Share

6

last update publish date: 2026-08-03 16:01:57

الفصل السادس.

كانت الأمطار تهطل بغزارة تلك الليلة حتى إن الطريق المؤدي إلى القرى المجاورة أصبح شبه مستحيل للسير فيه. شدَّ والد آريا معطفه حول جسده وهو يحاول حماية البضاعة التي كان يحملها، بينما أخذ يتمتم بضيق:

"يبدو أنني لن أصل قبل حلول الفجر."

لم يكن أمامه سوى متابعة السير والبحث عن مكان يقضي فيه ليلته. كانت الرياح الباردة تعصف بين أشجار الغابة، ومع كل ومضة برق كانت الأشجار تبدو أكثر رهبة من المعتاد.

وفجأة، توقف عن السير عندما وقع نظره على بناءٍ ضخم يقف شامخاً وسط الظلام.

القصر الأسود!

اتسعت عيناه بصدمة، فقد سمع قصص هذا المكان منذ أن كان طفلاً. لم يكن هناك شخص في قرية إيفرهيل لا يعرف الأساطير التي تُروى عنه وعن سيده مصاص الدماء.

"مستحيل... هل وصلت إلى هنا حقاً؟"

ابتلع ريقه بتوتر، واستدار على الفور عازماً على المغادرة، لكنه تجمد في مكانه عندما انفتحت بوابات القصر الحديدية ببطء من تلقاء نفسها.

صريرها المخيف تردد في أرجاء الغابة وكأنه دعوة صريحة للدخول.

شحب وجهه وهو ينظر إلى البوابات المفتوحة.

"هل... هل هذه دعوة من سيد القصر؟"

نظر إلى السماء الممطرة ثم إلى القصر مرة أخرى. لم يكن يملك خياراً آخر، فالعاصفة تزداد سوءاً، والطريق أصبح خطيراً للغاية.

بعد عدة دقائق من التردد، أخذ نفساً عميقاً ودخل إلى القصر.

لكن ما إن وطأت قدماه الداخل حتى أصيب بالذهول.

كان القصر فاخراً بصورة لا تصدَّق. الثريات الكريستالية تزين سقفه المرتفع، والأثاث بدا وكأنه يعود إلى العائلة الملكية نفسها.

والأغرب من ذلك كله أنه لم يجد أي شخص هناك.

"هل سيد القصر غير موجود؟"

فوق إحدى الطاولات وجد وجبة طعام ساخنة وكأنها أعدت خصيصاً له، كما وجد غرفة نوم مجهزة بالكامل، وحتى ملابس جديدة تناسب مقاسه.

شعر بالقشعريرة تسري في جسده.

"هذا أكثر رعباً من وجود شخص يستقبلني!"

رغم خوفه، لم يستطع إنكار أنه كان جائعاً ومتعباً للغاية، لذلك تناول طعامه وارتدى الملابس الجديدة ثم نام وهو يفكر في آلاف الأسئلة التي تدور داخل رأسه.

في صباح اليوم التالي، استيقظ ليجد القصر ما يزال هادئاً بشكل غريب.

وبفضول بسيط، قرر التجول داخله.

كانت الجدران مزينة بلوحات قديمة وتحف نادرة لم يرَ مثلها في حياته. وكلما تقدم أكثر، ازداد اقتناعه بأن ثروة سيد هذا القصر لا تُقدر بثمن.

إلى أن وقع نظره على جوهرة حمراء جميلة موضوعة داخل صندوق زجاجي صغير.

بدت وكأنها تتوهج تحت أشعة الشمس.

"يا لها من جوهرة مذهلة!"

مد يده نحوها بحذر، لكنه سمع فجأة صوت غراب يصرخ بالقرب من أذنه.

"أيها الأحمق! لا تلمسها!"

صرخ الرجل بذعر وسقطت الجوهرة من بين يديه لترتطم بالأرض وتتحطم إلى عشرات القطع الصغيرة.

ساد الصمت في القاعة للحظات.

