Home / التشويق / الإثارة / عينان من فضة وظل لا ينام / ٣٦.ما بين ذراعيك يهدأ العالم

Share

٣٦.ما بين ذراعيك يهدأ العالم

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-28 08:06:14

كان المطر يهطل بهدوء تلك الليلة.

قطرات ناعمة تضرب زجاج النوافذ بإيقاعٍ مريح، بينما المدينة بأكملها غارقة في سكونٍ رمادي ثقيل.

أما داخل شقة ثراء…

فكان العالم مختلفًا تمامًا.

دافئًا.

هادئًا.

وممتلئًا بشيء لم تعرفه ثراء يومًا قبل آسر.

الحنان.

استيقظت ثراء قرب الفجر على إحساس ناعم يتحرك داخل شعرها.

فتحت عينيها ببطء شديد.

الضوء الخافت القادم من الخارج كان بالكاد يكشف ملامح الغرفة، لكنّها لم تحتج إلى الرؤية كي تعرف أنه مستيقظ.

كانت نائمة فوق صدره تمامًا، بينما أصابعه تمر ببطء داخل خصلاتها السوداء الطويلة، بحركة هادئة ومتكررة أشبه بمن يحاول طمأنة شيء يخشى كسره.

رفعت وجهها قليلًا نحوه.

آسر كان مستندًا إلى ظهر السرير، وعيناه الفضيتان معلقتان بها بصمت غريب.

كأنه لم ينم طوال الليل.

همست بصوت ناعس:

“هل بقيت مستيقظًا مجددًا؟”

لم يجب فورًا.

بل مرر إبهامه فوق خدها برفق شديد.

ثم قال:

“كنت أراقبك فقط.”

ارتجف قلبها بخفة.

“وهل أنا ممتعة لهذه الدرجة؟”

ظهرت ابتسامة صغيرة فوق شفتيه.

“أكثر مما تتخيلين.”

احمرّ وجهها قليلًا، لكنها اقتربت أكثر حتى عادت تستقر فوق صدره.

وأغمضت عينيها.

كان قلبه ينبض ببطء وثبات تحت أذنها.

صوت دافئ.

مطمئن.

شيء لم تعتد وجوده يومًا.

قالت بخفوت بعد لحظات:

“أتعلم؟”

“همم؟”

ابتسمت وهي ما تزال مغمضة العينين.

“حين أنام هكذا… لا أرى الكوابيس.”

تجمدت يداه للحظة قصيرة داخل شعرها.

ثم شدّ ذراعه حولها أكثر.

حتى التصقت به تمامًا.

ولم يقل شيئًا.

لكن ثراء شعرت بشيء ثقيل داخل صمته.

شيء يشبه الألم.

بعد ساعات…

كانت ثراء تقف داخل المطبخ تعدّ الإفطار، بينما آسر يجلس فوق الرخام القريب منها يراقبها بصمت.

كانت ترتدي قميصًا ضيقاً بلونٍ كريمي، لا يصل حتى إلى منتصف فخذيها، وشعرها مربوط بشكل فوضوي أعلى رأسها.

وبالنسبة لآسر…

بدت أخطر على قلبه من أي شيء عرفه في حياته.

قالت فجأة وهي تقطع الفاكهة:

“أنت تحدق بي مجددًا.”

“أنتِ جميلة حين تطهين.”

ضحكت بخفة.

“أنا لا أطبخ، أنا أقطع الفراولة.”

“إذن أنتِ جميلة حين تقطعين الفراولة.”

استدارت إليه ببطء.

“هل ستجعل كل شيء أقوله يبدو رومانسيًا؟”

أجابها بهدوء قاتل:

“حين يتعلق الأمر بكِ… نعم.”

شعرت بحرارة وجهها ترتفع فورًا.

فأخفضت عينيها محاولة إخفاء ارتباكها.

لكنها سمعت ضحكته الخافتة بعدها.

ضحكة قصيرة عميقة جعلت قلبها يذوب حرفيًا.

اقتربت منه وهي تحمل قطعة فراولة صغيرة.

“افتح فمك.”

رفع حاجبه.

“تأمرينني؟”

ابتسمت بخبث خفيف.

“نعم.”

حدق فيها لثوانٍ طويلة.

ثم فتح فمه أخيرًا وأخذ القطعة من بين أصابعها ببطء متعمد.

لكن بدلًا من الابتعاد…

أمسك يدها.

وعيناه لم تتركا عينيها لحظة.

ثم قبّل أطراف أصابعها برفق شديد.

شهقت أنفاسها بخفة.

أما هو…

فهمس دون أن يبعد شفتيه عنها:

“أحب كل شيء يخصكِ.”

شعرت بقلبها ينهار بالكامل.

فضحكت بخجل وهي تسحب يدها بسرعة.

“آسري…!”

ابتسم فقط.

وكان واضحًا أنه يستمتع بإرباكها أكثر مما ينبغي.

في الظهيرة…

اضطرت ثراء للنزول قليلًا لشراء بعض الأدوات الخاصة بالرسم.

