Home / التشويق / الإثارة / عينان من فضة وظل لا ينام / ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

Share

٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-29 22:07:21

لم تنم ثراء تلك الليلة.

حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…

ظل عقلها مستيقظًا.

كلمات آسر.

نظرة سيرين.

اسم الملك القديم.

كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.

كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.

أما آسر…

فلم يكن بجانبها.

شعرت بذلك فورًا.

فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.

الغرفة فارغة.

لكن رائحته…

ما تزال هنا.

رائحة المطر والدخان البارد.

وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.

ثم نهضت بهدوء.

خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.

وهناك…

رأته.

كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.

ظهره إليها.

والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.

توقفت للحظة تتأمله بصمت.

حتى من بعيد…

كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.

فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.

وفور أن اقتربت—

قال دون أن يلتفت:

“كان يجب أن تنامي.”

ابتسمت بخفة.

“وأنت؟”

ساد الصمت.

ثم قال بهدوء:

“الحراس لا ينامون كثيرًا.”

اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.

كانت البحيرة تعكس صورتهما معًا بشكل غريب، كأن الماء لا يعكس الحقيقة كاملة.

نظرت إليه بخفوت.

“أنت تفكر فيه… أليس كذلك؟”

عرف فورًا من تقصد.

الملك القديم.

أغمض عينيه للحظة قصيرة.

ثم فتحهما مجددًا وهو يحدق في الماء الأسود.

“حين قتلته… ظننت أن كل شيء انتهى.”

شعرت بثقل صوته.

“لكنه لم ينتهِ.”

ضحك بخفوت مرير.

“الأشياء المظلمة لا تموت بسهولة.”

راقبته ثراء للحظات طويلة.

ثم رفعت يدها ببطء وأمسكت أصابعه الباردة.

التفت إليها أخيرًا.

وعيناه الفضيتان بدتا متعبتين جدًا.

همست:

“لن تواجهه وحدك.”

شيء داخل نظرته اهتز بعنف.

ثم رفع يدها نحو شفتيه وقبّلها برفق شديد.

“أخشى أن تكوني أنتِ الشيء الوحيد الذي لا أستطيع حمايته.”

ارتجف قلبها.

لكن قبل أن ترد—

انفجر شيء داخل الغابة.

صوت هائل شقّ الصمت فجأة.

تلاه اهتزاز عنيف تحت الأرض.

شهقت ثراء بفزع.

أما آسر…

فتحول فورًا.

اختفى دفء عينيه تمامًا.

وأصبحت الظلال تتحرك حوله بعنف مرعب.

في اللحظة التالية—

خرجت سيرين من الكوخ بسرعة.

“آسر!”

لكنها توقفت فورًا حين شعرت بالطاقة التي ملأت المكان.

شحب وجهها.

“لا…”

التفت آسر نحو الغابة البعيدة.

ثم همس بصوت منخفض خطير:

“لقد وجدنا.”

في اللحظة التالية—

ظهرت دائرة فضية ضخمة بين الأشجار.

بوابة.

لكنها لم تكن مثل بوابات آسر.

هذه البوابة كانت مشوهة.

مظلمة.

وكأن شيئًا فاسدًا يحاول شق العالمين بالقوة.

بدأ الضباب يتحرك بعنف.

والأشجار نفسها ارتجفت.

ثم…

خرج أول شخص منها.

رجل طويل يرتدي درعًا فضيًا داكنًا، وعيناه فارغتان تمامًا.

تلاه آخر.

ثم آخر.

حتى أصبحوا عشرة.

حراس.

لكن شيئًا بهم كان خاطئًا.

همست سيرين بصدمة:

“مستحيل…”

عقدت ثراء حاجبيها بخوف.

“ما هؤلاء؟”

لكن آسر أجاب وهو يحدق بهم ببرود مرعب:

“موتى.”

تجمد الدم داخل عروقها.

أما الحراس…

فبدأوا يقتربون ببطء.

خطواتهم موحدة.

صامتة.

مرعبة.

شعرت ثراء بيد آسر تسحبها خلفه فورًا.

“ابقَي خلفي.”

لكن أحد الحراس توقف فجأة.

ثم رفع رأسه ببطء شديد.

وعيناه الفارغتان استقرتا مباشرة على ثراء.

ثم—

ابتسم.

ابتسامة مشوهة مرعبة.

وخرج صوته كأنه عدة أصوات مختلطة معًا:

“وجدناك أخيرًا…”

ارتجفت أنفاسها بعنف.

أما آسر…

فانفجرت الظلال حوله بشكل هائل.

حتى اهتزت الأرض تحت أقدامهم.

وفي اللحظة التالية—

اختفى من مكانه.

ظهر مباشرة أمام أول حارس.

ثم اخترقت يده صدره بعنف.

تناثر الظل الأسود داخل الهواء بدل الدم.

لكن المفزع…

أن الحارس لم يسقط.

بل أمسك ذراع آسر فجأة.

واتسعت ابتسامته المشوهة.

“هو يريد رؤيتك…”

اتسعت عينا سيرين.

“آسر ابتعد عنه!”

لكن الأوان كان قد فات.

لأن الظلال السوداء بدأت تنتقل من جسد الحارس إلى ذراع آسر.

شهقت ثراء.

أما آسر…

فأطبق أسنانه بعنف ثم مزق الحارس نصفين بقوة مرعبة.

انفجر جسده إلى دخان أسود.

لكن بقية الحراس بدأوا يتحركون أسرع.

وفي لحظة—

كانوا يهاجمون دفعة واحدة.

انفجرت المعركة بعنف.

الظلال.

الضوء الفضي.

الأرض المرتجفة.

صرخات الأرواح داخل الغابة.

كل شيء تحول إلى فوضى مرعبة.

رأت ثراء آسر يتحرك بينهم كالإعصار.

وحشًا كاملًا.

لا يشبه الرجل الذي يحتضنها ليلًا بحنان.

بل شيء خُلق للحرب.

كانت الظلال تلتف حول جسده، وعيناه الفضيتان تتوهجان بعنف بينما يسقط الحراس واحدًا تلو الآخر.

لكنهم…

كانوا ينهضون مجددًا.

صرخت سيرين:

“إنهم مربوطون به!”

التفت إليها ثراء بفزع.

“بمن؟!”

لكنها عرفت الإجابة قبل أن تنطق سيرين بها.

“الملك القديم.”

وفي اللحظة التالية—

ظهر صوت.

ضحكة منخفضة جدًا.

لكنها ملأت الغابة كلها.

تجمد الجميع.

حتى الحراس توقفوا.

أما آسر…

فاتسعت عيناه ببطء شديد.

لأنه يعرف هذا الصوت.

يعرفه جيدًا.

ثم…

بدأ الضباب الأسود يتجمع قرب البحيرة.

يتكثف ببطء.

حتى تشكلت هيئة رجل طويل.

شعره أبيض فضي طويل.

رداء أسود ممزق.

وعينان فضيتان…

تشبهان عيني آسر بشكل مرعب.

شعرت ثراء بالبرد يجتاح جسدها بالكامل.

أما سيرين…

فتراجعت خطوة دون وعي.

لأول مرة منذ عرفتها ثراء…

بدت خائفة فعلًا.

الرجل نظر أولًا إلى آسر.

ثم ابتسم ببطء.

“كبرت جيدًا… أيها الوريث.”

ساد الصمت.

أما آسر…

فوقف بلا حركة.

لكن الظلال حوله كانت تثور بعنف غير طبيعي.

قال الرجل بصوت هادئ مخيف:

“اشتقت إليك.”

ثم تحركت عيناه نحو ثراء.

وفي اللحظة التي رآها فيها…

توقفت ابتسامته.

وصمت للحظة طويلة.

طويلة جدًا.

كأنه يشعر بشيء غريب داخلها.

ثم همس أخيرًا:

“آه…”

اقترب خطوة بطيئة.

والغابة كلها اهتزت معه.

“لهذا السبب عدتَ إلى الحياة.”

شعرت ثراء بقلبها يخفق بعنف.

أما آسر…

فتحرك فورًا ووضع نفسه أمامها بالكامل.

يحجبها عنه.

حركة غريزية.

حامية.

لكن الملك القديم ابتسم مجددًا.

ابتسامة باردة جدًا.

ثم قال بهدوء:

“إذن… هذه هي نقطة ضعفك.”

في اللحظة التالية—

انفجرت الظلال حوله فجأة.

اندفعت نحو ثراء بسرعة هائلة.

لكن آسر كان أسرع.

ظهر أمامها فورًا، ورفع يده بعنف.

فاصطدمت الظلال بحاجز فضي هائل اهتزت له الغابة بأكملها.

تراجع آسر نصف خطوة.

فقط نصف خطوة.

لكن ثراء رأت الدم الأسود يسيل ببطء من زاوية فمه.

اتسعت عيناها بفزع.

“آسري!”

أما الملك القديم…

فابتسم أكثر.

“أنت أضعف مما توقعت.”

اشتعلت عينا آسر بعنف مرعب.

ثم قال بصوت منخفض خطير:

“اقترب منها مرة أخرى… وسأمزق روحك هذه المرة.”

ضحك الرجل.

ضحكة باردة جعلت الهواء نفسه يرتجف.

“ما زلت تتحدث كحاكم…”

ثم مال رأسه قليلًا.

“لكن قلبك لم يعد قلب حاكم.”

في تلك اللحظة—

اندفع أحد الحراس الموتى نحو ثراء من الخلف.

شهقت دون أن تنتبه له إلا متأخرة.

لكن سيرين ظهرت أمامه مباشرة.

