LOGINالفصل الخامس والأربعين
بقيت آريا واقفة أمام لوسيان للحظات، وما زالت غير مستوعبة اعترافه. كانت تحاول أن تقول شيئًا، لكن كلما فتحت فمها تذكرت كلماته، فيزداد احمرار وجهها. ابتسم لوسيان قليلًا. "هل ستبقين هكذا طويلًا؟" رفعت عينيها بسرعة. "كيف؟" "وأنتِ تنظرين إليّ وكأنكِ اكتشفتِ أنني مصاص دماء للمرة الأولى." وضعت يدها على وجهها بخجل. "أنت السبب!" "أنا؟" "نعم." ضحك بخفة. فتحت عينيها بدهشة. "أنت تضحك؟" "يبدو أنني أستطيع." ضحكت آريا هي الأخرى، ثم ساد بينهما صمت لطيف. وأخيرًا قالت: "تصبح على خير، لوسيان." "تصبحين على خير، آريا." استدارت وغادرت. لكن عندما وصلت إلى منتصف الممر، سمعت صوتًا خافتًا. توقفت. جاء الصوت من جهة الممر المؤدي إلى الغرف المحرمة. كان أشبه بحركة خفيفة خلف أحد الأبواب. التفتت آريا ببطء. حدقت في الممر المظلم. تذكرت تحذير لوسيان. "لا تقتربي من ذلك المكان." ابتلعت ريقها. "أكيد مجرد صوت..." وبدل أن تذهب للتحقق، استدارت بسرعة. "لا أريد أن يغضب مني." تابعت طريقها إلى غرفتها، لكنها بقيت تشعر بأن شيئًا ما يراقبها. وقبل أن تغلق باب غرفتها، التفتت للممر مرة أخيرة. كان فارغًا. لكنها لم تعرف أن خلف أحد الأبواب... كان هناك شيء يستيقظ. --- في صباح اليوم التالي استيقظت آريا باكرًا، وكان أول ما فكرت به هو والدها. ذهبت إلى غرفته، فوجدته جالسًا على السرير ويبدو أفضل بكثير. ابتسمت. "صباح الخير!" نظر إليها بدهشة. "منذ متى وأنتِ تستيقظين بهذه الطاقة؟" ضحكت. "منذ أن أصبح لدي قصر كامل لأريه لك." وبعد الإفطار، أخذته في جولة صغيرة. عرّفته على نيكس أولًا. ابتسمت نيكس وانحنت له بأدب. "تشرفت بمعرفتك." ثم ظهر ريفِن. قالت آريا: "وهذا ريفِن." ابتسم ريفِن. "أهلًا بك." لكن نيكس همست له: "حاول أن تتصرف بشكل طبيعي." نظر إليها. "أنا طبيعي." "أنت غراب." "وأنتِ قطة." "أحب القطط." "وأنا لا أحب الغربان." نظر والد آريا إليهما بحيرة. أما آريا فانفجرت ضاحكة. --- لاحقًا، اجتمع الجميع حول طاولة الطعام. كان لوسيان جالسًا بهدوء، ووالد آريا إلى جانبه، بينما كانت نيكس وريفِن يتحدثان من الطرف الآخر. شعر والد آريا بشيء من التوتر في البداية، لكنه لاحظ كيف كان لوسيان يتعامل معه باحترام. وبعد فترة، بدأ الجو يصبح أكثر راحة. --- بعد الطعام، خرجوا إلى الحديقة. كانت الشمس لطيفة، والزهور التي بدأت آريا تعتني بها بدأت تستعيد ألوانها. وقفت آريا قرب إحدى الأشجار، تبتسم وهي ترى والدها يتحدث مع نيكس. ثم فجأة... تغيرت ملامحها. سمعت الصوت نفسه. "آريا..." التفتت. لم يكن هناك أحد. شعرت بقشعريرة. "سمعتم ذلك؟" وقبل أن تتحرك، أمسكت يدها يدٌ أخرى. كان لوسيان. نظر إليها بهدوء. "لا تهتمي بأي شيء تسمعينه." نظرت إليه. "لكن—" "مهما كان." شد على يدها قليلًا. "لا تذهبي وحدك." تأملت وجهه. ثم سألت: "أنت تعرف شيئًا، أليس كذلك؟" صمت لوسيان. ثم قال: "أعرف ما يكفي لأطلب منكِ أن تثقي بي." نظرت إلى يده التي ما زالت تمسك يدها. ثم ابتسمت بهدوء. "حسنًا." لكن خلفهما، في مكان بعيد من القصر... صدر صوت خافت من أحد الأبواب المحرمة. طرقــة واحدة. ثم أخرى. وكأن شيئًا في الداخل... كان ينتظر آريا. --- بعد أن غادر والد آريا مع نيكس ليستريح قليلًا، بقيت آريا في الحديقة مع لوسيان. كان المكان هادئًا، والهواء يحرك أوراق الأشجار برفق. ظلت آريا صامتة للحظات، ثم قالت بصوت منخفض: "لوسيان..." "نعم؟" نظرت إلى الأرض. "أنا خائفة." تغيرت ملامحه قليلًا. "من ماذا؟" رفعت عينيها إليه. "من كل شيء." سكتت لحظة، ثم تابعت: "من الأصوات التي أسمعها... ومن الغرف التي لا تسمح لي بالاقتراب منها... ومن تلك العلامة التي ظهرت في القرية." وضمت يديها بتوتر. "وأحيانًا أشعر أن هناك شيئًا لا أعرفه، شيئًا يخصني أنا." اقترب لوسيان خطوة، لكنه بقي هادئًا. "أنتِ لستِ مضطرة لمعرفة كل شيء الآن." "لكنني أريد أن أفهم." "وستفهمين." نظرت إليه. "تعدني؟" صمت للحظة، ثم قال: "أعدك." ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها لم تختفِ من عينيها تلك النظرة القلقة. فقال لوسيان: "وأيًا كان ما يحدث..." توقف لحظة. "لن تواجهينه وحدك." رفعت آريا رأسها نحوه، ثم ابتسمت بهدوء. "هذا يكفيني الآن." وللمرة الأولى منذ ظهور العلامة، شعرت أن خوفها أصبح أخف قليلًا.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى