Home / التشويق / الإثارة / عينان من فضة وظل لا ينام / ٣٩.ما الذي يمكن أن يفعله الحب بحاكم السُدُم؟

Share

٣٩.ما الذي يمكن أن يفعله الحب بحاكم السُدُم؟

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-28 21:41:18

بدأت الليلة بهدوءٍ ناعم.

هدوء يشبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح فيها الحياة لثراء أن تتنفس دون خوف.

كانت جالسة فوق أرضية المرسم، ساقاها مطويتان أسفلها، بينما تنتشر اللوحات حولها في كل مكان.

كلها له.

آسر.

وجهه.

عيناه الفضيتان.

ملامحه التي أصبحت تحفظها أكثر من ملامحها هي.

أما آسر…

فكان مستلقيًا فوق الأريكة القريبة يراقبها بصمت، إحدى ذراعيه خلف رأسه، بينما عينيه لا تفارقانها منذ أكثر من ساعة.

رفعت ثراء عينيها نحوه أخيرًا.

ثم ابتسمت بخفة.

“هل تنوي مراقبتي طوال حياتي؟”

أجاب بهدوء:

“إن سُمح لي… نعم.”

ارتجف قلبها كعادته كلما قال شيئًا بتلك البساطة المؤذية.

وضعت الفرشاة جانبًا، ثم نهضت واتجهت نحوه ببطء.

كانت تشعر بنظرته تتبعها بالكامل.

وذلك دائمًا يربكها مهما اعتادت عليه.

وحين وصلت إليه…

جلست داخل حضنه مباشرة دون تردد.

كأن جسده أصبح مكانها الطبيعي.

أحاط خصرها بذراعيه فورًا.

وتنهد بهدوء خافت بمجرد أن استقرت فوقه.

لاحظت ذلك.

فابتسمت بخبث خفيف.

“أنت تحب هذا كثيرًا.”

فتح إحدى عينيه ونظر إليها.

“أحبكِ أنتِ.”

احمرّ وجهها فورًا.

فضحك بخفوت.

ثم رفع يده وأبعد خصلة شعر سوداء عن وجهها بحنان شديد.

“ما الذي ترسمينه اليوم؟”

رفعت اللوحة الصغيرة نحوه.

كانت عيناه.

فقط عيناه.

فضيتان وسط الظلام.

ظل ينظر إليها طويلًا دون كلام.

ثم همس أخيرًا:

“حتى الآن… لا أفهم كيف ترينني بهذا الشكل.”

عقدت حاجبيها بخفة.

“أي شكل؟”

مرر أصابعه فوق اللوحة ببطء.

“كأنني شيء جميل.”

شعرت بشيء يؤلم قلبها.

فرفعت يدها ولمست وجهه برفق.

“لأنك جميل فعلًا يا آسري.”

أغمض عينيه للحظة.

وكأن كلماتها ما زالت تربكه رغم كل شيء.

ثم مال نحوها ببطء وقبّل جبينها.

قبلة طويلة هادئة جعلت قلبها يذوب تمامًا.

لكن…

في اللحظة التالية—

تجمّد آسر فجأة.

اختفت الراحة من وجهه بالكامل.

وارتفع نظره نحو باب المرسم مباشرة.

شعرت ثراء بتغيره فورًا.

“آسري؟”

لم يجب.

لكن ذراعيه حولها اشتدتا قليلًا.

ثم…

انخفضت حرارة الغرفة فجأة.

تحركت الظلال فوق الجدران ببطء.

ورائحة الدخان البارد ملأت المكان.

شعرت ثراء بقلبها يخفق بعنف.

لأنها عرفت هذه الطاقة.

وعرفت صاحبها.

بعد ثوانٍ…

تشكلت الظلال قرب الحائط.

ثم خرج منها كيان.

طويلًا كعادته.

مرتديًا معطفه الأسود الداكن، بينما عيناه الفضيتان تتحركان داخل الغرفة سريعًا قبل أن تستقرا على ثراء الجالسة داخل حضن آسر.

رفع حاجبه ببطء.

ثم قال ساخرًا:

“إذن الإشاعات كانت صحيحة فعلًا.”

تنهد آسر بضيق واضح.

“ماذا تفعل هنا يا كيان؟”

لكن كيان تجاهله للحظة.

ونظر إلى ثراء مباشرة.

“مرحبًا يا صغيرة الرسام.”

ابتسمت ثراء بخفة رغم توترها.

“مرحبًا.”

اقترب كيان قليلًا، ثم قال وهو ينظر بينها وبين آسر:

“حسنًا… الآن فهمت لماذا اختفى حاكم السُدُم أشهرًا كاملة.”