وفي العادة كانت تكره الخروج وحدها.

لكن هذه المرة…

كان آسر معها.

حتى لو لم يره أحد.

كانت تسير داخل الشارع المزدحم، بينما حقيبتها معلقة فوق كتفها، وعيناها تتحركان بين المحال بشرود خفيف.

لكنها كانت تشعر به قربها طوال الوقت.

أحيانًا يمر الهواء البارد قرب عنقها.

وأحيانًا تشم رائحته فجأة وسط الزحام.

فتبتسم دون وعي.

حتى البائع داخل متجر الأدوات الفنية لاحظ ذلك.

قال مبتسمًا:

“يبدو أن يومكِ سعيد يا آنسة ثراء.”

انتبهت لنفسها بسرعة.

“ماذا؟”

ضحك الرجل بخفة.

“تبتسمين طوال الوقت.”

احمرّ وجهها قليلًا.

أما آسر…

فكان يقف خلفها مباشرة.

وعيناه مثبتتان عليها بطريقة جعلت الظلال حوله تتحرك ببطء.

لقد أحب رؤيتها هكذا.

خفيفة.

هادئة.

تعيش حياتها أخيرًا بدلًا من الغرق داخل ألمها.

اقتربت ثراء من رف الألوان، تحاول الاختيار بين عدة درجات.

ثم همست بهدوء دون أن تنظر خلفها:

“أي لون تفضل؟”

لم يسمعها أحد غيره.

اقترب أكثر حتى أصبحت أنفاسه قرب أذنها.

“الفضي.”

ارتجفت أنفاسها فورًا.

لكنها حافظت على هدوئها حتى لا يلاحظ أحد.

فهمست بخفة:

“طبعًا.”

ثم أخذت الدرجة الفضية وهي تبتسم.

حين عادت إلى الشقة…

وجدت ليان تنتظرها أمام الباب.

“أخيرًا!”

تنهدت ثراء بخفة.

“ماذا حدث؟”

دخلت ليان بسرعة وهي تحمل أكياسًا كثيرة.

“قررت أن أبقى الليلة هنا.”

اتسعت عينا ثراء قليلًا.

أما آسر…

فتجمد مكانه داخل الظلال.

قالت ليان وهي تتجه للمطبخ:

“اشتقت إليكِ، بالإضافة إلى أنني أريد التأكد أنكِ ما زلتِ تتناولين الطعام.”

ابتسمت ثراء بتوتر خفيف.

“أنا بخير حقًا.”

“أعرف، لكنني قلقة بطبيعتي.”

كانت المشكلة أن وجود ليان يعني أن آسر لن يستطيع الظهور بحرية.

لكن الأسوأ…

أن ثراء لم تكن تريد الابتعاد عنه أصلًا.

شعرت بذلك فورًا حين اختفى إحساس قربه قليلًا.

كأن قلبها بدأ يبحث عنه تلقائيًا.

في المساء…

كانت ليان تجلس أمام التلفاز تتحدث بحماس عن عملها، بينما كانت ثراء تحاول التركيز معها.

لكن عقلها كان مشتتًا بالكامل.

لأنها تشعر به.

واقفًا قرب باب غرفتها.

يراقبها بصمت.

رفعت عينيها للحظة نحو الممر.

ولا أحد هناك بالطبع.

لكنها عرفت.

ابتسمت دون وعي.

فلاحظت ليان فورًا.

“ها أنتِ تبتسمين مجددًا!”

انتبهت ثراء بسرعة.

“أنا؟”

ضيقت ليان عينيها.

“هناك سر بالتأكيد.”

ضحكت ثراء بخفة محاولة التهرب.

“ربما أصبحت سعيدة فقط.”

راقبتها ليان طويلًا…

ثم ابتسمت أخيرًا براحة حقيقية.

“هذا يكفيني.”

شعرت ثراء بالذنب للحظة.

لكنها لم تستطع قول الحقيقة.

لأن الحقيقة نفسها تبدو مستحيلة.

في وقت متأخر من الليل…

غفت ليان أخيرًا فوق الأريكة.

أما ثراء…

فكانت مستيقظة داخل غرفتها.

تجلس فوق السرير تنتظر.

وقلبها يخفق ببطء.

ثم…

تحركت الظلال.

وظهر آسر أخيرًا.

تنفست ثراء بارتياح فور رؤيته.

“ظننتك لن تأتي.”

اقترب منها بهدوء.

ثم جلس أمامها مباشرة.

“كنت هنا طوال الوقت.”

ابتسمت بخفوت.

“أعرف.”

مدّ يده نحوها ببطء.

وما إن لامست أصابعه خدها حتى أغمضت عينيها تلقائيًا.

اشتاقت إليه…

رغم أنه لم يغب سوى ساعات قليلة.

همس آسر وهو يمرر أصابعه داخل شعرها:

“أصبحتِ تتعلقين بي كثيرًا.”

فتحت عينيها ونظرت إليه مباشرة.

“وهل تمانع؟”

توقفت أنفاسه للحظة.

