Compartir

٤١.الغابة التي تسمع الخوف

Autor: أ.أ
last update Fecha de publicación: 2026-05-29 18:17:43

لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.

حتى الهواء بدا مختلفًا.

أثقل.

أبرد.

ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.

كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.

لا شمس.

لا قمر.

فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.

أما الصمت…

فكان مرعبًا.

صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.

وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.

ولأول مرة منذ عرفته…

لاحظت أنه متوتر فعلًا.

ليس غضبًا.

ولا حذرًا عاديًا.

بل توتر حقيقي.

كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.

همست بخفوت:

“آسري…”

نظر إليها فورًا.

وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.

“هل أنتِ بخير؟”

رغم خوفها…

ابتسمت بخفة.

“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”

اقترب منها فورًا.

ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.

“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”

ارتجف قلبها بعنف.

حتى هنا…

حتى في هذا المكان المخيف…

ما يزال ينظر إليها بتلك الطريقة التي تجعلها تشعر أنها أهم شيء في الوجود.

خفضت عينيها للحظة ثم همست:

“أنت مرهق.”

صمت قليلًا.

ثم قال بهدوء:

“لأنني خائف.”

اتسعت عيناها.

لأن آسر…

لا يعترف بالخوف.

أبدًا.

رفع نظره نحو الغابة المظلمة حولهما.

ثم قال بصوت منخفض:

“هذه أول مرة منذ قرون أشعر أن هناك شيئًا يمكن أن يُنتزع مني.”

شعرت بشيء يؤلم قلبها.

فاقتربت منه أكثر.

ثم أمسكت يده ببطء.

“لن أذهب إلى أي مكان.”

أغمض عينيه للحظة طويلة.

وكأن كلماتها تضعف شيئًا داخله.

ثم جذبها نحوه فجأة.

احتضنها بقوة حتى شعرت بنبض قلبه العنيف تحت صدرها.

دفن وجهه داخل شعرها وهو يهمس بصوت متعب:

“لا تعديني بأشياء قد يكسرها القدر.”

ارتجفت أنفاسها.

لكنها رفعت ذراعيها وأحاطت عنقه برفق.

“إذن سنكسر القدر أولًا.”

ضحك بخفوت قرب أذنها.

ضحكة صغيرة جدًا…

لكنها حقيقية.

تحركا داخل الغابة بعد ذلك بفترة قصيرة.

كان آسر يسير أمامها قليلًا، ممسكًا يدها بإحكام وكأنه يخشى أن تبتلعها العتمة إن تركها لحظة واحدة.

أما ثراء…

فكانت تنظر حولها بدهشة ممزوجة بالخوف.

كل شيء هنا حي بطريقة غريبة.

الأشجار تتحرك ببطء شديد رغم غياب الريح.

الضباب يلتف حول الأقدام كأنه يراقبهما.

وأحيانًا…

كانت تسمع همسات بعيدة جدًا.

همسات غير مفهومة.

توقفت فجأة.

“هل سمعت هذا؟”

استدار آسر فورًا.

“ماذا؟”

“شخص… كان يتحدث.”

ساد الصمت.

ثم اقترب منها أكثر.

“لا تستمعي لهم.”

شعرت بالقشعريرة.

“لمن؟”

نظر نحو الضباب للحظة قبل أن يجيب:

“الأرواح العالقة.”

شحب وجهها قليلًا.

أما هو…

فشدّ يدها أكثر.

“هذه الغابة تحفظ بقايا كل من مات بين العالمين.”

توقفت أنفاسها.

“هذا ليس مطمئنًا إطلاقًا.”

ظهرت ابتسامة خافتة فوق شفتيه رغم توتره.

“لهذا لم أرد إحضارك إلى هنا يومًا.”

نظرت إليه بخفوت.

“لكنك فعلت.”

خفض عينيه نحو أصابعهما المتشابكة.

ثم قال بصوت هادئ جدًا:

“لأن فكرة خسارتكِ أصبحت أكثر رعبًا من أي مكان.”

