Compartir

غريق على البر
غريق على البر
Autor: نعمه حسن

الأول

last update Fecha de publicación: 2026-05-20 16:39:28

في منزلٍ بسيط بإحدى القرى التابعة لمحافظة البحيرة...

كانت "فرحة" تعمل بجدٍّ واجتهاد قبل عودة والدها من الحقل وعودة إخوتها من الخارج.

عاد والدها إلى المنزل، فأسرعت نحوه تساعده على خلع ملابسه الملطخة بتراب الأرض، ثم انشغلت بانتظار عودة إخوتها.

دخلت "بدر" متذمرة كعادتها كل يوم بعد عودتها من المدرسة، وألقت بحقيبتها أرضًا، فقابلتها "فرحة" بوجهٍ مبتسم وذراعين ممدودتين، لترتمي "بدر" سريعًا بين أحضان أختها التي لا تعرف أمًّا سواها.

قبّلتها "بدر"، ثم قالت بحماس: — فروحة، طبخالنا إيه بقى؟!

ضحكت "فرحة" وقالت بحنان: — طبخالك كل حاجة إنتِ بتحبيها يا روح فروحة... يلا اطلعي اغسلي إيديكي ووشك كده وتعالي.

— فوريرة!

قالتها "بدر" بحماس، ثم وثبت للأعلى مسرعة.

— السلام عليكم يا فرحتنا.

طلّ "رضوان"، شقيق "فرحة" الأكبر، ناطقًا بتلك الكلمات، فاستقبلته بابتسامةٍ مشرقة وقالت: — وعليكم السلام يا حبيبي... يلا إنت كمان اغسل وشك وإيديك وتعالى. أخوك فين؟!

— "رامي" طالع ورايا، بس مش عارف "كرم" غطسان فين، مش باين.

ابتسمت بمشاكسة وهي تقول: — دلوقتي يظهر... يا أهلًا بالمعارك.

قالتها فور دخول "رامي".

جهزت "فرحة" طعام الغداء، وجلسوا جميعًا يتناولونه وسط أجواءٍ مليئة بالضحك والألفة والدفء العائلي.

♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

في منزلٍ فخم بأحد الأحياء الراقية في القاهرة...

كان رجل الأعمال الشهير "أحمد إدريس" يتناول طعام الغداء برفقة شقيقته الوحيدة "رضوى"، التي بادرت بالحديث قائلة بسخرية:

— أبلة "نورا" كانت هنا من شوية!

ثم لوَت شفتيها بنزق وأضافت: — وكانت بتطمن عليّا!!

نظر إليها أحمد مبتسمًا وقال بصوته الرخيم: — وبعدين معاكي يا رضوى؟! مش قولنا بلاش كلمة "أبلة" دي عشان بتضايقها؟

قالت بضيق: — الله! هو أنا لما أحترمها أبقى كده بضايقها؟! هي بس اللي مأنتخة شوية ومبتحبش تبان كبيرة في السن.

هز رأسه بيأس وقال: — نفسي أعرف بتجيبي المفردات دي منين! وبعدين هي مش كبيرة، دي عندها 33 سنة بس... إنتِ اللي عشان عندك 18 سنة مفكرة إننا عجزنا خلاص.

قالت مصححة: — لا يا حبيبي، إنت لسه 32 سنة يعني شباب، ده إنت أصغر منها! وبعدين سن الشباب في أوروبا بيبدأ من الستين، يعني إنت بالنسبة لهم لسه بيبي!

ضحك ملء فمه وقال: — طيب يا لمضة، اتفضلي يلا على مذاكرتك، وأنا هدخل أنام شوية لأني خلاص هلكان.

دلف إلى غرفته، وألقى بجسده فوق الفراش، ثم أغمض عينيه بإرهاق وغرق سريعًا في النوم.

♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥♥

ذهبت "فرحة" لمساعدة "بدر" في أداء واجباتها، لكنها ما إن دخلت الغرفة حتى وجدتها مستلقية على الفراش بإهمال.

قطبت حاجبيها واقتربت منها قائلة: — مالك يا بدر البدور؟ نايمة كده ليه؟

نظرت إليها "بدر" بوهنٍ واضح على ملامحها، وأشارت إلى موضع قلبها قائلة: — الحتة دي بتوجعني أوي يا "فرحة".

انقباضةٌ قوية أصابت قلب "فرحة" فور سماع شكوى شقيقتها الصغيرة ذات الأعوام العشرة، لكنها تجاهلت خوفها وقالت بحنان: — بعد الشر عليكي يا حبيبتي، تلاقيه من كتر الشقاوة والجري في المدرسة... يلا قومي عشان نكتب الواجب.

