LOGINبيدٍ مرتجفة قليلاً، فتح داغر الملف القديم بفضول قاتل. تجاوزت عيناه السطور الأولى لتقع على صورة قديمة ومتهالكة.. صورة تجمع طفل صغير لا يتجاوز الثلاث سنوات ، وبجانبه رجل ، وامرأة تحمله بين يديها بحنان. لكن ما جمد الدماء في عروقه وجعله يتسمر في مكانه، هي عينا تلك المرأة! كانت تحمل نفس السحر الغريب.. عين بلون أزرق كالبحر، والأخرى خضراء كأوراق الشجر.. تماماً كعيني غسق!
وقبل أن يستوعب الصدمة أو يقلب باقي أوراق الملف ليفهم السر، تعالت أصوات خطوات ثقيلة ومسلحة تقترب بسرعة. رجال "ليث" يقتحمون المكان! بحركة لا إرادية وسرعة فائقة، طوى داغر الملف وأخفاه، وانسحب كالشبح من ممر خلفي متفادياً الاشتباك. نجح في الخروج من البناية، لكن بمجرد أن تنفس الصعداء، وجد نفسه محاصراً برجال الزعيم الذين كانوا في انتظاره بالخارج. أخذوا منه الملف فوراً قبل أن يكمل قراءته، واقتادوه مباشرة إلى مقر الزعيم. في القصر المظلم، وقف داغر بشموخ معتاد أمام الزعيم الذي رمقه بنظرة تقييمية ثاقبة، ثم قال بصوته الأجش: "ابني اللي مش من دمي.. كنت هقلق عليك، بس لولا إني عارف إنك قدها." ابتسم داغر بثقة وجمود تام، عكس تلك الشخصية المستفزة التي يظهرها مع غسق، وأجاب بنبرة طاعة عمياء: "أنت تؤمر يا باشا.. رقبتي ليك." اقترب الزعيم منه ببطء، وتغيرت ملامحه للصرامة والوعيد، وهمس فحيحاً: "رقبتك دي شكلها مش غالية عليك.. ولا أنا اللي مستاهلش؟" قطب داغر حاجبيه بصدق مصطنع: "ليه بتقول كده يا زعيم؟" انفجر الزعيم بغضب مكبوت: "إديتك حتة بنت، أمانة في رقبتك يا قاهر الأعداء أنت يا راجل! وفي الآخر مقدرتش تحافظ عليها ووقعت في إيد ليث؟" صمت داغر للحظات، ابتلع الكلمات التي كادت أن تخرج. لم يشأ أن يخبره الحقيقة.. لم يرد أن يقول إنها هي من سلمت نفسها طواعية حتى لا يعاقبها. قرر حمايتها في صمت، وقال محاولاً تبرير الموقف ببرود: "معلش يا باشا.. دي قطة بسبع أرواح، ومهما كان ده أخوها ومستحيل يأذيها." اشتد غضب الزعيم، احمرت عيناه وصاح بصوت زلزل الجدران: "أنت لسه هتبررلي؟ أنت تسكت خالص! أنت نسيت نفسك ولا إيه؟ أنت حتة ابن بواب لا راح ولا جه، وأنا اللي عملتك وصنعتك! تروح دلوقتي حالاً وتعمل اللي هقولك عليه من غير كلمة زيادة." أحنى داغر رأسه قليلاً ليخفي ما يدور في عينيه: "تؤمر يا زعيم." قال الزعيم بحسم قاطع: "تروحلها المستشفى وتخطفها..." في غرفة المستشفى الهادئة، شهقة قوية ومفزعة مزقت الصمت. انتفضت غسق في فراشها، تتصبب عرقاً وأنفاسها لاهثة تكاد تخترق صدرها. التفتت حولها برعب لتدرك الحقيقة القاسية.. لقد كان حلماً! مجرد حلم. أبوها الذي رباها لم يكن يمسح على رأسها، لأنه ببساطة قُتل منذ زمن بعيد. لم تتحمل قسوة الواقع ومرارة الفقد التي تجددت، فانهارت حصونها الجليدية التي طالما اختبأت خلفها، ودخلت في نوبة من البكاء الهستيري، دموعها تحرق وجنتيها وهي تنتحب بقهر وضعف لم تعهده قط. في تلك اللحظة، فُتح الباب واندفع "ليث" إلى الداخل بلهفة، قلبه يكاد يتوقف لرؤيتها بهذه الحالة. اقترب منها بسرعة واحتضنها بقوة، يطبطب على ظهرها بحنية بالغة. لكنها لم تهدأ، بل تشبثت بقميصه وصرخت بين دموعها وانهيارها: "قتلته ليه يا ليث؟ في واحدة تقتل جوزها ليه؟ أمك حرمتني من أغلى حاجة في حياتي.. ليه عمرها ما اعتبرتني بنتها وعاملتني زي الأسيرة؟ محدش كان بيحن عليا في الدنيا دي غيرك أنت وبابا، ومع ذلك كانت بتمنعكم تتعاملوا معايا.. ليه كانت بتكرهني كده؟ مش أنا أختك يا ليث؟ مش أنت بتحبني؟" ضمها ليث إلى صدره أكثر، وكأنه يخبئها من العالم أجمع، وقال بلهفة وعشق مدفون: "أكيد.. أنتي أغلى من روحي، ومستحيل أتخلى عنك أبداً." وبينما هي تبكي في أحضانه، كانت عيناه تنظران للفراغ، وحدث نفسه بصوت داخلي يعتصر ألماً وتملكاً: (لازم أخبي عنك الحقيقة للأبد.. لأنك لو عرفتيها هتبعدي عني وتكرهيني، وأنا مش هقدر أعيش من غيرك. حتى لو أنتي مش شايفاني غير أخ ليكي.. المهم إنك تفضلي في حياتي ومتبعديش.) في قصر السيدة ماريا، كانت تقف أمام النافذة بخيلاء، تستمع لتقرير أحد رجالها عن نجاة غسق ووجودها في المستشفى. رمقته ماريا بنظرة مليئة بالغل والحقد المسموم، وقالت بوعيد: "داغر لازم يتجاب حي أو ميت، وغسق تخلصوا منها في المستشفى النهاردة قبل ما ليث ينقلها". لكن ما لم تدركه ماريا، هو وجود ظل يقف خلف الباب الثقيل الموارب. كانت "شغف"، ابنة ماريا، تلك الفتاة الشقراء الرقيقة ذات الملامح الملائكية والقلب الطيب، تقف متسمرة في مكانها. اتسعت عيناها بصدمة مرعبة مما سمعته من والدتها، ولم تستطع السيطرة على نفسها فصدرت منها شهقة عالية ومسموعة. التفتت ماريا فوراً كالأفعى، وبحركة سريعة من يدها أمرت حراسها، ظناً منها أنها إحدى الخادمات تتجسس: "اللي بره ده تخلصوا عليه حالاً.. أياً كان هو مين، مش عايزة له أثر!" في منتصف الليل، سكون تام يغلف غرفة غسق في المستشفى. الإضاءة خافتة جداً، وصوت جهاز نبضات القلب هو الوحيد الذي يقطع الصمت. كانت غسق تغفو نصف غفوة، لكن حواسها المدربة ظلت في حالة تأهب. وفجأة، التقطت أذناها صوت حركة خفيفة جداً، غير طبيعية في الغرفة. بحركة سريعة ومباغتة رغم ألم قدمها، سحبت سلاحها المخفي تحت وسادتها ووجهته مباشرة في الظلام نحو مصدر الصوت. اتسعت عيناها برعب حقيقي وتوتر وهي ترى طيفاً بشرياً يقف أمامها مباشرة في العتمة، وبنبرة مهتزة صرخت: "أنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللي في إيدك ده؟!"كان الصمت مميتًا، لا يقطعه سوى نظرات "الزعيم" الحادة المثبتة على خيال الرجل المقتول أمامه.قال بصوتٍ جهوري هزّ أركان المكان بقوة: "دي آخرة أي حد يشكك في اختياراتي!"التمعت عيناه بقسوة وصرامة وهو يتابع تحذيره: "داغر ده ابني.. ولو أي حد فكر يقول عليه أي كلمة، حتى بينه وبين نفسه، يبقى ميلومش إلا نفسه."قطع هذا الجو المشحون صوت خطوات راكضة تقترب بسرعة جنونية.اقتحم أحد رجاله المكان، يلهث بشدة وأنفاسه تكاد تنقطع، ليصرخ برعب: "الحقنا يا زعيم.. كارثة حصلت.. كارثة!"في مكان آخر، كان التوتر سيد الموقف. وقف "ليث" يطالع غسق بملامح يكسوها الاستغراب والغضب المكتوم.قال بنبرة حادة: "أنا مش فاهم شرط إيه ده اللي أنقذ حياتي! أنا لازم أعرف كل حاجة دلوقتي، لازم تحكيلي كل حاجة."نظرت إليه "غسق" بعينين تملؤهما الشفقة والحنان، واقتربت منه بخطوات مهزوزة.قالت بصوت مكسور: "متخافش يا أخويا، أنا اشتريت حياتنا.. بس الأول عايزاك تهدى وأنا هحكيلك كل حاجة."أغمضت عينيها بألم، وعادت بذاكرتها إلى الوراء.. إلى تلك اللحظة التي قلبت حياتها رأسًا على عقب.(فلاش باك)وقف "داغر" أمامها ببرود تام، برود كان يخفي خلفه بركانً