ارتجف قلبها بعنف.

أما هو…

فأكمل السير وكأنه لم يقل شيئًا خطيرًا للتو.

بعد وقت طويل…

وصلا إلى بحيرة غريبة وسط الغابة.

مياهها سوداء بالكامل، لكنها تعكس السماء الفضية فوقها كمرآة.

وحولها تنتشر أزهار فضية صغيرة مضيئة.

توقفت ثراء ببطء.

“يا إلهي…”

كان المكان جميلًا بشكل غير طبيعي.

هادئًا.

ومخيفًا في الوقت نفسه.

قال آسر بهدوء:

“لن يجدونا بسهولة هنا.”

ثم أشار نحو كوخ صغير بعيد بين الأشجار.

“يمكننا البقاء لبعض الوقت.”

نظرت إليه بدهشة.

“هناك كوخ هنا؟”

أومأ بخفة.

“كنت آتي إليه قديمًا.”

سارت بجانبه حتى وصلا إلى الكوخ.

كان صغيرًا، مبنيًا من خشب أسود داكن، تغطيه نباتات فضية متسلقة.

أما داخله…

فكان دافئًا بشكل مفاجئ.

مدفأة حجرية.

أرفف مليئة بكتب قديمة.

وطاولة خشبية قرب نافذة كبيرة تطل على البحيرة.

شعرت ثراء بدهشة حقيقية.

“أنت تملك مكانًا كهذا؟”

خلع معطفه الأسود ببطء.

ثم قال:

“حين كنت أريد الهروب من السُدُم… كنت آتي إلى هنا.”

توقفت أنفاسها.

لأول مرة…

ترى جانبًا من وحدته القديمة بهذا الوضوح.

اقتربت منه ببطء.

“وكنت تأتي وحدك دائمًا؟”

نظر إليها طويلًا.

ثم قال بصوت منخفض:

“حتى جئتِ أنتِ.”

شعرت بشيء دافئ يذيب قلبها بالكامل.

فابتسمت بخفوت.

ثم خلعت معطفها هي أيضًا وجلست قرب المدفأة.

أما آسر…

فبقي واقفًا يراقبها بصمت.

كانت النار تنعكس فوق بشرتها البيضاء وشعرها الأسود الطويل بطريقة جعلتها تبدو كحلم هادئ وسط هذا العالم المظلم.

وفجأة أدرك شيئًا مرعبًا.

أنه بدأ يتخيل مستقبلًا معها بشكل جدي.

بيت.

أيام هادئة.

وحياة لا تحتوي على الدم والظلال.

وهذا بالتحديد ما قد يدمره.

بعد قليل…

كانت ثراء جالسة فوق الأرض قرب المدفأة، بينما يديها ممدودتان نحو النار.

أما آسر…

فكان يعدّ شيئًا يشبه الشاي داخل المطبخ الصغير.

راقبته بصمت للحظات.

ثم ابتسمت دون وعي.

لاحظ ذلك فورًا.

“ماذا؟”

هزت رأسها بخفة.

“لا شيء.”

اقترب منها حاملًا كوبين.

ثم جلس بجانبها.

لكن بدلًا من إعطائها الكوب فقط…

سحبها لتجلس بين ذراعيه أولًا.

شهقت بخفة وهي تضحك.

“آسري!”

لفّ ذراعه حول خصرها بإحكام.

“هكذا أفضل.”

ضحكت أكثر.

أما هو…

فكان يراقب ضحكتها وكأنه مهووس بها.

ناولها الكوب أخيرًا.

فأخذته وهي ما تزال مبتسمة.

ثم همست بعد لحظة:

“أحبك هكذا.”

رفع حاجبه.

“كيف؟”

استدارت قليلًا نحوه.

“هادئًا.”

توقفت يداه للحظة.

أما هي فتابعت بخفوت:

“حين تكون معي… أشعر أنك تتنفس للمرة الأولى.”