قاطع حديثهما نداء والدها باسمها، فنزلت إلى الأسفل تتساءل عمّا يريده، لتجد "رجب"، ابن عمها، يجلس برفقة والدها.

صافحته وقالت: — نعم يا با... تؤمر بحاجة؟

قال والدها: — مش تسألي خطيبك يشرب إيه يا فرحة يا بتي؟!

نظرت "فرحة" إلى "رجب" وقالت بابتسامة: — تشرب حاجة يا رجب؟

— آه... اعمليلي شاي، وسيبينا لوحدنا شوية.

أومأت برأسها وذهبت، ثم أعدّت كوبين من الشاي وعادت بهما.

لكنها توقفت فجأة عندما التقطت أذناها صوت "رجب" يقول: — يبقى على خيرة الله، آخر الشهر الجاي إن شاء الله نعمل فرح صغير كده على قدنا... إنت عارف الظروف يا عمي، واللي هنصرفه على الفرح والكلام الفاضي ده نستثمره ويجيب فلوس أكتر.

لم ينتبها لتلك التي تقف تستمع إليهما بأعينٍ دامعة، إلا حين سقطت أكواب الشاي من يدها.

نهض "رجب" مسرعًا نحوها وقال: — مش تمشي على مهلك؟!

رمقته بغيظ وقالت بحدة: — بجد؟! هو إنت شايفني ماشية أترقص؟! وبعدين فرح مين اللي آخر الشهر؟! خير؟! عندنا عرايس من بنات عمي وأنا معرفش؟!

قال بخيلاء: — لا... فرحنا.

رددت بدهشة: — فرحنا مين لا مؤاخذة؟!

— يِه! فرحنا أنا وإنتِ يا مخبولة!

شهقت باستنكار: — ده اللي هو إزاي يعني؟! داهية تكون بتتكلم عنّا فعلًا لما قولت "هنعمله على الضيق" والكلام ده؟!

— آه، أومال بتكلم عن مين يعني؟!

قالت برفضٍ قاطع: — لااا يا رجب، أنا ميمشيش معايا الكلام ده! إذا كنت عايز تتجوز آخر الشهر يبقى تعملي فرح وزفة ومغني وليلة كبيرة... وتجيبلي عوالم كمان!

اتسعت عيناه بصدمة: — يِه!! عوالم؟؟!!

— أيوه، عوالم! هي زهرة أختك أحسن مني في حاجة؟! ده محسن كان جايبلها أربع عوالم وجوز مغنواتية، وفضلوا طول الليل يرقعوا "دن دن دش" جنب وداني!

قال بحدة: — وإنتِ عايزاني أجيب عوالم؟! عايزة الناس كلها تقعد تبحلق فيهم وأنا أشيل الذنب؟! عايزانا نبدأ حياتنا وإحنا بنغضب ربنا؟!

قالت بسخرية: — وإنت لما كنت واقف تنشف للرقاصة أم عين وعين عرقها، مغضبتش ربنا؟! ولما روحت بنفسك جبتهم من الموقف برجليك اللي إن شاء الله هتنشل يوم القيامة دي، مغضبتش ربنا؟! ولا إنت عايز توفر على قفا فرحة وخلاص!

احتد النقاش بينهما كعادتهما، فتدخل والدها قائلًا: — خلاص يا فرحة، اطلعي إنتِ فوق دلوقتي.

رمقته بنظرةٍ مشتعلة بالغضب، ثم خرجت متجهة نحو الحقل الخاص بهم.

افترشت الأرض الخضراء، وسحبت شهيقًا طويلًا كأنها تريد ابتلاع هواء العالم كله، ثم زفرته محمّلًا بكل ما يعتمل داخل صدرها من ضغطٍ وألمٍ واحتياج.

♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

أيقظه من نومه رنين هاتفه المرتفع، فأجاب بصوتٍ ناعس: — أيوة يا نورا؟!

— معقول يا أحمد لسه نايم؟!

نظر إلى الساعة وقال: — هي الساعة كام دلوقتي؟

— الساعة 8 ونص... لسه ساعة على الـ meeting، يدوب تلحق تجهز وتيجي عشان نكون في انتظارهم... دول أتراك يا أحمد، وأهم حاجة عندهم الانضباط في المواعيد.

