LOGINالفصل الثاني والسبعون
كانت آريا في منزلها ذلك المساء، تحاول أن تشغل نفسها بترتيب بعض الأشياء. كانت تجمع بعض الملابس التي تركها والدها في الصالة، ثم أعادت ترتيب الكتب الصغيرة فوق الرف، بينما كانت أفكارها تعود رغمًا عنها إلى لوسيان. منذ الليلة الماضية، لم تستطع أن تتوقف عن التفكير فيه. كانت غاضبة منه. لكنها كانت قلقة عليه أيضًا. وفجأة... طرقٌ على الباب. رفعت آريا رأسها. توقفت لحظة، ثم اتجهت نحو الباب. "من؟" جاءها صوت مألوف: "أنا، أنتوني." ترددت قليلًا. ثم فتحت الباب. كان أنتوني واقفًا أمامها، وعلى وجهه ابتسامة هادئة. قالت باستغراب: "أنتوني؟ ماذا تفعل هنا؟" "أردت أن أتحدث معك." نظرت إلى الشارع خلفه. "عن ماذا؟" قال: "هناك مكان أريد أن أريكِ إياه." ترددت آريا. "الآن؟" "لن نتأخر." بقيت تنظر إليه. كان يبدو طبيعيًا، ولم يخطر ببالها أن هناك شيئًا خاطئًا. قالت أخيرًا: "حسنًا." أخذت معطفها، وأغلقت الباب، ثم تبعته. --- سارا لبعض الوقت بعيدًا عن وسط القرية. كلما ابتعدا، أصبحت الطرق أكثر ظلمة وأقل ازدحامًا. قالت آريا: "إلى أين نذهب؟" "اقتربنا." بعد دقائق، توقف أنتوني أمام بناء حجري قديم. نظرت آريا إليه باستغراب. "ما هذا المكان؟" "ادخلي." فتحت الباب ودخلت. نزلت عدة درجات إلى أسفل. كان المكان يشبه قبوًا قديمًا، والجدران باردة، والهواء ثقيل. توقفت آريا. "أنتوني..." استدارت نحوه. "لماذا جئت بي إلى هنا؟" لم يجب. وقبل أن تفهم، دفعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفها. شهقت آريا، واندفعت نحو الباب. "أنتوني!" سمعت صوته من الجهة الأخرى. "آريا... لا تحاولي الخروج." ضربت الباب بيدها. "ماذا تفعل؟ افتح الباب!" قال بصوت أكثر برودًا: "غدًا سنذهب إلى القصر الأسود." تجمدت. "ماذا؟" "سننهي وجود مصاص الدماء هناك." اتسعت عيناها. "أنت تتحدث عن لوسيان؟" "نعم." بدأت آريا تشعر بالخوف. "لماذا؟" قال: "لأننا لا نريد أن يستمر نسل مصاصي الدماء." ثم أضاف: "ولا نريد أن يبقى لوسيان قادرًا على تحقيق النبوءة." وضعت آريا يدها على الباب. "أنتوني، أنت لا تعرف ما تفعل!" جاءها صوته من بعيد: "بل أعرف." ثم ابتعد. "وأنتِ جزء مهم من كل هذا، سواء أردتِ أم لا." سمعت خطواته تبتعد. "أنتوني!" لكن لم يجب. جلست آريا على الأرض. كانت الصدمة أكبر من الخوف. لم تستطع فهم كيف تحول الشخص الذي عرفته منذ طفولتها إلى شخص يحتجزها بهذه الطريقة. بدأت دموعها تنزل. "لماذا؟..." ضمت ركبتيها إلى صدرها. "أنا وثقت بك." --- في الطرف الآخر من القرية، بدأ زعيم القرية يجمع الرجال. كانت المشاعل جاهزة، والناس يتحدثون عن القصر الأسود وما يعتقدون أنه خطر يهددهم. لكن والد آريا لم يكن بينهم. عندما سمع ما يخططون له، شعر أن شيئًا غير طبيعي يحدث. أسرع عائدًا إلى منزله. "آريا!" لم يجبه أحد. فتح الباب. كان البيت فارغًا. ظهرت على وجهه علامات القلق. "آريا؟" بحث في الغرف. ثم لاحظ أن معطفها غير موجود. خرج إلى الشارع وسأل أحد الجيران. "هل رأيتم ابنتي؟" أجاب أحدهم: "رأيتها مع أنتوني منذ فترة." تجمد والدها. "أنتوني؟" لم ينتظر. بدأ يبحث عنهما في أرجاء القرية، حتى سأل أحد الرجال عن البناء الحجري القديم في أطراف القرية. عرف المكان. وانطلق نحوه بسرعة. --- في القبو... كانت آريا لا تزال جالسة على الأرض، تمسح دموعها. ثم سمعت صوتًا. "آريا!" رفعت رأسها. عرفت الصوت فورًا. "أبي؟!" اقتربت خطواته من الباب. ثم بدأ يفتحه بصعوبة. وما إن فتحه حتى ركضت آريا نحوه. احتضنها بقوة. "ماذا فعل بكِ؟" انهارت آريا بالبكاء. "أنتوني..." مسح والدها على رأسها. "لن أسمح لأحد بأن يؤذيك." ثم نظر إلى الباب خلفهما بقلق. كان يعرف الآن أن الأمر لم يعد مجرد خلاف بين أهل القرية ومصاصي الدماء. لقد دخلت ابنته في قلب شيء أكبر بكثير. وأصبح عليه أن يحميها... حتى لو اضطر إلى الوقوف في وجه القرية كلها.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







