LOGINالفصل السابع والستون
وصل لوسيان إلى القرية قبل أن تغيب الشمس بقليل. لم يدخل من الطريق الرئيسي. ظهر بين الأشجار كظل أسود، ثم توقف فجأة. كان هناك شيء غير طبيعي. القرية هادئة أكثر مما ينبغي. لا أصوات للباعة، ولا أطفال يركضون في الطرقات، وحتى نباح الكلاب كان غائبًا. رفع لوسيان رأسه. ثم شعر برائحة مألوفة. ريفن. انطلق بسرعة نحو مصدرها. وبين الأشجار، وجده. كان ريفن ملقى على الأرض، وقد تحولت بعض ملامحه إلى هيئته البشرية، بينما كانت ملابسه متسخة وممزقة من أثر المواجهة. تجمد لوسيان. "ريفن." لم يتحرك. اقترب منه بسرعة، وانحنى بجانبه. "ريفن!" فتح ريفن عينيه بصعوبة. "سيدي..." ساعده لوسيان على الجلوس. "ماذا حدث؟" حاول ريفن أن يستعيد أنفاسه. "آريا..." تغير وجه لوسيان فورًا. "أين آريا؟" أغمض ريفن عينيه للحظة. "أخذوها." توقف كل شيء حول لوسيان. "من؟" "مصاص دماء..." رفع ريفن رأسه بصعوبة. "من السلالة القديمة." وقف لوسيان. "أين أخذها؟" "لا أعرف." قبض لوسيان يده بقوة. "كيف اختفت؟" أخبره ريفن بما حدث. عن الرجل الذي ظهر بين الأشجار. عن العلامة التي ظهرت على الشجرة. وعن الضباب الذي أحاط بآريا واختفى بها. ظل لوسيان صامتًا. لكن عينيه كانتا تشتعلان غضبًا. ثم قال: "هل قال اسمه؟" أجاب ريفن: "كاسيان." تجمد لوسيان. كرر الاسم ببطء: "كاسيان..." ثم رفع عينيه نحو الغابة. "كنت أعلم أن السلالة القديمة لن تبقى صامتة إلى الأبد." حاول ريفن الوقوف. "سيدي..." أمسك به لوسيان. "لا تتحرك." "لكن آريا—" قاطعه لوسيان: "سأعيدها." كانت كلماته هادئة جدًا. لكن ريفن عرف تلك النبرة. كانت النبرة التي تظهر عندما يتوقف لوسيان عن التفكير في نفسه. --- بعد دقائق، وصل لوسيان إلى منزل آريا. فتح الباب. كان والدها في الداخل. وما إن رأى وجه لوسيان حتى وقف بقلق. "أين آريا؟" سأل لوسيان مباشرة. تغير وجه الرجل. "ألم تكن معك؟" صمت لوسيان. ثم قال: "كانت مع ريفن." اقترب والد آريا بسرعة. "ماذا حدث؟" "أخذها شخص من السلالة القديمة." جلس والدها على الكرسي وكأن ساقيه لم تعودا تحملانه. "ابنتي..." خفض لوسيان رأسه للحظة. ثم قال: "سأعيدها." نظر إليه والد آريا. "هل تستطيع؟" رفع لوسيان عينيه. "حتى لو اضطررت إلى عبور كل أرض يعيش فيها مصاصو الدماء." ساد الصمت. ثم أضاف: "لن أسمح لأحد أن يستخدمها لتحقيق النبوءة." --- في تلك اللحظة، كانت كريستين في القصر الأسود تقف أمام الكتاب القديم الذي يحوي النبوءة. وضعت يدها عليه بيد مرتجفة. ثم همست: "كاسيان..." كانت تعرفه. وتعرف أنه لم يظهر الآن بالصدفة. رفعت رأسها نحو النافذة. "لوسيان، أسرع..." وفي القرية، وقف لوسيان أمام الغابة. نظر إلى الظلام الممتد أمامه. ثم قال بصوت منخفض: "آريا..." أغمض عينيه للحظة. "تماسكي." ثم تحول إلى ضباب أسود، وانطلق داخل الغابة. هذه المرة... لم يكن ذاهبًا للبحث عنها فقط. كان ذاهبًا لمواجهة السلالة التي حاولت سرقة مستقبلها منه. --- توقف لوسيان في أعماق الغابة. كان الضباب الأسود يحيط به، لكن هذه المرة لم يتابع طريقه. أغمض عينيه. منذ أن عرف باختفاء آريا، حاول استخدام كل قدراته لمعرفة مكانها، لكن آثار كاسيان كانت تخفيها تمامًا. فتح عينيه ببطء. ثم تذكر شيئًا قالته كريستين منذ سنوات: "بعض الروابط لا تحتاج إلى كلمات." وضع لوسيان يده على صدره. "آريا..." أغمض عينيه مجددًا. لم يحاول قراءة أفكارها. بل حاول أن يشعر بها. في البداية لم يجد شيئًا سوى الصمت. ثم... إحساس ضعيف. خوف. ارتباك. وحزن عميق. فتح عينيه فجأة. "وجدتك." استدار نحو جهة معينة من الغابة. كان الإحساس ضعيفًا جدًا، لكنه موجود. كلما فكر بها، أصبح أوضح. تذكر صوتها وهي تناديه. تذكر ضحكتها. تذكر الأيام التي كانت فيها بجانبه في القصر. ثم شعر بشيء آخر. كانت آريا خائفة. شد لوسيان يده. "لا تخافي." لم يكن يعرف إن كانت ستسمعه، لكنه قالها رغم ذلك. "أنا قادم." ثم بدأ الإحساس يختفي. رفع رأسه بسرعة. "لا..." أغمض عينيه مرة أخرى، وركز بكل قوته على ذلك الخيط الخافت الذي يربطه بها. ظهر أمامه للحظة مشهد غامض... جدار حجري أسود. نافذة عالية. وشعاع من ضوء القمر يدخل إلى غرفة مظلمة. ثم اختفى المشهد. فتح لوسيان عينيه. "قلعة..." نظر إلى الاتجاه الذي ظهر فيه المشهد. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة منذ اختفاء آريا. "لن تستطيع إخفاءها عني إلى الأبد." تحول إلى ضباب أسود وانطلق في ذلك الاتجاه. وفي مكان بعيد، كانت آريا جالسة وحدها. رفعت رأسها فجأة. وضعت يدها على صدرها. شعرت بدفء غريب للحظة. وهمست: "لوسيان؟" لم تعرف لماذا قالت اسمه. لكن للمرة الأولى منذ اختطافها... شعرت أنها ليست وحدها.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







