مشاركة

58

last update تاريخ النشر: 2026-08-26 02:11:00

الفصل الثامن والخمسون

حلّ المساء فوق القرية، وكانت رائحة الطعام تملأ منزل آريا الصغير.

كانت آريا تقف في المطبخ، تحرك الطعام في القدر بينما كان والدها جالسًا في الصالة.

دخلت نيكس وهي تحمل بعض الأطباق.

"هل تحتاجين مساعدة؟"

ابتسمت آريا.

"لقد انتهيت تقريبًا."

أما ريفن فكان يقف عند الباب وينظر إلى الطعام.

قال:

"رائحته رائعة."

نظرت إليه نيكس.

"لا تبدأ."

"لم أقل شيئًا."

"أعرف نظراتك."

ضحكت آريا.

"دعيه يأكل."

جلس الجميع حول الطاولة.

كان العشاء بسيطًا، لكنه مليء بالضحكات.

والد آريا تحدث عن أيام القرية القديمة، وريفن ظل يبالغ في مدح الطعام، ونيكس كلما سمعته يمدح آريا كانت تعطيه نظرة غاضبة.

وفي نهاية العشاء، بقي قليل من الطعام.

نظرت آريا إليه للحظات.

ثم قالت:

"انتظروا."

ذهبت إلى المطبخ.

وعادت وهي تحمل علبة صغيرة.

وضعت الطعام داخلها بعناية.

نظر ريفن إليها باستغراب.

"لمن هذا؟"

لم تجب فورًا.

ثم قالت:

"لوسيان."

ساد الصمت لثانية.

نظرت نيكس إليها.

"طعامه المفضل؟"

أومأت آريا.

"كنت أطبخه له كثيرًا."

ثم أغلقت العلبة.

"خذيها معك."

نظرت نيكس إلى العلبة، ثم إلى آريا.

"هل تريدين أن أخبره أنها منك؟"

ترددت آريا.

ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.

"نعم."

---

بعد ساعات، عاد ريفن ونيكس إلى القصر.

كان الليل قد غطى الغابة، والقصر الأسود بدا أكثر ظلمة من المعتاد.

دخل الاثنان إلى الصالة.

كان لوسيان هناك وحده.

رفع عينيه عندما سمع خطواتهما.

"عدتما."

أومأ ريفن.

"نعم."

أما نيكس فكانت تحمل العلبة الصغيرة.

نظر لوسيان إليها.

"ما هذا؟"

اقتربت منه.

"طعام."

رفع حاجبه.

"أعرف أنه طعام."

ثم وضعت العلبة أمامه.

"لكن هذا ليس أي طعام."

فتحها.

توقفت حركته.

كانت الرائحة مألوفة.

رائحة الطبق الذي كانت آريا تطبخه له.

ظل ينظر إليه بصمت.

ثم سأل:

"من أين حصلتِ عليه؟"

نظرت نيكس إليه.

"آريا."

تجمد.

كأن اسمها وحده أوقف كل شيء حوله.

رفع عينيه إليها.

"هي..."

توقفت نيكس لحظة.

ثم قالت:

"هي التي طبخته."

خفض لوسيان نظره إلى الطعام.

لم يلمسه.

فقط بقي ينظر إليه.

قال ريفن بهدوء:

"قالت إنه طعامك المفضل."

مرر لوسيان أصابعه على حافة العلبة.

وتذكر آريا وهي تقف في المطبخ.

تتذمر عندما لا يعجبه الطعام.

وتبتسم عندما ينهي طبقه.

وتسرق من طبقه لتساعده على إنهائه عندما أجبرته كريستين على الأكل.

ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.

لكنها اختفت سريعًا.

سأل:

"هل قالت شيئًا آخر؟"

نظرت نيكس إليه.

"قالت إنك يجب أن تأكله قبل أن يبرد."

صمت.

ثم أضافت:

"وقالت..."

ترددت.

"ماذا؟"

"إنها لا تعرف إن كنت ستأكله، لكنها أرادت أن تفعل شيئًا يجعلك تشعر بأنها لم تنسَك."

أغمض لوسيان عينيه.

خفض رأسه قليلًا.

ولم يقل شيئًا.

لكن يده بقيت فوق العلبة.

وكأنه يخشى أن يبعدها فتختفي معها آخر قطعة من آريا.

قال ريفن بهدوء:

"سيدي..."

رفع لوسيان عينيه.

"ماذا؟"

"هي ما زالت تحبك."

لم يجب.

لكن ابتسامته الصغيرة عادت.

ثم أخذ أول لقمة.

وأغمض عينيه للحظة.

كان الطعم كما يتذكره.

ليس لأن الطعام كان مميزًا...

بل لأن آريا هي التي صنعته.

وفي مكان آخر من القرية، كانت آريا جالسة قرب نافذة منزلها.

نظرت إلى السماء.

وهمست:

"أتمنى أن يعجبك."

ولم تكن تعرف أن لوسيان، في اللحظة نفسها، كان يبتسم للمرة الأولى منذ رحيلها.

---

في تلك الليلة، وبعد أن غادر ريفن ونيكس الصالة، بقي لوسيان وحده أمام المدفأة.

كانت علبة الطعام لا تزال أمامه.

نظر إليها طويلًا، ثم أخذ منها لقمة أخرى.

وبعد لحظات، سمع خطوات كريستين تقترب.

وقفت عند الباب، ونظرت إلى الطعام ثم إليه.

ابتسمت بهدوء.

"آريا أرسلته، أليس كذلك؟"

رفع لوسيان عينيه إليها.

"نعم."

اقتربت وجلست أمامه.

"وهل أعجبك؟"

نظر إلى الطبق.

ثم قال:

"إنه كما كانت تطبخه."

ابتسمت كريستين.

"إذن لماذا تبدو حزينًا؟"

سكت لوسيان.

ثم قال:

"لأنني أدركت شيئًا."

"ماذا؟"

خفض عينيه.

"أنني كنت أملك كل شيء حولي... ولم أعرف قيمته إلا عندما رحل."

وضعت كريستين يدها على يده.

"ربما لم يفت الأوان."

نظر إليها.

فابتسمت.

"بعض القلوب تحتاج فقط إلى أن تشعر بأنها اختيرت."

ظل لوسيان صامتًا.

ثم نظر إلى الطعام مرة أخرى، وأخذ لقمة صغيرة.

وقال بهدوء:

"سأنتظر."

رفعت كريستين حاجبها.

"إلى متى؟"

نظر نحو النافذة، حيث كانت القرية بعيدة خلف الغابة.

"حتى تختارني هي."

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عروس القصر لأسود    100

    الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم

  • عروس القصر لأسود    99

    الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ

  • عروس القصر لأسود    98

    الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي

  • عروس القصر لأسود    97

    الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور

  • عروس القصر لأسود    96

    الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،

  • عروس القصر لأسود    95

    الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status