الفصل العاشر كان جسد "شغف" ينتفض بخفة داخل أحضان والدتها "ماريا". عينيها كانت مفتوحة، لكن عقلها لم يكن في الحاضر أبدًا. انسحبت روحها في ومضة سريعة إلى الماضي القريب، إلى تلك اللحظة التي فقدت فيها وعيها، وسقطت في بئر من الظلام. تذكرت كيف التقطها "زين" قبل أن يرتطم جسدها بالأرض. ضمها بين ذراعيه بقوة، وكأنها أثمن ما يملك في هذه الحياة. رغم فارق العمر بينهما، فهو في الثلاثين وهي في الحادية والعشرين، إلا أنه لم يرها يومًا سوى طفلته الصغيرة. لم تكن بالنسبة له مجرد صديقة أخته، أو ابنة خاله التي ائتمنته والدتها عليها، بل كانت شيئًا أعمق بكثير. وضعها على الفراش برفق شديد. كانت تشعر بكل حركة، بكل همسة، لكن جسدها كان يخونها، يرفض الاستجابة لأي أمر. أعصابها انهارت تمامًا بعد ذلك المشهد البشع، وضغط دماءها هبط إلى أدنى مستوياته. لكن وسط كل هذا الانهيار، شعرت بدفء غريب يتسرب إليها من حضنه. شعرت بخوفه الحقيقي عليها، وهو ما جعلها ترتعب من نفسها ومن مشاعرها. كيف تشعر بكل هذا الأمان معه، وهي تعتبره بمثابة شقيقها الأكبر؟ كيف تتجاهل تحذيرات والدتها المستمرة من الوقوع في حبه؟ ب
الفصل التاسعارتجت جدران القصر الغارق في الفخامة مع عودة "ماريا". صعدت بخطوات حثيثة متجهة إلى غرفة ابنتها، لكنها صادفت فراغًا قاتلًا. قطعت الممرات بعصبية حادة، حتى تصادفت بإحدى الخادمات، فهتفت بحدة وصوت جهوري:"أنتوا ياللي هنا! مش شايفيني بدور على الهانم الصغيرة؟! نادوها، تلاقوها في الجنينة بترسم أكيد!"ارتعدت الخادمة، وأحنت رأسها باعتذار خائف:"آسفة يا ستي.. بس الهانم الصغيرة خرجت ورا حضرتك على طول، كانت عايزاكي في حاجة ولحد دلوقت مرجعتش."تسلل الخوف كالأفعى إلى قلب "ماريا"، لكن كبرياءها القاسي لم يمنعها من أن تنظر إلى الخادمة بنظرات اشمئزاز وقرف، وهتفت بغضب:"ستي؟! آخرتي يتقاللي ستي؟! غوري من وشي مش ناقصاكي!"دفتها بقلة صبر، وسحبت هاتفها تطلب رقم رئيس حراسها. وما إن جاءها الرد حتى قالت بجمود ومزيج من القلق المكتوم:"ألو.. تروح دلوقتي تسأل الرجالة عن البنت اللي قتلوها.. شافوا وشها ولا لأ؟"رد الحارس بفضول:"أوامرك يا هانم.. بس هو في حاجة؟""ميخصكش! أنت تنفذ من سكات ومن غير أسئلة كتير!"أغلقت الهاتف في وجهه، وسحبت مفاتيح سيارتها وانطلقت بها كالمجنونة في شوارع المدينة، تجوب الطرقات بحث
