登入استيقظت سيرافينا على صوت ارتطام رقاقات الثلج العنيفة بالزجاج العريض لغرفتها. فتحت عينيها ببطء، ليملأ الغرفة ضوء أبيض ساطع منعكس من قمم الجبال المتراكمة. زفرت بملل وهي تستعيد تفاصيل الليلة الماضية، ثم نهضت متكاسلة دون أن تكلف نفسها عناء ارتداء ملابس نهارية ثقيلة؛ فقد اختارت قميص نوم حريرياً ناعماً باللون العاجي، وألقت فوقه روباً طويلاً وفاخراً من الفرو الخفيف، محافظة على دلالها وأناقتها وكأنها تقضي عطلة في منتجع استجمام مخملي.
فتحت باب الغرفة وخرجت بخطوات بطيئة ومتذمرة. كان القصر ساكناً تماماً، ولا صوت يكسر الهدوء سوى صفير الرياح القوية في الخارج. نزلت درجات السلم الخشبي بتمهل، حتى لفت انتباهها انبعاث رائحة القهوة السوداء القوية. اقتربت بخطوات مترددة نحو المطبخ المفتوح، لتجد فيكتور واقفاً هناك. كان يرتدي قميصاً رمادياً مشمر الأكمام يبرز قوة ساعديه، وينشغل بسكب القهوة بهدوء تام. فور أن استدار ورآها تقف أمامه بقميص النوم والروب الحريري في تلك البيئة القاسية، انقبض حاجباه بضيق واضح. بالنسبة له، كان هذا الزي دليلاً قاطعاً على أنها لم تدرك بعد خطورة أو طبيعة المكان الذي توجد فيه، وهو ما زاد من انزعاجه من وجودها المتكلف. قال بصوت جاف وخشن يخلو من أي ترحيب: "القهوة جاهزة." توقفت سيرافينا وهي تشعر بنظراته الفاحصة والباردة تلامس ملابسها، لكنها رفعت رأسها بكبرياء متصنع لتخفي ارتباكها. تقدمت ووقفت أمامه، ثم بادرت بسؤاله بنبرة يملؤها الاستنكار والفضول: "أنت... هل أنت صاحب هذا القصر حقاً؟ وكيف تعيش هكذا بلا خدم أو مساعدة؟ ألا يشبه هذا العيش..." قاطعها فيكتور بحركة يد خفيفة ونظرة حادة مسح بها استفساراتها، وبدت على ملامحه علامات الضيق الواضح من كثرة كلامها وأسئلتها: "ألا تكفين عن الثرثرة والأسئلة؟ هذا القصر ملكي، وأنا لا أحتاج لمتطفلين يديرون تفاصيل حياتي. إما أن تلتزمي بقوانين هذا المكان بصمت، أو تكفي عن إزعاجي." نزلت كلماته القاسية والجافة عليها كالصاعقة. شعرت سيرافينا بحرارة مفاجئة تجتاح وجنتيها، وتملّكها شعور عميق بالخجل والإحراج لم تعتده قط طوال حياتها. في العاصمة، كان الرجال يتسابقون لاسترضاء أبسط كلماتها ويبالغون في مجاملتها، أما هنا، فأمام رجل غريب يوبخها ببرود وصلابة ويطفئ غرورها بكلمات معدودة، وقفت مسمرّة في مكانها لا تجد ما ترد به. حاولت ابتلاع غصّة الإحراج، وأخذت كوب القهوة بيديها المرتجفتين قليلاً من شدة الغضب والارتباك، وقالت بصوت متهدج تحاول السيطرة عليه: "أنا لست متطفلة.. جئت إلى هنا بناءً على طلب والدي، وسأغادر فور أن تنتهي هذه العاصفة اللعينة!" جلس فيكتور على المقعد المقابل بهدوء تام، وأشعل نظراته الرمادية لتستقر في عمق عينيها ببرود مرعب، وقال بصوت خفيض: "العاصفة ستطول يا سيرافينا.. وظنكِ بأنكِ ستغادرين قريباً هو الوهم الوحيد الذي سأحرص على إزالته من رأسكِ الآن." تجمدت الدماء في عروق سيرافينا فور نطق تلك الكلمات. اتسعت عيناها بذهول صامت، واهتزت يدها وهي تضع كوب القهوة على الطاولة الخشبية ببطء كي