ثم قال بصوت منخفض:

“أنا أخشى فقط ألا أستطيع العيش بدونكِ.”

ارتجف قلبها بعنف.

فاقتربت منه حتى أصبحت جالسة داخل حضنه تمامًا.

لفّت ذراعيها حول عنقه.

“إذن لا تعش بدوني.”

أغمض عينيه للحظة طويلة.

ثم دفن وجهه قرب عنقها.

وشعرت بأنفاسه الساخنة ترتجف فوق بشرتها.

“ثراء…”

همس اسمها كأنه صلاة.

ثم رفع رأسه ونظر إليها طويلًا.

طويلًا جدًا.

قبل أن يقول أخيرًا:

“وجدت طريقة.”

رمشت بدهشة.

“طريقة لماذا؟”

كانت عيناه مختلفتين.

ممتلئتين بشيء بين الأمل والخوف.

“لأترك السُدُم.”

توقفت أنفاسها.

أما هو فتابع بصوت هادئ:

“هناك طقس قديم… يمكنه قطع الرابطة بيني وبين عالمي.”

حدقت فيه بصمت.

وقلبها بدأ يخفق بعنف.

“إذن افعله.”

لكن آسر لم يبتسم.

بل مرر يده فوق خدها ببطء شديد.

“الثمن قد يكون فقدان قوتي بالكامل.”

هزت رأسها فورًا.

“لا يهم.”

ابتسم بحزن خفيف.

“وقد أموت.”

شحب وجهها فورًا.

وساد الصمت بينهما.

طويلًا.

مؤلمًا.

ثم أمسكت وجهه بين يديها بقوة.

“لا تقل ذلك.”

نظر إليها بصمت.

أما هي فاقتربت حتى لامست جبينها جبينه.

“لا أريد عالمًا تبقى فيه بعيدًا عني…”

ارتجفت أنفاسها.

“…لكنني لا أريد عالمًا يخسرك أيضًا.”

أغمض عينيه ببطء.

وشعر لأول مرة…

أن فكرة الموت لم تعد مخيفة كما كانت.

لأن هناك شخصًا سيحزن عليه إن رحل.

شخصًا يحبه.

وحين فتح عينيه مجددًا…

وجدها تبكي بصمت.

فشعر قلبه يتمزق بالكامل.

ضمها إليه فورًا.

بقوة.

وكأن احتضانها الطريقة الوحيدة ليبقي نفسه متماسكًا.

أما ثراء…

فدفنت وجهها داخل عنقه وهي تتمسك به كأنها تخشى أن ينتزعه القدر منها.

ظلّا هكذا طويلًا…

بينما المطر استمر بالهطول خلف النوافذ.

وكأن العالم كله يذوب ببطء حولهما.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٩.ما الذي يمكن أن يفعله الحب بحاكم السُدُم؟

    بدأت الليلة بهدوءٍ ناعم.هدوء يشبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح فيها الحياة لثراء أن تتنفس دون خوف.كانت جالسة فوق أرضية المرسم، ساقاها مطويتان أسفلها، بينما تنتشر اللوحات حولها في كل مكان.كلها له.آسر.وجهه.عيناه الفضيتان.ملامحه التي أصبحت تحفظها أكثر من ملامحها هي.أما آسر…فكان مستلقيًا فوق

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٨.الشيء الوحيد الذي يخشاه حاكم السُدُم

    مرّت الأيام التالية بهدوء غريب.هدوء لم تعتده ثراء في حياتها.لا كوابيس تمزق نومها.لا ذلك الشعور الثقيل بأن شيئًا يراقبها من العتمة.ولا الوحدة التي كانت تبتلعها كل ليلة منذ طفولتها.لأن آسر أصبح هنا.جزءًا من أيامها.من تفاصيلها الصغيرة.من أنفاسها نفسها.حتى إنها أحيانًا كانت تنسى أنه ليس بشريًا

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٧.حين يصبح الخوف حبًا

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعد أن غفت ليان في الخارج، وحتى بعد أن هدأ المطر، وحتى بعد أن خمدت أصوات المدينة تمامًا…بقيت مستيقظة بين ذراعي آسر.تفكر.كلماته ما زالت تدور داخل رأسها بلا رحمة.“قد أموت.”كلما تذكرتها شعرت بشيء ينهار داخل صدرها.كانت مستلقية فوقه، بينما يده تمر ببطء داخل شعرها الطويل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٥.للمرة الأولى… صار لديه وطن

    بدأت ثراء تعتاد وجوده.ليس كحلمٍ عابرٍ يظهر ليلًا ثم يختفي مع الفجر…بل كجزءٍ حقيقي من حياتها.كأن آسر كان دائمًا هنا، في مكانٍ خفي داخل روحها، ثم قرر أخيرًا أن يصبح مرئيًا لقلبها.وفي المقابل…بدأ آسر يعتاد شيئًا لم يعرفه طوال عمره.الهدوء.في الصباح التالي، استيقظت ثراء متأخرة قليلًا.وحين فتحت ع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status