شيء داخل عينيه اهتز بعنف.

لأنها فهمته.

بطريقة لم يفعلها أحد من قبل.

خفض رأسه قليلًا حتى أصبحت شفتيه قرب صدغها.

ثم همس:

“لأنكِ أول مكان شعرت فيه بالأمان.”

امتلأت عيناها بالدموع فورًا.

لكن قبل أن تتكلم—

تجمد آسر فجأة.

اختفت الراحة من ملامحه بالكامل.

ثم نهض بسرعة.

“ابقَي هنا.”

شعرت بالخوف فورًا.

“ماذا حدث؟”

لم يجب.

بل اتجه نحو باب الكوخ ببطء.

الظلال بدأت تتحرك حوله مجددًا.

ثم…

وصل الصوت.

صوت خطوات.

بطيئة.

ثقيلة.

قادمة من خارج الكوخ.

تسارعت أنفاس ثراء.

أما آسر…

فأصبحت عيناه فضيتين متوهجتين بالكامل.

ثم انفتح باب الكوخ ببطء وحده.

والضباب الفضي تسلل إلى الداخل.

وفي وسطه…

ظهرت امرأة طويلة ترتدي ثوبًا فضيًا داكنًا، وشعرها الأبيض الطويل ينسدل حتى خصرها.

وعيناها الفضيتان الهادئتان تحركتا داخل الكوخ بسرعة قبل أن تستقرا على آسر.

ثم قالت بهدوء:

“كنت أعلم أنني سأجدكما هنا.”

اتسعت عينا ثراء فورًا.

“سيرين…”

تحركت عينا سيرين نحوها مباشرة.

وللمرة الأولى منذ دخولها…

ظهرت ابتسامة خفيفة جدًا فوق شفتيها.

ابتسامة نادرة.

هادئة.

“أراكِ بخير… هذا جيد.”

شعرت ثراء براحة غريبة فور سماع صوتها.

لأن سيرين…

كانت من القلائل داخل السُدُم الذين لم يجعلوها تشعر أنها دخيلة.

تذكرت كيف وقفت بجانبها هناك.

كيف كانت تحميها بصمت.

وكيف كانت دائمًا تهدئ غضب آسر وكيان حين يشتد الوضع.

لكن آسر لم يكن هادئًا مثلها.

بل اقترب خطوة فورًا.

“كيف وجدتِ هذا المكان؟”

نظرت إليه سيرين ببرود خفيف.

“لأنني ما زلت أذكى منك.”

تنهد بضيق.

أما ثراء…

فضحكت بخفة رغماً عنها.

نظرت إليها سيرين للحظة.

ثم قالت بهدوء ساخر نادر:

“أجل، حتى أنتِ بدأتِ تضحكين عليه.”

رمش آسر ببطء وكأنه غير مصدق أن الجميع بدأوا يتحدون ضده.

لكن التوتر عاد سريعًا حين أغلقت سيرين الباب خلفها.

واختفت الابتسامة من وجهها تمامًا.

“الوضع يزداد سوءًا.”

ساد الصمت فورًا.

ثم تابعت وهي تتقدم داخل الكوخ:

“كيان أخبرني أنه تحدث إليكما… لكنه لم يخبركما بكل شيء.”

تصلب آسر.

“سيرين.”

لكنها تجاهلته.

ونظرت مباشرة إلى ثراء.

“الحراس بدأوا يتحركون رسميًا.”

شحب وجه ثراء قليلًا.

أما سيرين فأكملت:

“قبل ساعات… تم إرسال متتبعي الظلال إلى عالم البشر.”

عقدت ثراء حاجبيها بخوف.

“للبحث عني؟”

هذه المرة…

ساد الصمت للحظة أطول.

قبل أن تجيب سيرين بهدوء صريح:

“للبحث عنكما.”

شعرت ثراء بقلبها ينقبض.

أما آسر…

فبدأت الظلال تتحرك بعنف خفيف حول قدميه.

علامة غضبه.