ضربه آسر بنظرة باردة.

“كيان.”

رفع كيان يديه باستسلام ساخر.

“ماذا؟ أنا فقط أحاول استيعاب أن الرجل الذي كان يهدد بإحراق ممالك كاملة يجلس الآن يحمل فتاة داخل حضنه وكأنه بطل رواية رومانسية.”

ضحكت ثراء رغماً عنها.

أما آسر…

فنظر إليها بصدمة خفيفة وكأنه غير مصدق أنها تضحك على حسابه.

ثم قال ببرود:

“انتهيت؟”

اختفت السخرية تدريجيًا من وجه كيان.

وهنا فقط شعرت ثراء بأن شيئًا ليس طبيعيًا.

لأن كيان…

بدا مرهقًا.

وعيناه تحملان توترًا حقيقيًا.

لاحظ آسر ذلك أيضًا.

فنهض ببطء، مُنزِلًا ثراء برفق عن ساقيه.

“ما الذي حدث؟”

ساد الصمت لثانية.

ثم قال كيان أخيرًا:

“السُدُم بدأت تشعر بك.”

تجمّدت ملامح آسر بالكامل.

أما ثراء…

فشعرت بقلبها يهبط داخل صدرها.

اقترب كيان أكثر.

“مجلس الظلال بدأ يلاحظ اختفاءك الطويل.”

ثم نظر إلى ثراء للحظة قبل أن يعيد نظره إلى آسر.

“والحاجز بين العالمين يضعف أسرع مما توقعنا.”

عقد آسر حاجبيه.

“كنت أحرص على إخفاء آثاري.”

ضحك كيان بمرارة خفيفة.

“وأنا وسيرين نمحو ما يتبقى منها خلفك.”

اتسعت عينا ثراء قليلًا.

أما كيان فتابع:

“هل تظن أنك الوحيد الذي يخاطر هنا؟”

ساد الصمت.

ثم أكمل بصوت أكثر جدية:

“منذ أشهر ونحن نغطي غيابك.”

بدأ يعدّ على أصابعه ببطء:

“سيرين تحضر اجتماعات المجلس بدلًا منك.”

“أنا أزور تقارير العبور.”

“ونقتل أي أثر لطاقة السُدُم يظهر في عالم البشر.”

نظر مباشرة داخل عيني آسر.

“ونفعل كل ذلك بينما أنت هنا… تعيش كإنسان.”

شعرت ثراء بانقباض داخل قلبها.

لأنها أدركت فجأة…

كم ضحّى الجميع لأجل بقائها معه.

خفض آسر عينيه للحظة.

“كيان—”

قاطعه فورًا:

“لا، دعني أنهي.”

اقترب أكثر.

وعلى الرغم من نبرته الساخرة المعتادة…

كان القلق واضحًا داخل صوته.

“السُدُم بدأت تراقبنا.”

تحركت الظلال حوله بخفة.

“بعض الحراس شعروا بعبورك المتكرر.”

ثم قال أخيرًا:

“ولم يعد الأمر مجرد وقت قبل أن يعرفوا الحقيقة.”

ساد الصمت داخل المرسم.

ثقيلاً.

مؤلمًا.

أما ثراء…

فكانت تنظر إلى آسر بصمت.

وترى لأول مرة حجم الفوضى التي سببها حبها له.

لكن المفاجأة…

أن كيان التفت إليها فجأة.

ونبرته أصبحت أهدأ قليلًا.

“لا تنظري إليه هكذا.”

رمشت بدهشة.

“ماذا؟”

تنهد كيان.

“كأنه يتحمل كل شيء وحده.”

نظر نحو آسر بسخرية خفيفة.

“رغم أنه عنيد بشكل يثير الرغبة في قتله أحيانًا.”

ظهرت ابتسامة صغيرة رغماً عن ثراء.

أما آسر…

فبقي صامتًا.

ثم قال أخيرًا:

“قل ما جئت لأجله.”

اختفت أي بقايا للمزاح من وجه كيان.

وقال بهدوء خطير:

“اترك عالم البشر لبعض الوقت.”

شحب وجه ثراء فورًا.

أما آسر…

فتحولت عيناه إلى برودة مرعبة.

“لا.”

“آسر.”

“قلت لا.”

تدخلت ثراء بخفوت:

“آسري…”

نظر إليها فورًا.

وذلك وحده كان كافيًا ليجعل كيان يزفر بضيق.

“يا إلهي… أنت واقع بعمق فعلًا.”