وفي اللحظة التالية، شعر ببرودة مرعبة تملأ المكان.

رفع رأسه ببطء ليجد رجلاً طويل القامة يقف أمامه مرتدياً ملابس سوداء فاخرة، بينما كانت عيناه الحمراوان تنظران إليه بغضب مخيف.

"هل تعلم كم يبلغ عمر تلك الجوهرة؟"

ارتجف الرجل خوفاً وهو يتراجع عدة خطوات إلى الخلف.

"أ-أنا آسف! لقد كان الأمر مجرد حادث!"

اقترب لوسيان منه بخطوات هادئة ومرعبة في الوقت نفسه قبل أن يقول بصوت بارد:

"ستدفع ثمنها بحياتك."

شحب وجه الرجل على الفور.

"أرجوك! لا تقتلني!"

فكر للحظات ثم قال بسرعة:

"لدي ابنة! إنها تجيد أعمال المنزل والطهي، ويمكنها العمل خادمة لديك لتعوض ما حطمته!"

توقف لوسيان عن السير ونظر إليه للحظات بصمت.

"خادمة؟"

"نعم! أعدك بأنها فتاة مجتهدة ولن تسبب لك أي مشكلة."

فكر لوسيان قليلاً قبل أن يبتسم ابتسامة غامضة لم يفهمها الرجل.

"حسناً، سأقبل عرضك."

اتسعت عينا الرجل بصدمة وعدم تصديق.

"حقاً؟!"

أجاب لوسيان بهدوء:

"أمامك أسبوع واحد فقط لتحضر ابنتك إلى هنا."

لم يكن أي منهما يعلم...

أن تلك الفتاة التي تحدث عنها والدها لم تكن سوى آريا، الفتاة التي أصبحت بالفعل محور اهتمام سيد القصر الأسود منذ زمن.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    30

    الفصل الثلاثين. ساد الصمت في غرفة آريا. كانت مستلقية على السرير، وجهها هادئ رغم أنها فقدت وعيها من شدة التعب والخوف. كانت نيكس تقف بجانبها، تراقب تنفسها بعناية، بينما كان لوسيان واقفًا قرب النافذة. لم يتحرك منذ أن دخل القصر. لم يجلس. لم يسأل عن نفسه. كل تركيزه كان عليها. قالت نيكس بهدوء: "سيدي." لم يرد. أكملت: "آريا بخير." التفت إليها بسرعة. ثم عاد إلى هدوئه. "قلتِ إنها بخير." رفعت نيكس حاجبها. "نعم." ثم نظرت إلى يده التي ما زالت تحمل آثار ما حدث. "لكن أنت لست بخير." خفض نظره إلى يده وكأنه لم يلاحظها. "لا يهم." تنهدت نيكس. "لوسيان." كان استخدام اسمه بهذه الطريقة كافيًا ليعرف أنها جادة. "استخدمت الكثير من طاقتك." بقي صامتًا. تابعت: "وسببت لك الشمس ضعفًا بسبب أنك لم تهتم بنفسك وأنت تنقذها." نظر إليها بنظرة باردة. "كنت سأفعل الأمر نفسه لأي شخص." ابتسمت نيكس قليلًا. "حقًا؟" لم يجب. لأنها تعرفه جيدًا. لو كان شخصًا آخر... لكان فكر قبل أن يندفع. لكن عندما تعلق الأمر بآريا... لم يفكر. قالت نيكس: "تحتاج إلى استعادة

