Share

59

last update publish date: 2026-08-26 02:11:04

الفصل التاسع والخمسون

حلّ الليل بهدوء فوق القرية.

بعد يوم طويل، دخلت آريا غرفتها وأغلقت النافذة، ثم استلقت على سريرها وهي تحدق بالسقف.

كان عقلها لا يزال عالقًا عند لوسيان.

تذكرت العلبة التي أرسلتها مع نيكس، وتساءلت إن كان قد أكل منها فعلًا.

ابتسمت بخجل وهي تهمس:

"أتمنى أنك أكلتها..."

ثم أغمضت عينيها.

وببطء، غلبها النوم.

---

وجدت آريا نفسها في حديقة واسعة لم ترَ مثلها من قبل.

كانت السماء صافية، والهواء لطيفًا، والورود منتشرة في كل مكان.

نظرت حولها بدهشة.

ثم سمعت صوتًا مألوفًا.

"تأخرتِ."

استدارت.

كان لوسيان واقفًا خلفها.

ابتسمت فورًا.

"لوسيان!"

ركضت نحوه، لكنه ابتسم وقال:

"كنت أظنك ستبقين في القرية."

عبست.

"وأنت كنت ستنتظرني؟"

"ربما."

ضحكت.

ثم مشت بين الورود، وبدأت تقطف بعضها.

كان لوسيان يسير خلفها بهدوء، وكلما التفتت إليه وجدته يراقبها.

قالت:

"لماذا تنظر إلي هكذا؟"

"لأنك تبدين سعيدة."

ابتسمت.

"لأنك هنا."

ساد الصمت للحظة.

ثم قالت:

"أتعلم؟ أريد أن أبقى هنا إلى الأبد."

لكن لوسيان لم يجب.

توقفت آريا.

التفتت إليه.

"لوسيان؟"

لم يكن هناك.

نظرت حولها.

"لوسيان؟"

ثم سمعت صوتًا خلفها.

التفتت بسرعة.

وفي اللحظة التالية، رأت لوسيان يسقط على الأرض.

شهقت.

ركضت نحوه.

"لوسيان!"

جثت بجانبه، وعندما رأته لم تستطع منع دموعها.

كان يبدو متعبًا للغاية، وملابسه ملطخة بالدماء.

أمسكت بيده.

"لوسيان... افتح عينيك."

لم يجب.

بدأ صوتها يرتجف.

"أرجوك... لا تفعل هذا."

هزته برفق.

"لوسيان!"

كانت الدموع تنزل على وجهها.

"قلت إنك ستبقى معي..."

وضعت يدها على وجهه.

"أرجوك تكلم معي."

لكن عينيه بقيتا مغلقتين.

صرخت باسمه وهي تبكي—

"لوسيان!"

---

استيقظت آريا فجأة.

جلست على السرير بسرعة، وهي تلتقط أنفاسها.

كانت الغرفة مظلمة.

نظرت حولها بارتباك.

لا حديقة.

لا ورود.

ولا لوسيان.

وضعت يدها على صدرها، وكانت أنفاسها سريعة.

"كان حلمًا..."

لكن دموعها كانت لا تزال تنزل.

مررت يدها على وجهها، واكتشفت أنها كانت غارقة بالعرق.

حدقت أمامها لثوانٍ، ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها.

"لماذا حلمت بهذا؟"

حاولت أن تهدأ، لكن صورة لوسيان وهو يسقط أمامها عادت إلى ذهنها.

أغمضت عينيها بقوة.

"هو بخير..."

همست لنفسها.

"لوسيان بخير."

لكن قلبها لم يصدق كلماتها.

وبعد لحظات، مدت يدها نحو الطاولة بجانب سريرها وأمسكت بالوسادة.

ضمتها إلى صدرها، وهمست بصوت مكسور:

"اشتقت لك..."

ثم بقيت مستيقظة حتى بدأ ضوء الفجر يتسلل من النافذة.

ولم تكن تعرف أن في القصر الأسود، وفي اللحظة نفسها تقريبًا...

كان لوسيان قد استيقظ أيضًا من نومه، واضعًا يده على صدره دون أن يعرف لماذا شعر فجأة بقلق غريب تجاه آريا.

---

في القصر الأسود

كان الليل لا يزال هادئًا حين فتح لوسيان عينيه فجأة.

بقي ساكنًا للحظات، يحدق في الظلام، وكأن شيئًا ما أيقظه دون سبب.

رفع يده إلى صدره.

كان هناك شعور غريب...

قلق لم يستطع تفسيره.

جلس على طرف السرير، ثم اتجه نحو النافذة وفتحها.

دخل هواء الليل البارد، وحرك خصلات شعره الأسود المنسدلة حول وجهه.

نظر نحو القرية البعيدة.

"آريا..."

خرج اسمها منه دون أن يشعر.

حاول استخدام قدرته ليتأكد أن كانت بخبر، لكنه توقف.

لم يرد أن يتدخل في مساحتها.

لكنه ظل واقفًا هناك.

وبعد لحظات، تمتم:

"أتمنى أن تكوني بخير."

ثم أغلق النافذة وعاد إلى سريره.

لكن النوم لم يعد إليه.

لأول مرة منذ زمن طويل...

كان لوسيان ينتظر شروق الشمس، فقط ليعرف أن آريا بخير.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    100

    الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم

  • عروس القصر لأسود    99

    الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ

  • عروس القصر لأسود    98

    الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي

  • عروس القصر لأسود    97

    الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور

  • عروس القصر لأسود    96

    الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،

  • عروس القصر لأسود    95

    الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status