Share

٣٤.ما يشبه الحياة

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-28 07:53:40

حين استيقظت ثراء في صباح اليوم التالي…

للحظة قصيرة جدًا، ظنت أن ما حدث الليلة الماضية لم يكن سوى حلم آخر.

حلم طويل، جميل، وقاسٍ بما يكفي ليترك قلبها فارغًا بعده.

لكنها شعرت فورًا بشيء دافئ يلتف حول خصرها.

وتوقفت أنفاسها.

فتحت عينيها ببطء شديد.

ضوء الصباح الخافت كان ينساب عبر الستائر، يغمر الغرفة بلون ذهبي هادئ، بينما الهواء البارد القادم من النافذة يحمل رائحة المطر.

أما خلفها…

فكان آسر.

حقيقيًا.

مستيقظًا.

وذراعه ملتفة حولها بإحكام كأنه يخشى أن تستيقظ وتختفي.

شعرت بثقل صدره خلف ظهرها، وبأنفاسه الهادئة قرب شعرها.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة…

استيقظت ثراء دون خوف.

دون ذلك الانقباض المؤلم داخل صدرها.

بل بشعور غريب يشبه الأمان.

ظلّت ساكنة للحظات، تستمتع فقط بإحساس وجوده.

ثم همست بصوت ناعس خافت:

“آسري…”

شعرت به يتحرك قليلًا خلفها.

ثم انخفض وجهه قرب عنقها أكثر، وهمس بصوت أجشّ دافئ:

“صباح الخير… يا صغيرتي.”

ارتجف قلبها بعنف عند طريقته في قولها.

استدارت ببطء داخل ذراعيه حتى أصبحت تواجهه.

وكانت تلك أسوأ فكرة ممكنة لقلبها.

لأنه بدا ساحرًا بصورة مؤلمة.

شعره الأسود الطويل منسدل فوق كتفيه، وعيناه الفضيتان نصف مغمضتين من أثر النوم، بينما كانت ملامحه القاسية أكثر هدوءًا من المعتاد.

حدقت فيه طويلًا.

طويلًا جدًا.

كأنها ما تزال غير مصدقة أنه هنا فعلًا.

رفع يده ببطء، ثم مرر أطراف أصابعه فوق خدها برفق شديد.

“لماذا تنظرين إليّ هكذا؟”

ابتسمت ابتسامة صغيرة ناعسة.

“لأنني أخشى أن أستيقظ.”

تغيّرت نظراته فورًا.

شيء مؤلم مر داخل عينيه للحظة.

ثم اقترب أكثر حتى لامست جبهته جبهتها.

وهمس:

“لن أختفي مجددًا.”

أغمضت عينيها فورًا.

وكأن الكلمات نفسها عناق.

بعد ساعة…

كانت ثراء داخل المطبخ، تحاول إعداد القهوة بينما آسر يقف مستندًا إلى الرخام القريب يراقبها بصمت.

أو بالأصح…

يراقب كل حركة تقوم بها كأنها شيء يفتنه.

شعرت بنظرته فوقها طوال الوقت حتى بدأت تتوتر فعلًا.

التفتت إليه أخيرًا وهي تحاول إخفاء ارتباكها:

“لماذا تحدق بي هكذا؟”

مال رأسه قليلًا دون أن يبعد عينيه عنها.

“لأنني أستطيع أخيرًا.”

احمرّ وجهها فورًا.

فابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.

وكانت تلك الابتسامة كافية لتجعل قلبها يتخبط داخل صدرها بجنون.

حاولت تجاهله وعادت لتحريك القهوة، لكن بعد ثوانٍ شعرت بذراعين تلتفان حول خصرها من الخلف.

شهقت بخفة.

أما آسر فدفن وجهه قرب شعرها وأغمض عينيه للحظة.

“آسري…”

قالتها بخجل مرتبك.

لكنه همس بهدوء:

“دعيني أعتاد أنكِ هنا.”

ارتعشت أنفاسها.

ثم استرخت تدريجيًا داخل احتضانه.

كانت تلك أول مرة في حياتها تشعر أن أحدًا يحتضنها دون أن يريد شيئًا منها.

لا شفقة.

لا مصلحة.

لا أذى.