قلب عينيه بملل وقال: — خلاص بقى يا نورا، فلقتيني أتراك أتراك... مالهم يعني؟ ما هم ناس زي أي ناس.

قالت بضيق: — إيه "فلقتيني" دي؟! إنت بتجيب الكلام ده منين؟!

ضحك بخفة: — خلاص يا حبيبتي... نص ساعة وهكون موجود. سلام.

أغلق الهاتف زافرًا وتمتم: — مش عاجباكي "فلقتيني"؟! أومال لو سمعتي "مأنتخة" بقى هتقولي إيه؟

بدّل ملابسه سريعًا، ثم توجه إلى الفندق المقام به الاجتماع.

تقدم نحو الوفد التركي وصافحهم ببرودٍ يلائم لون بشرته الهادئ، ثم جلس وبدأوا مناقشة الأعمال والمشاريع المشتركة.

وانتهى الاجتماع باتفاقه معهم على السفر إلى تركيا لزيارة مقر شركتهم والمشاركة في افتتاح مجموعة شركاتهم الجديدة.

🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍

كانت "فرحة" تطمئن على إخوتها كعادتها قبل النوم.

مرت على غرفهم جميعًا، ثم دخلت غرفتها التي تشاركها بها "بدر"، لتسمع أنينًا خافتًا.

هرولت إليها فوجدتها ملقاة على الأرض.

صرخت بفزع، ثم رفعتها وهي تنادي باسمها، لكن دون استجابة.

ركضت بسرعة نحو غرفة "رضوان" وأيقظته بهلع، فذهب معها مسرعًا، وما إن رأى شقيقته حتى هوى قلبه رعبًا.

حملها بسرعة، واتجه بها إلى المستشفى برفقة "فرحة".

فحصها الطبيب بعناية، ثم نظر إليهما بقلق وقال: — للأسف أنا شاكك في حاجة، ويا رب أكون غلطان... بس هنستنى الأشعة وبعدها نشوف.

مرت ساعات طويلة على "فرحة" و"رضوان" وكأنها سنوات، حتى خرج الطبيب أخيرًا يحمل نتائج الأشعة.

قال "رضوان" بلهفة: — ها يا دكتور... طمّنا، الله لا يسيئك.

تنهد الطبيب قائلًا: — للأسف شكوكي اتأكدت... فيه تلف في صمامين بالقلب، والحالة متأخرة، ولازم العملية تتعمل في أقرب وقت.

شهقت "فرحة"، بينما قال الطبيب: — وللأسف مينفعش تتعمل في مصر... لازم تسافر تركيا.

قالا معًا بصدمة: — تركياا؟!!

أومأ الطبيب موضحًا: — حاليًا عمليات القلب المفتوح التقليدية بقى فيه بديل أحدث منها، اسمه عمليات القلب طفيفة التدخل باستخدام الروبوت الجراحي، والنوع ده متوفر بشكل ممتاز في تركيا... وحالة بدر لا تحتمل أي تأخير، يعني لازم بكرة تكونوا مسافرين.

ثم أضاف بجدية: — وحتى لما تسافروا، المستشفى هناك لسه هتعملها فحوصات وتحاليل، فالأفضل تجهزوا بسرعة.

خرج "رضوان" و"فرحة" من المستشفى بحيرةٍ وضيقٍ كبيرين.

ــــــ

— يا بنتي الله يهديكي، بطلي عياط وافهمي... إنتِ معندكيش ورق سفر جاهز، والورق هيحتاج كام يوم على ما يطلع، ومينفعش نستنى كل ده عشان بدر.

قالت "فرحة" ببكاء: — وإنت عايز حتة من قلبي تبقى في الحالة دي وأنا بعيدة عنها؟!

قال "رضوان" بحنان: — يا حبيبتي افهمي... أنا هسافر الليلة، لأن ورقي جاهز من أيام سفرية الكويت، وإنتِ أول ما الورق يطلع، "رامي" هيخلصهولك وتحصّلينا.

والله العظيم لولا إني عارف إن بدر مش هتسكت من غيرك، مكنتش خليتك تيجي لوحدك.

جهزت "فرحة" حقيبة "بدر"، وودعتها بالكثير من الأحضان والقبلات المصحوبة بالدموع.

ـــــــ

بعد مرور أسبوع...

ودّع "أحمد" شقيقته بعدما أوصاها بنفسها خيرًا وقال: — خالتو هتيجي بعد ساعة عشان تقعد معاكي، متغلبيهاش... وبلاش لماضة، وأنا إن شاء الله يومين وأرجع.