  • عروس القصر لأسود    29

    الفصل التاسع و عشرون. كان لوسيان جالسًا في غرفة المكتب، تحيط به الكتب القديمة والأوراق التي لم ينتهِ من مراجعتها. كان المكان هادئًا كعادته... إلى أن فُتح الباب فجأة. رفع عينيه بهدوء. كانت آريا تقف هناك، تحمل ابتسامة صغيرة على وجهها. "لوسيان." عرف من نبرة صوتها مباشرة أن هناك طلبًا قادمًا. "ماذا تريدين؟" دخلت أكثر. "أريد أن تمشي معي قليلًا." ساد الصمت. نظر إليها لوسيان وكأنه يحاول فهم ما سمعه. "نمشي؟" أومأت بحماس. "نعم." نظر إلى النافذة. كانت الشمس مشرقة في الخارج. ثم عاد ينظر إليها. "آريا..." "نعم؟" "هل نسيتِ أن الشمس في الخارج؟" رمشت. "لا." "أنا مصاص دماء." سكت لحظة ثم أضاف بجدية: "قد أتبخر قبل أن أصل إلى الباب." نظرت إليه آريا لثوانٍ. ثم اقتربت قليلًا، ونظرت إليه بعينيها الواسعتين. "لكنني أريد أن أريك شيئًا." توقف. كان يعرف هذه النظرة. نظرة آريا التي تجعل من الصعب عليه الرفض. تنهد بهدوء. "أنتِ تستغلين ذلك." ابتسمت. "ماذا؟" "نظرة البراءة." ضحكت. "هل تنجح؟" نظر بعيدًا. "...للأسف." ... بعد دقائق، خرج الاثنان من القصر. كانت آريا تحمل مظلة كبير

  • عروس القصر لأسود    28

    الفصل الثامن وعشرون. كان القصر الأسود أكثر هدوءًا من المعتاد ذلك الصباح. كانت آريا تمشي في أحد الممرات الطويلة وهي تحمل بين يديها بعض أدوات التنظيف، بينما كان شعرها البني مربوطًا خلف ظهرها بطريقة بسيطة. كانت تنظر حولها بابتسامة صغيرة. منذ أيام فقط... كانت هذه الممرات تجعلها تشعر بالخوف. أما الآن، أصبحت تعرف كل زاوية فيها. كل نافذة. كل لوحة قديمة. وحتى الأصوات الغريبة التي تصدر أحيانًا من القصر لم تعد ترعبها كما في السابق. "بقي فقط هذا الجزء..." همست وهي تقترب من نهاية الممر. لكن فجأة... تغير شيء. شعرت آريا ببرودة غريبة تمر بجانبها. وقبل أن تفهم ما يحدث... شعرت وكأن قوة غير مرئية دفعتها إلى الخلف. اتسعت عيناها. سقطت الأدوات من يدها. ولم يكن هناك وقت حتى تصرخ. لكن قبل أن تلامس الأرض... وجدت نفسها بين ذراعي شخص آخر. فتحت عينيها بسرعة. كان لوسيان. نظر إليها بملامح جادة، وذراعه كانت تمسك بها بثبات. للحظة... لم تستوعب كيف وصل إليها بهذه السرعة. همست: "لوسيان..." نظر إلى المكان الذي كانت تقف فيه قبل لحظات. ثم عاد ينظر إليها. "هل أنتِ بخير؟" أومأت ببطء. "نعم..

  • عروس القصر لأسود    27

    الفصل السابع وعشرون. عادت آريا إلى غرفتها وهي تحمل مجموعة من الكتب بين ذراعيها. كان بعضها عن تاريخ القصر، وبعضها عن النباتات القديمة، وبعضها مجرد كتب اختارتها لأنها أعجبتها أغلفتها. لكن بين كل تلك الكتب... كان هناك كتاب واحد لم تستطع تجاهله. الكتاب الأسود القديم. منذ أن رأته في المكتبة، شعرت بشيء غريب تجاهه. لم يكن مجرد كتاب مهمل بين الرفوف. كان وكأنه... ينتظر أن يفتحه أحد. وضعته فوق الطاولة بعناية، ثم جلست أمامه. مررت أصابعها فوق الغلاف. كان باردًا بشكل غير طبيعي. "غريب..." همست. لماذا شعرت وكأنها رأته من قبل؟ فتحت الصفحة الأولى ببطء. في البداية، لم تجد سوى كلمات قديمة مكتوبة بحبر داكن. لكن عندما قربت الكتاب من الضوء، لاحظت شيئًا لم تنتبه له سابقًا. كانت هناك جملة صغيرة مخفية بين الزخارف الموجودة على الصفحة. اقتربت أكثر. حاولت قراءتها. لكن الكلمات لم تكن مثل أي لغة تعرفها. كانت حروفًا غريبة، ملتوية، وكأنها كتبت بطريقة مختلفة عن كل الكتب الموجودة في القصر. عبست آريا. "ما هذا؟" قلبت الصفحة. ثم أخرى. لكن كل ما وجدته كان نفس الكتابة الغريبة. لم تفهم حرفًا واح