فقط…

لأنه يحبها.

أغمضت عينيها للحظة، وأسندت ظهرها أكثر إلى صدره.

فشدد ذراعيه حولها فورًا.

وكأنه وجد مكانه أخيرًا.

حين جاءت ليان ظهرًا…

كان آسر مختفيًا.

لكن ثراء كانت مختلفة بشكل واضح.

فتحت لها الباب وهي ترتدي فستانًا منزليًا أبيض بسيطًا، وشعرها الطويل مرفوع بشكل فوضوي، بينما كانت ملامحها أكثر إشراقًا من أي وقت مضى.

توقفت ليان أمامها مباشرة وحدقت فيها بصدمة.

“من أنتِ… وماذا فعلتِ بثراء؟”

ضحكت ثراء بخفة.

“ماذا؟”

دخلت ليان وهي ما تزال تحدق بها بشك.

“أنتِ تبتسمين.”

“وهل هذا ممنوع؟”

ضيّقت ليان عينيها.

“بل مريب جدًا.”

حاولت ثراء إخفاء توترها وهي تشعر بنظرة آسر عليها من الظلال القريبة.

كان موجودًا.

تشعر به بوضوح.

رائحته الخافتة حولها.

ونظراته التي لم تغادرها لحظة.

قالت ليان وهي تجلس فوق الأريكة:

“لكنني سعيدة لرؤيتك هكذا.”

أخفضت ثراء عينيها قليلًا.

“أنا… أشعر بتحسن فقط.”

راقبتها ليان طويلًا، ثم تنهدت براحة واضحة.

“هذا كل ما أريده.”

شعرت ثراء بوخزة خفيفة داخل قلبها.

لأنها تخفي عنها الحقيقة.

لكن كيف يمكنها شرح وجود رجل من عالم آخر يعيش بين ظلال شقتها ويحتضنها كل ليلة؟

مستحيل.

ولهذا ابتسمت فقط وغيرت الموضوع.

أما آسر…

فكان يقف قرب باب المرسم يراقبهما بصمت.

وحين رأى ابتسامتها…

شعر بشيء دافئ وغريب داخل صدره.

شيء لم يعرفه منذ قرون.

السكينة.

في المساء…

كانت ثراء تجلس داخل المرسم ترسم، بينما آسر مستلقٍ فوق الأريكة القريبة يراقبها.

أشعة الغروب البرتقالية تسللت عبر النوافذ الكبيرة، وانعكست فوق شعرها الأسود الطويل بطريقة جعلتها تبدو كلوحة حية.

أما هي…

فكانت تشعر بنظرته طوال الوقت.

التفتت إليه أخيرًا وهي ترفع حاجبها بخفة:

“أنت لا تمل من التحديق؟”

أجابها بهدوء تام:

“لا.”

ضحكت بخجل.

ثم عادت للرسم.

لكن بعد دقائق قالت دون أن تنظر إليه:

“تعال هنا.”

رفع حاجبه قليلًا.

“أين؟”

ربتت على المقعد الخشبي قربها.

“أريد رسمك وأنت قريب.”

اقترب ببطء.

ثم جلس قربها.

قريب جدًا.

لدرجة أنها استطاعت الشعور بحرارة جسده قربها.

ارتبكت للحظة، لكنّها حاولت التركيز على اللوحة أمامها.

رفعت الفرشاة وبدأت ترسم ملامحه.

عينيه.

أنفه الحاد.

شفتيه.

والطريقة التي ينظر بها إليها دائمًا وكأنها شيء ثمين بشكل لا يصدق.

لكن المشكلة…

أن وجوده قربها جعل قلبها غير قادر على الهدوء.

وفجأة شعرت بأصابعه تزيح خصلات شعرها خلف أذنها برفق.

توقفت يدها فورًا.

“آسري…”

همست بها دون وعي.

فأجاب بهدوء:

“همم؟”

التفتت إليه ببطء.

وكان قريبًا جدًا الآن.

قريبًا لدرجة أن أنفاسهما اختلطت.

شعرت بحرارة وجهها تزداد.

أما هو…

فكان ينظر إليها بتلك النظرة التي تذيب كل مقاومة داخلها.