ضربه آسر بنظرة قاتلة.

لكن كيان تجاهلها.

ثم قال بجدية:

“أنا لا أطلب منك تركها.”

نظر إلى ثراء للحظة.

“بل أحاول منع السُدُم من إيجادها.”

ساد الصمت.

ثم تابع:

“الرابطة بينكما أصبحت واضحة.”

عقدت ثراء حاجبيها.

“أي رابطة؟”

هذه المرة…

نظر إليها كيان مباشرة.

وعيناه لمعتا بقلق حقيقي.

“رائحتك بدأت تختلط بطاقة السُدُم.”

شعرت بقشعريرة تسري داخل جسدها.

أما آسر…

فتصلب بالكامل.

اقترب كيان ببطء.

“حين دخلت هنا… استطعت الشعور به فورًا.”

ثم قال بصوت منخفض:

“إن استمرت الرابطة بالنمو… ستعتبرك السُدُم جزءًا من آسر.”

توقفت أنفاس ثراء.

“ماذا يعني ذلك؟”

ساد الصمت للحظة.

قبل أن يجيب كيان بهدوء مخيف:

“يعني أنها لن تراك بشرية بعد الآن.”

ارتجف قلبها بعنف.

أما آسر…

فتحرك فورًا نحوها.

أمسك يدها بقوة وكأنه يمنع الخوف من الوصول إليها.

لكن كيان لم ينتهِ.

“وحين يحدث ذلك…”

نظر إلى آسر مباشرة.

“لن يسمحوا ببقائها حية.”

تحولت الغرفة إلى صمت مرعب.

شعرت ثراء بأن الهواء اختفى من حولها.

أما آسر…

فبدأت الظلال تتحرك حوله بعنف تدريجي.

علامة غضبه.

لكن كيان لم يتراجع.

بل اقترب أكثر وقال بصوت حاد:

“لهذا جئت.”

ثم أضاف:

“أنا وسيرين نستطيع الاستمرار بحمايتكما لبعض الوقت… لكن ليس للأبد.”

رفع عينيه نحو آسر.

“إما أن تجد حلًا…”

ثم نظر إلى ثراء.

“أو ستصل السُدُم إليها.”

ولأول مرة منذ زمن طويل…

شعرت ثراء بالخوف الحقيقي من المستقبل.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٢٣.البوابة التي تناديها

    بدأ الدم ينزل من أنف آسر ببطء.قطرة سوداء داكنة اختلطت بخيط فضي لامع، ثم سقطت فوق الأرضية السوداء أمامه.لكن ثراء شعرت بها داخلها هي أيضًا.شهقت فجأة ووضعت يدها فوق صدرها.ألم حاد اخترق قلبها للحظة.أما آسر…فبقي واقفًا بصمت.كأن الأمر طبيعي.وهذا كان أكثر ما أرعبها.“آسر…”خرج اسمه منها هامسًا ومخ

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٢٢.الدم الذي يربط الأرواح

    اخترق الرمح كتف آسر بعنف.الصوت وحده جعل ثراء تشهق وكأن النصل اخترقها هي.وللحظة…شعرت بالألم داخل جسدها فعلًا.حارق.حاد.كأن النار انفجرت في كتفها الأيسر.صرخت دون وعي وسقطت على ركبتيها وهي تمسك كتفها بقوة.أما آسر…فتجمد مكانه للحظة قصيرة جدًا.ليس بسبب الجرح.بل بسبب صرختها.التفت إليها فورًا.

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٢١.حين اقتحم الموت الأبواب

    انفجر الباب الأسود العملاق بعنف هائل.الصوت وحده جعل القاعة كلها ترتجف.شهقت ثراء وتراجعت خطوة غريزية بينما تناثرت الشظايا السوداء عبر الأرضية اللامعة، والخيوط الفضية فوق الجدران تحولت إلى لون أحمر قاتم كأن المكان ينزف.ثم…دخلوا.في البداية ظنتهم ظلالًا فقط.لكن حين اقتربوا أكثر…أدركت أنهم ليسوا

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٢٠.الوريثة الأخيرة

    “ولماذا أشعر أنني كنتُها…؟” خرج السؤال من ثراء بصوت مرتجف ومكسور، بينما الألم يشتعل داخل رأسها كأن أحدهم يحاول تمزيق عقلها إلى نصفين. كانت الصور لا تتوقف. بوابة فضية هائلة. سماء تحترق. امرأة بعينين فضيتين تشبهها بشكل مرعب. ثم آسر… دائمًا آسر. واقفًا قرب تلك المرأة. ينظر إليها بنفس النظرة

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status