احتضنته قائلة: — تروح وترجع بالسلامة.

وغادر متجهًا نحو المطار استعدادًا للسفر إلى تركيا.

♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕

— خلي بالك من نفسك يا فرحة، ومتقلقيش... أنا هستناكي في المطار، وبدر بتبعتلك بوسة كبيرة وبتقولك إنها بقت كويسة الحمد لله.

— طيب، وبدر هتسيبها لوحدها؟

— متقلقيش، المستشفى هنا أمان وكل حاجة مترتبة... وبعدين هي اتصاحبت على الممرضات وبتلعب معاهم كمان.

إنتِ نزلتي مصر؟

— أيوة، وصلنا من شوية... والطائرة بكرة الساعة 7 إن شاء الله.

— إن شاء الله... تيجي بالسلامة.

في صباح اليوم التالي، استعدت "فرحة" للسفر، ورافقها شقيقها إلى المطار حتى صعودها إلى الطائرة، ثم عاد أدراجه.

ــــــــ

دخلت "فرحة" إلى الطائرة، وأخذت تجول بعينيها بين المقاعد حتى وقع بصرها على مقعدٍ فارغ بجوار النافذة.

اقتربت من الرجل الجالس بجواره وقالت: — بعد إذنك.

رفع نظارته عن عينيه ونظر إليها باستفهام، فقالت: — عايزة أقعد جنب الشباك.

نظر إليها بتعجب وتجاهلها، فأعادت: — لو سمحت.

قال بضيق: — نعممم؟! لو ده مكانك، اتفضلي اقعدي من سكات وخلصينا.

قالت بصوتٍ مرتفع نسبيًا: — إنت بتتكلم كده ليه يا أفندي؟! بقولك عايزة أقعد جنب الشباك!

صرخ بنفاد صبر: — تقعدي جنب الشباك إيه يا بتاعة إنتِ؟! هو إحنا راكبين أوتوبيس؟! اترزعي في أي حتة وخلصينا!

جلست بجواره على مضض، وظلت ترمقه بنظراتٍ غاضبة من حينٍ لآخر، ثم أسندت رأسها إلى الخلف وأغمضت عينيها.

لكنها انتفضت فجأةً حين دوّى صوت قائد الطائرة معلنًا حالة الطوارئ:

— ليس لدينا وقود... لدينا مشكلة تقنية خطيرة!

ثم صرخ عبر جهاز الاتصال: — ساعدونا... نحن نسقط!

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • غريق على البر   السادس

    إلتقطها فوراً بكفيه الغليظتين و رفعها عن الأرض ثم أجلسها علي المقعد أمامه بينما تحاول خالتها إفاقتها. أحضر زجاجة ميااه و نثر بضع قطرات علي وجهها بيديه فبدأت تفتح جفنيها بوهن شديد. حدٌثهم قائلاً: ربنا يصبركم و يصبرنا.. عن إذنكم. ثم إنصرف مصطحباً والده و أشقائه إلي الخارج ففاجئهم والدهم قائلاً: أنا مش هرجع البلد.. أنا هفضل في مصر. نظروا جميعهم إلي بعضهم البعض بتعجب و بادر رضوان متسائلاً: هتفضل في مصر إزاي يابا؟! و ليه؟! و فين؟! _هنرجع البلد من غير فرحه نعمل إيه؟! عايزنّي أرجع الدار و هي ريحتها و نفسها في ركن في البيت؟! و هرجع البلد ليه؟! آخد عزاها و أنا مش عارف أدفنها؟! إعتلي نحيبه فإلتف حوله أبناؤه يواسونه و هم يحتاجون لمن يقوم بذلك فقال رامي: إحنا كمان مش متقبلين الفكرة يابا و الموضوع صعب علينا زي ما هو صعب عليك.. بس علي الأقل نرجع البلد نساوي حالنا و نرجع تاني. قال والده. بإصرار: لا مش هرجع البلد تاني.. بعدين تسافر إنت و أخواتك تشوفوا هتعملوا إيه.. يلا يا رضوان كلم صاحبك المصراوي يشوفلنا سكن.. عليك العوض و منك العوض يا رب. ♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕مع صباح يومٍ جديد إستيقظت "فرحه" عن