ثم قال بصوت منخفض:

“أنتِ جميلة جدًا حين ترتبكين.”

شهقت بخفة وضربته بالفرشاة الصغيرة فوق كتفه.

فضحك.

ضحكة خافتة عميقة جعلت قلبها يرتجف.

تجمدت ثراء للحظة وهي تنظر إليه بذهول.

“أنت تضحك…”

رفع حاجبه.

“وهل هذا ممنوع؟”

هزت رأسها ببطء.

“لم أسمعك تضحك هكذا من قبل.”

خفَتَت ابتسامته قليلًا.

ثم نظر إليها طويلًا قبل أن يقول:

“لأنني لم أكن سعيدًا قبل أن أعرفك.”

توقفت أنفاسها.

وشعرت بقلبها يذوب ببطء داخل صدرها.

اقتربت منه دون وعي.

ثم قبّلته برقة.

قبلة قصيرة وناعمة.

لكن آسر أمسك خصرها فورًا وجذبها إلى حضنه.

شهقت وهي تستقر فوق ساقيه.

أما هو…

فأحاط وجهها بيده ونظر إليها كأنها أعظم معجزة رآها في حياته.

ثم قبّلها مجددًا.

ببطء هذه المرة.

بحنان موجع.

قبلة جعلتها تشعر وكأنه يحاول أن يقول كل ما يعجز عنه بالكلمات.

حين ابتعد عنها أخيرًا…

كانت أنفاسها مضطربة.

أما هو فأسند جبينه إلى جبينها وهمس:

“لا تعتادي هذا كثيرًا…”

رمشت بارتباك.

“ماذا؟”

ابتسم ابتسامة صغيرة.

“وإلا سأصبح مدمنًا عليكِ بالكامل.”

ضحكت بخجل، ثم دفنت وجهها داخل عنقه هربًا من نظراته.

فضمها إليه أكثر.

وأغمض عينيه للحظة طويلة.

كأن احتضانها وحده يكفي لإخماد كل الحروب داخله.

في الليل…

كانت ثراء مستلقية فوق السرير، بينما رأسها فوق صدر آسر مباشرة.

ذراعه ملتفة حولها بإحكام.

وأصابعه تمر ببطء داخل شعرها الطويل.

الغرفة مظلمة إلا من ضوء القمر الفضي.

أما هي…

فكانت تشعر براحة لم تعرفها طوال حياتها.

همست بصوت ناعس:

“آسري؟”

“همم؟”

رفعت عينيها نحوه ببطء.

“هل ستبقى معي الليلة أيضًا؟”

نظر إليها آسر طويلًا.

ثم مرر أصابعه فوق خدها بحنان شديد.

“سأبقى معكِ دائمًا.”

ارتجف قلبها بعنف.

أما هو…

فشدد ذراعيه حولها أكثر.

وظل يراقبها بصمت حتى بدأت عيناها تثقلان بالنعاس.

ثم فجأة قالت بصوت طفولي خافت:

“لا تدع الكوابيس تأخذني.”

شعر بشيء يتمزق داخله.

لأنها قالتها بخوف حقيقي.

خوف طفلة لم يحمها أحد يومًا.

فانحنى ببطء…

وطبع قبلة طويلة فوق جبينها.

ثم همس قرب شعرها:

“لن أسمح لشيء أن يؤذيكِ ما دمتُ هنا.”

استرخت داخل حضنه فورًا.

وبعد دقائق قليلة…

غفت أخيرًا.

لكن آسر لم ينم.

بقي مستيقظًا يحتضنها بصمت، وعيناه معلقتان بوجهها النائم.

كان يراقب طريقة تنفسها الهادئة.

وحركة أصابعها الصغيرة وهي متشبثة بقميصه أثناء النوم.

وشعر بشيء غريب ومؤلم داخل صدره.

شيء يشبه الخوف.

لأنها أصبحت تعني له أكثر مما ينبغي.

أكثر بكثير.

مرر يده فوق شعرها بحنان شديد.

ثم دفن وجهه قرب رأسها وأغمض عينيه.

ولأول مرة منذ قرون طويلة…

شعر آسر بأنه لا يريد شيئًا من هذا العالم…

سوى أن يبقى هكذا معها إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status