لا تنكشف رجفتها أمامه. "ماذا تقصد بكلماتك هذه؟" سألته بصوت خافت يحاول تصنع القوة، لكنه بدا مخنوقاً ومكشوفاً وسط هدوء المطبخ. "والدي أرسلني إلى هنا لعدة أيام فقط.. لا أحد يملك الحق في إبقائي رغماً عني، وأنت لا تملك أي سلطة عليّ." لم يتحرك فيكتور قيد أنملة. ارتشف جرة هادئة من كأسه، يراقب بملامح حديدية ملامحها المربكة، وضياع كبريائها خلف ثيابها الحريرية التي لا تصمد في وجه برودة المكان. كان صمته أشد قسوة من أي رد، وكأنه يخبرك دون أن ينطق بأن اعتراضاتكِ المدللة لا قيمة لها في أراضيه. شعرت سيرافينا بضيق شديد يجثم على صدرها. هذا البرود الجليدي ونبرة الثقة المطلقة في صوته جعلاها تشعر لأول مرة بأن هناك شيئاً غامضاً ومخيفاً يُحاك خلف ظهرها، وأن شائعات والدها وأزمتهم المالية لم تكن مجرد أرقام بسيطة كما توهمت. وقفت مسمّرة مكانها لثوانٍ، تبحث في ملامحه الصامتة عن أي تراجع أو توضيح، لكنها لم تجد سوى جدار حجري لا يُخترق. لم تحتمل دقيقة واحدة أخرى تحت وطأة نظراته الثقيلة التي تجرّدها من غرورها. جمعت ما تبقى من شتات كبريائها الجريح، وضمت روب الفرو إلى جسدها بقوة وهي ترتد خطوتين إلى الخلف، متراجعة بعيون تتهم قسوته. "سأتصل بوالدي الآن.. وسنرى إن كنت سأبقى هنا دقيقة واحدة بعد زوال هذه العاصفة!" قالت كلماتها الأخير بنبرة تحدٍّ متصنعة، ثم أدارت ظهرها ومشت بخطوات حثيثة نحو السلم الخشبي، صاعدة إلى الطابق العلوي برأس مرفوع، رغم أن ضربات قلبها كانت تضرب أضلعها بذعر وارتباك لم تعتده قط. أما فيكتور، فقد ظل جالساً في مكانه دون أن يتحرك. أمال رأسه قليلاً، يتابع بعينين رماديتين باردتين صدى خطواتها العصبي على الدرج وهو ينحسر تدريجياً في الممر العلوي. كان يعلم تماماً أن تغطية الهاتف مقطوعة في هذه الجبال، وأن والدها لن يملك إجابات تسرّها حتى لو وصلت إليه... يعلم أن الثلج المتراكم في الخارج ليس السجن الوحيد الذي يطوقها، بل إن عقد الزواج القابع في أدراج مكتبه المغلقة، قد جعل إقامتها تحت سقفه خطوة بلا عودة.كان فيكتور غاضبًا منذ الصباح، والغريب أنه لم يحاول إخفاء ذلك. تجاهل سيرافينا على مائدة الإفطار، وغادر قبل أن تنتهي من قهوتها. وحين التقيا في الممر بعد ذلك، انحرف قليلًا ليمرّ من جانبها دون أن ينظر إليها. لم تكن المسافة بينهما كبيرة، لكن طريقته في التعامل معها جعلتها تشعر وكأنها غير موجودة. فقررت أن تردّ له المعاملة نفسها. لن تسأله عن غضبه، ولن تذهب إلى مكتبه، ولن تمنحه فرصة ليعرف أن صمته يزعجها. ⸻ جاءت كلارا لزيارتها بعد الظهر، وجلستا في الحديقة تتحدثان عن أخبار القرية وبعض المعارف المشتركين. - “أنتِ شاردة منذ وصلت.” - “أنا أستمع إليكِ.” - “لا، أنتِ تنظرين إلى الكتاب نفسه منذ عشر دقائق.” أغلقت سيرافينا الكتاب. - “ربما لأن قصتكِ مملة.” ضحكت كلارا، ثم ألقت نظرة نحو المنزل. - “هل ما زال فيكتور غاضبًا؟” - “لا أعرف.” - “سيرافينا.” - “كلارا.” تبادلت الاثنتان نظرة قصيرة، ثم هزّت كلارا رأسها مستسلمة. بعد دقائق، ابتعدت كلارا بضعة أمتار لتجيب عن اتصال هاتفي، بينما بقيت سيرافينا قرب المقعد. هناك، لاحظت شجرة التوت القريبة من السور. كانت بعض الثمار الناضجة تتدلى من غصن منخفض نسب