  • عروس القصر لأسود    26

    الفصل السادس وعشرون. منذ الصباح الباكر، تحولت أروقة القصر الأسود إلى ورشة عمل حقيقية. كانت آريا تحمل سلّة صغيرة مليئة بأقمشة التنظيف، بينما كانت نيكس تمشي بجانبها وهي ترفع كميّ قميصها. قالت نيكس وهي تنظر إلى السقف المرتفع: "أظن أننا سنحتاج أسبوعًا كاملًا." ابتسمت آريا بحماس. "إذن لنبدأ من اليوم." بدأتا أولًا بتنظيف النوافذ الطويلة، ثم الممرات، وبعدها نقلتا بعض المزهريات القديمة إلى أماكن يصلها ضوء الشمس. ولأول مرة منذ سنوات... دخل الضوء إلى أرجاء القصر بوضوح. حتى ريفِن، الذي كان يراقبهما من فوق إحدى الثريات، تمتم باستغراب: "القصر... صار أفتح." ضحكت نيكس وهي تشير إليه بالمكنسة. "بدل أن تراقب، انزل وساعد." تحول ريفِن إلى هيئته البشرية وهبط بخفة. "أنا غراب، ولست عامل نظافة." ابتسمت نيكس بخبث. "إذن سأخبر آريا أنك ترفض مساعدتها." تجمد مكانه. "...أين المكنسة؟" انفجرت آريا ضاحكة. وبعد ساعة... وصلوا إلى المكتبة. كان الغبار يملأ الرفوف القديمة. وقفت آريا على السلم الصغير، تمرر قطعة القماش فوق الكتب. وفجأة... شد انتباهها كتاب سميك للغاية، مغطى بطبقة كثيفة من الغبار. ك

  • عروس القصر لأسود    25

    الفصل الخامس وعشرون. تسللت خيوط الشمس الذهبية من بين ستائر غرفة آريا، لترسم خطوطًا دافئة فوق أرضية الغرفة الخشبية. تحركت آريا ببطء تحت الغطاء، ثم فتحت عينيها بتثاقل. حدقت بالسقف لثوانٍ. الغريب... أنها شعرت براحة لم تشعر بها منذ أن وصلت إلى القصر. وضعت يدها فوق صدرها وهمست لنفسها: "متى... توقفت عن الخوف؟" لم تكن تعرف الإجابة. لكنها كانت تشعر أن القصر، الذي بدا لها في البداية كأنه سجن مظلم، أصبح يحمل شيئًا مختلفًا... شيئًا يشبه الدفء. ابتسمت بخفة وهي نهضت من السرير، رتبت شعرها البني الطويل الذي انسدل على كتفيها كالشلال، ثم ارتدت فستانًا بسيطًا بلون أخضر فاتح. فتحت نافذة الغرفة. دخل الهواء البارد محملًا برائحة الأشجار والندى. تنهدت براحة. "اليوم... سأبدأ." خرجت من الغرفة بخطوات هادئة، بينما كانت أروقة القصر لا تزال ساكنة. وصلت إلى الصالة الرئيسية. كان المكان صامتًا... إلا من صوت خفيف يشبه الخرير. نظرت حولها باستغراب. ثم وقعت عيناها على الأريكة الكبيرة قرب المدفأة. ابتسمت فورًا. كانت نيكس نائمة بهيئة قطة سوداء صغيرة، وقد لفت ذيلها حول جسدها، بينما كانت أذناها تتحركا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status