LOGINالفصل الثامن والستون
كان الليل قد ابتلع الغابة بالكامل. تقدم لوسيان بين الأشجار بخطوات سريعة، بينما كان ريفن يطير فوقه، يبحث عن أي أثر للقلعة التي اختفت فيها آريا. لم يتحدث أيٌّ منهما منذ فترة. كان لوسيان مركزًا على ذلك الشعور الغريب الذي يربطه بها. كلما اقترب... أصبح أوضح. خوفها. ارتباكها. ثم فجأة توقف. رفع رأسه. "من هنا." هبط ريفن بالقرب منه وعاد إلى هيئته البشرية. "هل أنت متأكد؟" أجاب لوسيان: "أشعر بها." نظر ريفن إلى الأشجار الكثيفة. "لكن لا يوجد شيء." مد لوسيان يده أمامه. وفجأة ظهرت خطوط سوداء رفيعة في الهواء، كأنها تشق الظلام. تراجعت الأشجار ببطء، وظهرت خلفها بوابة حجرية ضخمة. اتسعت عينا ريفن. "لم تكن موجودة." قال لوسيان: "كانت مخفية." اقترب من البوابة، لكن قبل أن يلمسها ظهرت عليها العلامة نفسها: هلال أسود يتوسطه خط أحمر، وحوله ثلاث نقاط صغيرة. تغير وجه لوسيان. "العلامة..." قال ريفن: "علامة العروس المختارة." لم يجب لوسيان. بل وضع يده عليها. وفي اللحظة نفسها شعر بآريا. --- في داخل القلعة، كانت آريا جالسة قرب النافذة. كانت تحاول أن تبدو قوية، لكنها لم تستطع منع القلق من السيطرة عليها. منذ أن أخبرها كاسيان عن النبوءة، لم يتوقف عقلها عن التفكير. هل كان لوسيان يعرف كل هذا؟ ثم وضعت يدها على صدرها. شعرت بذلك الإحساس مجددًا. ذلك الدفء الغريب. "لوسيان..." رفعت رأسها. ولم تعرف لماذا ابتسمت. --- في الخارج، فتح لوسيان عينيه. قال ريفن: "ماذا حدث؟" أجاب: "هي بخير." ثم نظر إلى البوابة. "لكن هناك شيء آخر." "ماذا؟" "هناك شيء في هذه القلعة مرتبط بالنبوءة." وفي تلك اللحظة، انفتح الباب من تلقاء نفسه. خرج صوت كاسيان من الداخل: "كنت أنتظرك." دخل لوسيان دون تردد. كان الممر مظلمًا، وعلى الجدران نقوش قديمة. تقدم ريفن خلفه. وفجأة توقف لوسيان أمام جدار حجري. كانت عليه صورة قديمة لرجل وامرأة وطفل. اقترب منها. كانت المرأة تشبه كريستين. لكن الرجل... كان أرون. والطفل كان لوسيان. تجمد. "كيف وصلت هذه الصورة إلى هنا؟" ظهر كاسيان في نهاية الممر. "لأنني كنت موجودًا في ذلك الوقت." التفت لوسيان إليه. "كنت تعرف أبي." ابتسم كاسيان. "كنت أعرف عائلتك كلها." ثم أضاف: "وأعرف الحقيقة التي أخفتها كريستين عنك." تغيرت ملامح لوسيان. "ماذا أخفت؟" رفع كاسيان كتابًا قديمًا. "النبوءة التي قرأتها ليست كاملة." ساد الصمت. تقدم لوسيان نحوه. "ماذا قلت؟" فتح كاسيان الكتاب. كانت هناك صفحات ممزقة في منتصفه. قال: "الجزء الذي تعرفه كريستين يتحدث عن الوريث." ثم أشار إلى الصفحات المفقودة. "أما الجزء الآخر... فيتحدث عن الثمن." تجمد لوسيان. "أي ثمن؟" ابتسم كاسيان. "هذا ما ستعرفه عندما تقرأ الصفحة الأخيرة." وفي مكان آخر من القلعة... كانت آريا تسمع أصواتًا تقترب. رفعت رأسها. ثم سمعت صوتًا تعرفه جيدًا. "آريا." توقفت