وفي حركة سريعة…

غرست خنجرها الفضي داخل عنقه.

انفجر جسده إلى غبار أسود.

ثم التفتت نحو ثراء بعينين حادتين.

“ركزي!”

أومأت ثراء بسرعة بينما قلبها يكاد يخرج من صدرها.

لكن نظرها عاد فورًا إلى آسر.

كان يقف أمام الملك القديم الآن.

وجها لوجه.

وكأن العالم كله اختفى حولهما.

قال الملك بهدوء:

“أتعلم ما يثير شفقتي؟”

لم يرد آسر.

فابتسم الآخر.

“أنك أخيرًا فهمت معنى الحب… في الوقت الخطأ.”

تحركت الظلال بعنف حول آسر.

علامة غضبه.

أما الرجل فأكمل:

“حين أحببتَها… انتهى أمرك.”

ثم نظر إلى ثراء مباشرة.

نظرة جعلت الدم يتجمد داخل عروقها.

“لأن كل شيء يحبه حاكم السُدُم… يصبح لعنة.”

“اصمت.”

خرج صوت آسر مرعبًا هذه المرة.

لكن الملك القديم تجاهله.

“هل أخبرتها كيف ماتت والدتك؟”

تجمد آسر بالكامل.

أما ثراء…

فاتسعت عيناها بصدمة.

وسيرين همست فورًا:

“لا…”

لكن الرجل ابتسم ببطء.

“قتلت نفسها.”

شهقت ثراء.

أما آسر…

فاهتزت الظلال حوله بشكل عنيف جدًا.

“قلت اصمت.”

لكن الملك اقترب خطوة أخرى.

“لأنها أحبت.”

توقف العالم للحظة.

ثم تابع بصوت هادئ كالسُم:

“وكل من يحب في هذا العالم… يموت.”

وفي اللحظة التالية—

انفجر شيء داخل آسر.

طاقة هائلة سوداء وفضية انفجرت من جسده بعنف مرعب حتى تحطمت الأشجار القريبة.

شهقت ثراء وهي ترفع ذراعها تحتمي من العاصفة.

أما سيرين…

فأغمضت عينيها بألم.

لأنها تعرف هذا جيدًا.

تعرف ماذا يحدث حين يفقد آسر السيطرة.

ظهر أمام الملك القديم في ثانية واحدة.

ثم أمسك عنقه بعنف هائل.

وعيناه لم تعودا بشريتين إطلاقًا.

“لا تنطق عنها حرفًا آخر.”

لكن الملك القديم…

رغم ذلك…

ابتسم.

وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة تحديدًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٩.ما الذي يمكن أن يفعله الحب بحاكم السُدُم؟

    بدأت الليلة بهدوءٍ ناعم.هدوء يشبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح فيها الحياة لثراء أن تتنفس دون خوف.كانت جالسة فوق أرضية المرسم، ساقاها مطويتان أسفلها، بينما تنتشر اللوحات حولها في كل مكان.كلها له.آسر.وجهه.عيناه الفضيتان.ملامحه التي أصبحت تحفظها أكثر من ملامحها هي.أما آسر…فكان مستلقيًا فوق

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٨.الشيء الوحيد الذي يخشاه حاكم السُدُم

    مرّت الأيام التالية بهدوء غريب.هدوء لم تعتده ثراء في حياتها.لا كوابيس تمزق نومها.لا ذلك الشعور الثقيل بأن شيئًا يراقبها من العتمة.ولا الوحدة التي كانت تبتلعها كل ليلة منذ طفولتها.لأن آسر أصبح هنا.جزءًا من أيامها.من تفاصيلها الصغيرة.من أنفاسها نفسها.حتى إنها أحيانًا كانت تنسى أنه ليس بشريًا

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٧.حين يصبح الخوف حبًا

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعد أن غفت ليان في الخارج، وحتى بعد أن هدأ المطر، وحتى بعد أن خمدت أصوات المدينة تمامًا…بقيت مستيقظة بين ذراعي آسر.تفكر.كلماته ما زالت تدور داخل رأسها بلا رحمة.“قد أموت.”كلما تذكرتها شعرت بشيء ينهار داخل صدرها.كانت مستلقية فوقه، بينما يده تمر ببطء داخل شعرها الطويل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٦.ما بين ذراعيك يهدأ العالم

    كان المطر يهطل بهدوء تلك الليلة. قطرات ناعمة تضرب زجاج النوافذ بإيقاعٍ مريح، بينما المدينة بأكملها غارقة في سكونٍ رمادي ثقيل. أما داخل شقة ثراء… فكان العالم مختلفًا تمامًا. دافئًا. هادئًا. وممتلئًا بشيء لم تعرفه ثراء يومًا قبل آسر. الحنان. استيقظت ثراء قرب الفجر على إحساس ناعم يتحرك داخل ش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status