الفصل الثامنتسمرت الكلمات في الهواء بعد أن باحت "غسق" بما يختلج في صدرها، أو هكذا بدا الأمر لـ "داغر". للحظة، شعر وكأن نسمة هواء باردة تسللت إلى قلبه الذي لم يعرف سوى القسوة، أطفأت نيرانه وأنعشت روحه. كانت فرحته بحديثها تتراقص بداخله، لكن كعادته، كان رد فعله أبعد ما يكون عن المتوقع.بدلًا من أن يجيبها، نهض من مكانه بخطوات بطيئة، واقترب منها بشدة حتى لفح أنفاسه وجهها. بدأ يدور حولها كفهد يدرس فريسته، يتأملها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، يفرز كل تفصيلة فيها بنظرات حادة ومربكة. تجمدت "غسق" في مكانها، لم تعرف كيف تتصرف، فقد وضعت نفسها في هذا الموقف ولم تعد تملك طريقًا للتراجع.فجأة، توقف خلفها، وانحنى ليهمس في أذنها بنبرة خشنة ومفاجئة:"بجد؟"من فرط فزعتها وارتباكها، تراجعت خطوة لتتعثر وتفقد توازنها، كادت أن تسقط أرضًا، لولا ذراعاه القويتان اللتان التقطتاها في اللحظة المناسبة، ليسحبها بقوة وعمق إلى أحضانه.تلاقت الأعين، وبدأت أصابعه تتخلل خصلات شعرها بنعومة لا تليق بشراسته المعهودة. كان ينظر إلى كل تفصيلة في وجهها بنظرات عاشق متيم، قبل أن يهمس وهو يتلاعب بأعصابها المنهارة:"يعني إنتِ بت
داخل السيارة التي تشق طريقها في قلب العتمة، كانت شغف تجلس بجوار الضابط، تتحدث بلا توقف كطفلة صغيرة أضاعت لعبتها. كلماتها تسبق أفكارها، وتتذمر من كل شيء، حتى طفح كيله. خفف من سرعة السيارة فجأة، والتفت إليها بنظرة حادة تحمل تحذيراً مبطناً: "اسكتي أحسنلك... بدل ما أسكتك أنا بطريقتي." نبرته الجادة، رغم هدوئها، جعلت شفتيها ترتجفان. وفي لحظة ضعف مفاجئة، تجمعت الدموع في عينيها وانفجرت في البكاء مثل طفلة تائهة قائلة بشهقات متقطعة: "أنا عايزة ماما!" ابتلع الضابط تنهيدة طويلة، واختفت قسوته المصطنعة. راقب ملامحها البريئة المبللة بالدموع، وحدث نفسه في دهشة: "إزاي الملاك والطفلة دي.. تبقى بنت الحية الشريرة دي؟!" لم يحتمل رؤيتها هكذا؛ أوقف السيارة تماماً على جانب الطريق، ومال نحوها ليربت على رأسها بحنان أذاب خوفها في ثوانٍ. تحدث بصوت دافئ ومطمئن: "اهدي... أنا عمري ما اتخليت عنك، وعمري ما خلفت وعدي معاكي، صح؟" نظرت إليه بعينيها الدامعتين، وهزت رأسها ببطء، فسألها محاولاً سحبها من نوبة بكائها: "أنتي تعرفيني من إمتى؟" أجابته ببراءة وصوت متحشرج: "من زمان...." ابتسم ابتسامة خفيفة وأردف: "طيب
كانت الغرفة غارقة في صمت خانق لا يقطعه سوى صوت أنفاس غسق المتسارعة. وقفت أمامه وعيناها محمرتان، لم يكن حزنها على أخيها الراقد في المشفى هو فقط ما يمزقها، بل تلك الكلمات التي ألقاها داغر للتو كحكم إعدام: "جاتني أوامر بتصفيتك".ابتلعت غسق غصتها، ورغم انهيارها الداخلي، حافظت على ما تبقى من تماسكها وقالت بصوت مكسور ولكنه حازم:"كنت عارفة إن النهاية هتكون كده... ده طبيعي في العالم بتاعكم. بس ممكن أعرف حتى إيه السبب؟"أشاح داغر بوجهه بعيداً متجنباً النظر في عينيها، وأجاب ببرود مصطنع:"مش عارف إيه السبب... بس دي الأوامر."هنا، انقطع آخر خيط من ضبط النفس لدى غسق. صرخت في وجهه ودموعها تنهمر:"وأنت إيه؟ مالكش أي لازمة؟! عامل زي الآلة... يقولك يمين تقول حاضر، يقولك شمال تقول حاضر! أنت ليه بتعمل في نفسك كده؟!"كلماتها ضربت وتراً حساساً داخله، جرحت كبرياءه ورجولته التي يختبئ خلفها. اقترب منها بخطوات غاضبة، وعيناه تشتعلان بانفعال غير معتاد:"أنتي شفتيني قتلتك؟! أنا مستحيل أقتل حد من غير وجه حق! بس أنتي عارفة الزعيم وأوامره، وعارفة إن محدش يقدر يقوله لأ... وإلا التمن هيكون حياته!"تراجعت خطوة للخلف،