أنفاسها. "لوسيان؟" ولأول مرة منذ اختطافها، شعرت بالأمان. لكنها لم تكن تعرف أن وصول لوسيان لم يكن نهاية الخطر... بل بداية الحقيقة التي أخفاها الجميع عنها لآلاف السنين. --- ساد الصمت في الممر بعد كلمات كاسيان. بقي لوسيان يحدق به، بينما كانت عيناه تزدادان قتامة. قال بصوت منخفض: "أين آريا؟" ابتسم كاسيان. "أصبحتَ مستعجلًا." "أين هي؟" "لن تعرف قبل أن تنتهي هذه المواجهة." في لحظة واحدة، اختفى كاسيان من مكانه. ظهر أمام لوسيان بسرعة خاطفة، ورفع يده موجّهًا ضربة قوية نحوه. رفع لوسيان ذراعه ليصدها، لكن قوة الضربة دفعته إلى الخلف عدة خطوات. احتك حذاؤه بالأرض الحجرية، ثم توقف. مسح طرف فمه، ولاحظ أثرًا بسيطًا من الدم. رفع عينيه إلى كاسيان. "إذن هذا ما اخترته." ضحك كاسيان. "لم آتِ إلى هنا لأتحدث." اندفع الاثنان نحو بعضهما. اصطدمت قوتهما في منتصف الممر، فاهتزت النوافذ القديمة وارتجت الجدران. تراجع ريفن بسرعة. "سيدي!" لكن لوسيان لم يسمعه. كان تركيزه كله على كاسيان. وجه إليه ضربة، فتراجع كاسيان، ثم عاد بسرعة أكبر. هذه المرة تمكن من إصابة لوسيان في كتفه، فترنح للحظة. قال كاسيان: "كنت أظن أن آخر فرد من سلالتك سيكون أقوى." رفع لوسيان رأسه. "وأنا كنت أظن أن رجال السلالة القديمة أكثر ذكاءً." اختفت ابتسامة كاسيان. وفي لحظة، اندفع لوسيان نحوه. أمسك بذراعه وأوقف حركته، ثم دفعه بقوة حتى اصطدم بأحد الأعمدة الحجرية. سقط بعض الغبار من السقف. وقف كاسيان ببطء. "الآن بدأت أراك." قال لوسيان: "أنت لا تعرف شيئًا عني." "بل أعرف." ثم أضاف: "وأعرف نقطة ضعفك أيضًا." تغيرت ملامح لوسيان. "آريا." ابتسم كاسيان. "بالضبط." اندفع لوسيان نحوه بغضب، لكن كاسيان تراجع قبل أن تصله الضربة. ثم قال: "كلما زاد خوفك عليها، أصبحت أسهل في السيطرة." توقف لوسيان. أخذ نفسًا عميقًا. ثم هدأ بشكل مفاجئ. قال: "أنت مخطئ." "حقًا؟" رفع لوسيان عينيه. "حبي لها ليس نقطة ضعف." ثم اختفى من أمامه. وفي اللحظة التالية ظهر خلفه. "بل السبب الذي سيجعلك تخسر." استدار كاسيان بسرعة، لكن لوسيان كان قد أمسكه من كتفه. تواجه الاثنان مجددًا، بينما بدأت قوة غريبة تنتشر في أرجاء القلعة. وفي الغرفة البعيدة، شعرت آريا بتلك القوة. وضعت يدها على صدرها وهمست: "لوسيان..." أما كاسيان، فابتسم رغم المواجهة. "يبدو أنها تشعر بك." شد لوسيان قبضته. "ابتعد عنها." ضحك كاسيان. "إذا أردت استعادتها..." رفع عينيه إليه. "فعليك أولًا أن تعرف الحقيقة كاملة." وفي تلك اللحظة، انفتح باب القاعة خلفهما ببطء... وظهر ضوء أحمر خافت من الداخل. توقف الاثنان عن القتال. نظر لوسيان إلى الباب. ثم قال كاسيان: "لم يحن وقت اكتمال القمر بعد، لكن القلعة بدأت تستجيب له." وتغير وجه لوسيان فورًا. كان أمامهما وقت قصير قبل أن يبدأ التحول الحقيقي.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