  • غريق على البر   الخامس

    — إستنّي!قالها "أحمد" صارخًا بـ"فرحه"، فألقت ما بيدها أرضًا ونظرت له بفزع، واضعةً يدها على صدرها، وقالت:— خضّتني يا أحمد أفندي، يخربيتك!رفع حاجبه بدهشة وقال:— هو إنتِ شبه الأطفال كده؟! كل حاجة على بؤك؟!نظرت له مغتاظة، وظلت تشهق وتزفر بعصبية، فقال:— لا تعالي خدي لكِ قلمين أحسن.. إنتِ تعرفي إذا كان المشروم ده صالح للأكل ولا مسمّم؟!رفعت شفتها بنزق وقالت:— اسمه عيش الغراب على فكرة، ماسموش البتاع اللي بتقول عليه ده.. وبعدين يعني ما هو كان بيطلع جنب البيت وكنا بناكله وإحنا صغيرين، مموتناش يعني.— بيطلع؟! بيطلع إيه؟! هو بلح؟! إنتِ هتجيبي أجلي قريب يا فرحه.— لا يا أحمد أفندي، بعد الشر عنك.نظر لها حانقًا، ثم انحنى والتقط الفطر بيديه، ثم فركه بين أصابعه، فسرعان ما أصابتها الحمرة والتهاب شديد.نظر لها بمعنى: "أرأيتي؟!" ثم قال:— كان زمانك متسممة دلوقتي يا فرحه هانم!قالت ببلاهة:— إنت عملت إيه؟!— زي ما شوفتي.. فركته بين صوابعي فالجلد احمرّ واتهبّ.. معنى كده إنه سام وكان ممكن يسممك.— يحلاوة.....قاطعها مكملًا جملتها:— العلم نور يا ولاد.اتسعت ابتسامتها، فابتسم هو أيضًا وقال:— متبقيش

  • غريق على البر   الرابع

    «إنتِ مين؟! إنتِ ميييييين؟!»قالتها «فرحة» صارخة، وهي تنهض بفزعٍ مسرعةً تبتعد عن ذلك الكائن الذي لا تعرف ماهيته.قام «أحمد» من نومه مفزوعًا عندما استمع إلى صراخها، فوجدها تصرخ قائلة: «إنت مين؟!» وتركض مبتعدة، فنظر إلى حيث كانت ترقد وانفجر ضاحكًا، ثم جرى خلفها فوجدها تختبئ خلف شجرة.جاهد كي يمتنع عن الضحك وقال: ده سنجاب يا فرحة.. إنتِ خايفة من سنجاب؟!نظرت له بأعين دامعة مذعورة، فرقّ قلبه لرؤيتها بهذا الحال، ومدّ يده لها فأمسكت بها وخرجت من خلف الشجرة.نظرت إلى السنجاب بخوف فقال: متخافيش يا فرحة.. السنجاب أليف.نظرت له بشك، فذهب بجوار السنجاب وأمسك بغصن شجرة وبدأ في مداعبته بلطف، ثم نظر لها قائلًا: ده صغير لسه.. ميتخافش منه، قربي.لا يا خويا شكرًا.. إلعبوا إنتوا واتبسطوا.. وبعدين يعني كائن زي ده عايش في جزيرة مهجورة زي دي بيعمل إيه؟! وبياكل إيه؟! صحيح فقري ابن فقرية!استرعت كلمتها انتباهه فقال بغتةً: برافو عليكي يا فرحة.. فعلًا وجود السنجاب هنا يدل إن في أشجار مثمرة في المكان.حتى لو في يعني.. هتطلع إنت الشجرة تجيب مثلًا؟!زفر بغيظ قائلًا: يبنتي مش كده.. مش كل حاجة تقفليها في وشي كده..

  • غريق على البر   الثالث

    ديب!قالتها "فرحه" بهلعٍ وصوتٍ منخفضٍ مرتعش، ثم اختبأت خلف ظهر "أحمد" الذي ظل ينظر إلى الذئب بنظراتٍ ثابتة وقال:=إرجعي لورا بالراحة.فعلت "فرحه" كما أمرها، وازداد خوفها فقال بسرعة: لازم نولّع نار بسرعة.. اجري وخدي أي جزع شجرة وولّعي فيه وهاتيه.. بسرعة.قالت وهي ترتجف خوفًا: _أولّع فيه إزاي يعني؟!رمقها بغيظ وقال: هاتِي حجرين من اللي على الأرض دول واحبكيهم في بعض، هيطلعوا شرارة نار.. ولا أقولّك، هاتي غصنين من اللي جنبك دول واحبكيهم في بعض جامد، وحطي بينهم ورق شجر.. اخلصي.مدّت أناملها المرتعشة وأمسكت بغصنين ملقيَّين على الأرض، وفعلت كما أمرها، ثم فوجئت بالنيران تشتعل، فنظرت إليه بفرحة وقالت: _دي ولعت!=بسرعة ولّعي جزع شجرة وهاتيه.أمسكت بجزع شجرة ملقى على الأرض وأشعلته من النار التي صنعتها، ثم ناولته إياه، فأمسكه ودار حول الذئب، فدار الذئب حوله بدوره.ظل يدور حول الذئب عدة مرات ممسكًا بالعصا المشتعلة، حتى تركه الذئب وانصرف.نظرت إليه "فرحه" بتعجب، فابتسم وقال: الديب لما بيقرر يهاجم، تركيزه كله بيبقى في خط مستقيم قدامه.. زي السهم. لو فضلتي تلفّي عكس اتجاه حركته وتخليه يغيّر زاوية رؤيته

