجانب التابوت، وما زالت تحدق بالمرأة. "من هي؟" صمت لوسيان للحظات. ثم قال: "أمي." رفعت آريا رأسها إليه. "أمك؟" أومأ. "كانت بشرية." اقترب أكثر، ونظر إلى المرأة بنظرة حملت شيئًا من الحزن القديم. "التقت بوالدي وتزوجته رغم اختلاف عالميهما." ثم تابع: "كانت تريد أن تنجب طفلًا منه، لكن طفلها الأول لم ينجُ." انخفض صوت لوسيان. "بعد ذلك قررت أن تتحول إلى مصاصة دماء، حتى تتمكن من البقاء معه ومنح نفسها فرصة أخرى." نظرت آريا إلى المرأة. "وهل نجحت؟" "جزئيًا." صمت قليلًا. "تحولت إلى نصف مصاصة دماء في البداية، ثم حملت بي." شهقت آريا بخفة. "أنت؟" أومأ. "لكن تحولها لم يكن كاملًا. وبعد ولادتي، دخلت في سبات عميق." نظرت آريا إلى التابوت. "وهي نائمة منذ ذلك الوقت؟" "نعم." ساد الصمت. ثم اقترب لوسيان من التابوت وأغلقه بهدوء. قال: "هناك أشياء أخرى مرتبطة بها... وبعائلتي." نظرت آريا إليه. "هل لها علاقة بي؟" تغيرت ملامحه للحظة. لكنه لم يجب. وهنا شعرت آريا أن وراء هذه الغرفة سرًا أكبر بكثير من مجرد امرأة نائمة. وسألت بصوت خافت: "لوسيان... لماذا أشبهها؟" رفع عينيه إليها. ولأول مرة، لم يجد جوابًا يستطيع قوله بسهولة. وفي مكان ما داخل القصر... عاد الصوت ليُسمع من جديد. "آريا..." --- اقتربت آريا منه بهدوء، ثم نظرت إلى التابوت مرة أخيرة قبل أن تعود بعينيها إلى لوسيان. كان واقفًا بصمت، وكأن ذكرى أمه أعادته إلى زمن بعيد. مدّت آريا يدها بتردد، ثم أمسكت يده. نظر إليها لوسيان بدهشة بسيطة. قالت بصوت هادئ: "آسفة... لم أكن أعرف إنها أمك." لم يجب. شدّت آريا على يده قليلًا. "يبدو أنها مرت بأشياء كثيرة." خفض لوسيان عينيه نحو يدها، ثم قال: "كانت قوية." ابتسمت آريا بحزن. "وأنت تشبهها." رفع عينيه إليها. ثم سألت بتردد: "يعني... أنت ابن مصاص دماء وبشرية؟" أومأ. "نعم." اتسعت عيناها قليلًا. "لهذا كنت مختلفًا عن باقي مصاصي الدماء؟" "ربما." ثم أضاف: "ولدت بين عالمين." نظرت إليه آريا للحظات. "لا أظن أن هذا شيء سيئ." رفع حاجبه. "لماذا؟" ابتسمت. "لأنك تستطيع فهم البشر... وتفهم عالم مصاصي الدماء أيضًا." سكت لوسيان. ثم قالت وهي تنظر إلى التابوت: "وأعتقد أن أمك كانت محظوظة لأنها استطاعت أن تكون مع الشخص الذي أحبته." تغيرت ملامحه قليلًا. "ربما." رفعت آريا نظرها إليه. "وأنت أيضًا تستحق أن تكون سعيدًا." بقي ينظر إليها بصمت. ثم قال بهدوء: "وجودك هنا جعل القصر أقل صمتًا." ضحكت آريا بخفة. "يعني أنا مزعجة؟" "أحيانًا." فتحت فمها بصدمة. "لوسيان!" ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه. ولأول مرة منذ دخولهما الغرفة، خفّ ثقل الجو قليلًا. لكن قبل أن يخرجا، ألقت آريا نظرة أخيرة على التابوت. ولم تعرف لماذا شعرت أن عيني المرأة بداخله... تحركتا للحظة.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







