Share

52

last update publish date: 2026-08-26 02:10:33

الفصل الواحد والخمسون

كان المساء قد حلّ فوق القصر الأسود، وأضاءت الشموع الطويلة قاعة الطعام، فانعكس ضوؤها على الطاولة الكبيرة.

كانت رائحة الطعام تملأ المكان.

وقفت آريا بجانب نيكس، تضعان آخر الأطباق على الطاولة.

قالت آريا بفخر:

"انتهينا!"

وضعت نيكس آخر طبق، ثم جلست.

أما ريفن فكان ينظر إلى الطعام وكأنه ينتظر منذ أسبوع.

قالت نيكس:

"لا تلمس شيئًا قبل أن يجلس الجميع."

رفع ريفن يده.

"لم أفعل شيئًا."

نظرت إلى يده.

كان يحمل قطعة خبز.

"ريفن."

أنزلها ببطء.

"...كنت أتأكد فقط إن كانت طرية."

ضحكت آريا.

"دعه، يبدو أنه جائع."

جلس الجميع أخيرًا.

كان والد آريا بجانبها، وكريستين في الطرف الآخر، بينما جلس لوسيان بهدوء في مكانه المعتاد.

بدأ الجميع بالأكل.

وبعد لحظات، قال ريفن بإعجاب:

"هذا الطعام رائع."

نظرت نيكس إليه.

"أي جزء منه صنعته أنا؟"

توقف ريفن.

"آه..."

ضيقت عينيها.

"ريفن."

ابتسم بسرعة.

"كله رائع."

ضحكت آريا.

"محاولة جيدة."

لكن كريستين كانت منشغلة بشيء آخر تمامًا.

نظرت إلى طبق لوسيان.

ثم إليه.

ثم وضعت أمامه كمية إضافية من الطعام.

"كل."

رفع لوسيان عينيه.

"أمي، أنا لست جائعًا."

"لم أسألك إن كنت جائعًا."

وضعت قطعة أخرى في طبقه.

"كل."

نظر لوسيان إلى الطبق.

ثم إلى والدته.

"أنا مصاص دماء."

"وأنا أمك."

ساد الصمت.

ريفن خفض رأسه حتى لا يضحك.

نيكس عضّت شفتها.

أما آريا فكانت تحاول جاهدة ألا تضحك.

قال لوسيان:

"أمي، أنا لم أتناول الطعام بهذه الطريقة منذ—"

قاطعته:

"منذ متى؟"

تردد.

"منذ... فترة."

رفعت حاجبها.

"إذن كل."

أضافت المزيد.

لوسيان نظر إلى آريا بنظرة استغاثة.

آريا رفعت كتفيها.

"اسمع كلام والدتك."

نظر إليها لوسيان بصدمة.

"أنتِ أيضًا؟"

ابتسمت.

"نعم."

كريستين ابتسمت بانتصار.

"أرأيت؟ حتى آريا تعرف أنني محقة."

بدأ لوسيان يأكل أخيرًا.

لكن كريستين بقيت تراقبه.

"ببطء."

توقف.

"أنا آكل ببطء."

"لا، أنت تبتلع الطعام."

"أمي..."

ضحك والد آريا للمرة الأولى منذ وقت طويل.

أما ريفن فلم يستطع منع نفسه من الضحك.

فنظر إليه لوسيان.

"هل هناك شيء مضحك؟"

توقف ريفن فورًا.

"لا، سيدي."

ثم همس:

"لكنني لم أرَ أحدًا يسيطر عليك بهذه السرعة."

سمعته كريستين.

"وأنا أيضًا أستطيع السيطرة عليك إذا أردت."

تجمد ريفن.

ضحكت نيكس.

"احذر، لقد بدأت تختارك."

---

وبينما كان الجميع منشغلين، مدّت نيكس يدها بهدوء نحو طبق ريفن وأخذت منه قطعة صغيرة.