لكن سيرين اقتربت منه مباشرة وقالت بحدة هادئة:

“توقف عن النظر إليّ بهذه الطريقة وكأنني عدوك.”

ثم أضافت:

“أنا وكيان نمحو آثارك منذ شهور بينما أنت تختفي هنا معها.”

خفض آسر عينيه للحظة.

لكن ثراء انتبهت لشيء آخر.

الإرهاق.

سيرين أيضًا كانت مرهقة.

وكأنها لم تنم منذ وقت طويل.

سألتها بخفوت:

“هل… أنتما بخير؟”

نظرت إليها سيرين بدهشة خفيفة.

كأنها لم تتوقع أن تسألها هي عن ذلك.

ثم تنهدت بهدوء.

“لسنا مهمين الآن.”

لكن ثراء هزت رأسها فورًا.

“بل أنتما مهمان.”

ساد الصمت داخل الكوخ.

أما سيرين…

فظلت تنظر إليها لثوانٍ طويلة.

قبل أن تقترب منها أخيرًا.

ثم رفعت يدها ولمست شعر ثراء الأسود الطويل برفق نادر.

“لو كنا نكرهك… لما خاطرنا بكل شيء لحمايتك.”

ارتجفت عينا ثراء فورًا.

لأنها شعرت بصدق كلماتها بالكامل.

أما آسر…

فبقي صامتًا وهو يراقبهما.

وشيء غريب يتحرك داخل صدره.

دفء لم يعرفه منذ قرون.

لأن الأشخاص الوحيدين الذين بقوا بجانبه طوال حياته…

يقفون الآن بجانب المرأة التي يحبها أيضًا.

وكأن عالميه أخيرًا التقيا بدل أن يتصارعا.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٩.ما الذي يمكن أن يفعله الحب بحاكم السُدُم؟

    بدأت الليلة بهدوءٍ ناعم.هدوء يشبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح فيها الحياة لثراء أن تتنفس دون خوف.كانت جالسة فوق أرضية المرسم، ساقاها مطويتان أسفلها، بينما تنتشر اللوحات حولها في كل مكان.كلها له.آسر.وجهه.عيناه الفضيتان.ملامحه التي أصبحت تحفظها أكثر من ملامحها هي.أما آسر…فكان مستلقيًا فوق

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٨.الشيء الوحيد الذي يخشاه حاكم السُدُم

    مرّت الأيام التالية بهدوء غريب.هدوء لم تعتده ثراء في حياتها.لا كوابيس تمزق نومها.لا ذلك الشعور الثقيل بأن شيئًا يراقبها من العتمة.ولا الوحدة التي كانت تبتلعها كل ليلة منذ طفولتها.لأن آسر أصبح هنا.جزءًا من أيامها.من تفاصيلها الصغيرة.من أنفاسها نفسها.حتى إنها أحيانًا كانت تنسى أنه ليس بشريًا

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٧.حين يصبح الخوف حبًا

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعد أن غفت ليان في الخارج، وحتى بعد أن هدأ المطر، وحتى بعد أن خمدت أصوات المدينة تمامًا…بقيت مستيقظة بين ذراعي آسر.تفكر.كلماته ما زالت تدور داخل رأسها بلا رحمة.“قد أموت.”كلما تذكرتها شعرت بشيء ينهار داخل صدرها.كانت مستلقية فوقه، بينما يده تمر ببطء داخل شعرها الطويل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٦.ما بين ذراعيك يهدأ العالم

    كان المطر يهطل بهدوء تلك الليلة. قطرات ناعمة تضرب زجاج النوافذ بإيقاعٍ مريح، بينما المدينة بأكملها غارقة في سكونٍ رمادي ثقيل. أما داخل شقة ثراء… فكان العالم مختلفًا تمامًا. دافئًا. هادئًا. وممتلئًا بشيء لم تعرفه ثراء يومًا قبل آسر. الحنان. استيقظت ثراء قرب الفجر على إحساس ناعم يتحرك داخل ش

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status