  • غريق على البر   الثاني

    الأسوأ قد حدث... إنه يجد نفسه الآن وسط الماء، وقد تقطعت به السبل تمامًا.لا يعلم هل ما زالت هناك فرصة للنجاة أم لا، لكنه شعر وكأن الأمل انسحب من بين يديه، وكأن الموت البطيء يقترب منه شيئًا فشيئًا.ظل يلتفت حوله في جميع الاتجاهات، لا يدري هل يتقدم أم يتراجع، وأي الطرق يسلك، حتى مرّ فوقه سربٌ من طيور النورس، فسبح في الاتجاه ذاته، إلى أن لمح اليابسة أخيرًا.خرج من الماء، وألقى بجسده فوق الرمال المبتلة، وظل يلتقط أنفاسه المضطربة مغمض العينين، يحمد الله على نجاته.اعتدل في جلسته، ثم نهض فجأة وعاد إلى الماء مرة أخرى، محاولًا إنقاذ من يمكن إنقاذه.ظل يبحث طويلًا، لكن دون جدوى، حتى أيقن أن من بالطائرة قد سقطوا إلى القاع معها.همّ بالخروج من الماء، لكن بصره وقع على يدين ممتدتين فوق سطح البحر وكأنهما تستغيثان، فسبح نحوهما بأقصى سرعة، ثم جذب صاحبة اليدين إلى الأعلى.نظر إلى وجهها الشاحب المستكين، ثم أحاطها بذراعه وسبح بها حتى وصل إلى الشاطئ. وضعها على ظهرها، وجلس بجانبها هنيهة يلتقط أنفاسه، ثم تحسس نبضها فوجد أنفاسها ضعيفة ونبضها مضطربًا قليلًا.حاول إسعافها، فوضع يديه فوق صدرها ضاغطًا عدة مرات

  • غريق على البر   الأول

    في منزلٍ بسيط بإحدى القرى التابعة لمحافظة البحيرة...كانت "فرحة" تعمل بجدٍّ واجتهاد قبل عودة والدها من الحقل وعودة إخوتها من الخارج.عاد والدها إلى المنزل، فأسرعت نحوه تساعده على خلع ملابسه الملطخة بتراب الأرض، ثم انشغلت بانتظار عودة إخوتها.دخلت "بدر" متذمرة كعادتها كل يوم بعد عودتها من المدرسة، وألقت بحقيبتها أرضًا، فقابلتها "فرحة" بوجهٍ مبتسم وذراعين ممدودتين، لترتمي "بدر" سريعًا بين أحضان أختها التي لا تعرف أمًّا سواها.قبّلتها "بدر"، ثم قالت بحماس: — فروحة، طبخالنا إيه بقى؟!ضحكت "فرحة" وقالت بحنان: — طبخالك كل حاجة إنتِ بتحبيها يا روح فروحة... يلا اطلعي اغسلي إيديكي ووشك كده وتعالي.— فوريرة!قالتها "بدر" بحماس، ثم وثبت للأعلى مسرعة.— السلام عليكم يا فرحتنا.طلّ "رضوان"، شقيق "فرحة" الأكبر، ناطقًا بتلك الكلمات، فاستقبلته بابتسامةٍ مشرقة وقالت: — وعليكم السلام يا حبيبي... يلا إنت كمان اغسل وشك وإيديك وتعالى. أخوك فين؟!— "رامي" طالع ورايا، بس مش عارف "كرم" غطسان فين، مش باين.ابتسمت بمشاكسة وهي تقول: — دلوقتي يظهر... يا أهلًا بالمعارك.قالتها فور دخول "رامي".جهزت "فرحة" طعام ال

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status