نظر إليها.

"أهذه سرقة؟"

قالت:

"نعم."

"وأنا ماذا أفعل؟"

ابتسمت.

"تسامحني."

تظاهر ريفن بالتفكير.

"سأفكر بالأمر."

اقتربت نيكس قليلًا وقالت:

"يا غراب."

ابتسم ريفن.

"ماذا يا قطة؟"

تبادلا نظرة قصيرة، ثم ضحكا.

كان المشهد بسيطًا جدًا، لكن آريا لاحظت كيف تغيّرت ملامح ريفن عندما نظر إلى نيكس.

ابتسمت لنفسها.

أما لوسيان، فلاحظ ابتسامة آريا.

"ماذا؟"

هزت رأسها.

"لا شيء."

لكنه ابتسم أيضًا.

وللمرة الأولى، بدت قاعة الطعام المظلمة وكأنها مكان مليء بالحياة فعلًا.

كريستين تنظر إلى ابنها كل دقيقة لتتأكد أنه يأكل.

آريا تضحك مع والدها.

نيكس تسرق طعام ريفن.

وريفن يحاول إخفاء ابتسامته.

أما لوسيان...

فكان ينظر إلى آريا بين الحين والآخر.

وكأن وجودها حول تلك الطاولة كان الشيء الوحيد الذي لم يكن يريد أن يختفي أبدًا.

----

كانت كريستين لا تزال تراقب طبق لوسيان، الذي أصبح ممتلئًا بالطعام بشكل مبالغ فيه.

نظر إليه لوسيان بصمت.

ثم نظر إلى أمه.

"أمي... هذا كثير."

أجابته بكل هدوء:

"كل."

تنهد.

"لن أستطيع إنهاءه."

كانت آريا تراقب الموقف وهي تحاول ألا تضحك.

ثم قالت:

"حسنًا... سأساعدك."

نظر إليها لوسيان باستغراب.

"كيف؟"

مدّت يدها وأخذت قليلًا من الطعام من طبقه، ثم وضعته في طبقها.

"هكذا."

توقفت كريستين عن الكلام.

ثم ابتسمت.

"فكرة جيدة."

نظر لوسيان إلى آريا.

"أنتِ فعلًا تأخذين طعامي."

قالت وهي تضحك:

"أساعدك."

أخذت لقمة أخرى.

"ثم إنني أنا ونيكس طبخناه، فلا يجوز أن يضيع."

ضحك والد آريا.

أما ريفن فقال:

"يبدو أن آريا وجدت طريقة لإنقاذ السيد."

رفعت نيكس حاجبها.

"بل أعتقد أنها تريد الطعام فقط."

ضحكت آريا.

"ربما قليلًا."

نظر لوسيان إلى طبقه الذي بدأ ينقص أخيرًا.

ثم قال بهدوء:

"شكرًا."

ابتسمت آريا.

"على الرحب والسعة."

لكن كريستين كانت تراقبهما بابتسامة واسعة.

همست لنفسها:

"حتى الطعام أصبح سببًا ليجلسا بجانب بعضهما."

سمعها لوسيان.

"أمي..."

ضحكت كريستين.

"ماذا؟ أنا سعيدة فقط."

احمر وجه آريا قليلًا، بينما لوسيان اكتفى بتنهد طويل.

وفي الطرف الآخر من الطاولة، همس ريفن لنيكس:

"أعتقد أن السيد لن ينجو من والدته."

أجابته نيكس:

"ولا من آريا."

نظر ريفن إلى طبق لوسيان.

"صحيح."

ثم أخذ لقمة من طبقه هو.

"الحب خطير."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    100

    الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم

  • عروس القصر لأسود    99

    الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ

  • عروس القصر لأسود    98

    الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي

  • عروس القصر لأسود    97

    الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور

  • عروس القصر لأسود    96

    الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،

  • عروس القصر لأسود    95

    الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status