لم يكن فيكتور في مزاج يسمح له بمناقشة أي شيء ذلك الصباح. منذ أن انتهى حديثهما عند مائدة الإفطار، بقي في مكتبه يتابع الاتصالات المتعلقة بالمعلومات التي وصلته عن الرجال الذين حاولوا الاقتراب من سيرافينا في المدينة. لم تكن لديه صورة كاملة بعد، وهذا تحديدًا ما جعله أكثر حذرًا. كان يكره اتخاذ القرارات اعتمادًا على الشكوك، لكنه كان يكره أكثر أن ينتظر حتى يتحول الشك إلى خطر حقيقي. أما سيرافينا، فلم تكن تنوي قضاء يومها في انتظاره حتى يقرر ما الذي يُسمح لها بفعله. كانت قد أمضت جزءًا من الصباح في مراجعة الرسالة التي أرسلتها إليها إميليا بشأن فرصة العمل. قرأت تفاصيل الاجتماع مرتين، ثم كتبت ردًا وأعادت صياغته قبل أن ترسله. لم تكن قد حسمت قرارها بشأن الذهاب إلى المدينة، لكنها أرادت أن تعرف المزيد عن العرض بنفسها، وأن تتحدث مع إميليا وجهًا لوجه. كان ذلك حقًا بسيطًا، أو هكذا بدا لها. لكن منذ أن أخبرها فيكتور بأنه لن يسمح لها بالذهاب، تحولت المسألة إلى شيء أكبر من وظيفة أو اجتماع. لم تعد المسألة تتعلق بما إذا كانت المدينة آمنة، بل بما إذا كان عليها أن تقبل أن يقرر شخص آخر عنها، حتى لو كان ذ
لم تكن سيرافينا قد انتهت من ترتيب حقيبتها حين رن هاتفها مجددًا. كانت إيميليا تتصل بها هذه المرة، ولم تحتج سيرافينا إلى أكثر من سماع صوتها حتى عادت أفكار المدينة إلى ذهنها. — “أخبريني أنكِ فكرتِ في العرض، لأنني لن أقبل أن تضيعي هذه الفرصة بعد كل ما بذلتِه لتصلي إلى هنا.” جلست سيرافينا على حافة السرير، وأزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها. — “فكرت فيه، وأريد معرفة التفاصيل الأخيرة قبل أن أعطيكِ جوابي.” — “إذًا، هل يمكنني اعتبار ذلك موافقة مبدئية؟” ابتسمت سيرافينا، لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها. — “يمكنكِ اعتباره وعدًا بأنني سأفكر بجدية، لا أكثر.” ضحكت إيميليا، ثم أخبرتها أن الفريق يريد لقاءها في المدينة خلال الأيام المقبلة لمناقشة المشروع. لم يكن مطلوبًا منها أن تبدأ العمل فورًا، لكن حضورها الشخصي سيساعدها على فهم مسؤولياتها قبل اتخاذ القرار النهائي. حين انتهت المكالمة، بقيت سيرافينا تنظر إلى الهاتف طويلًا. كانت هذه فرصتها للعودة إلى حياتها، ولو لجزء منها. فرصة انتظرتها منذ أن وجدت نفسها عالقة في هذه الدائرة من الخوف والقرارات التي يتخذها الآخرون نيابة عنها. كان العمل يعني لها أكث
لك يكد يمضي نصف ساعة على عودتهما إلى المنزل حتى انقطعت الكهرباء. كانت سيرافينا قد صعدت إلى غرفتها، وخلعت معطفها المبتل، ثم وقفت أمام الخزانة تبحث عن ملابس مريحة. توقفت يدها حين انطفأ المصباح فجأة، وتبعه صوت التدفئة وهي تسكت في منتصف عملها. حدقت في الظلام، ثم أخرجت هاتفها وأضاءت شاشته. — “بالطبع. كان ينقصني هذا فقط.” خرجت إلى الممر، فوجدت الضوء نفسه قد اختفى من بقية المنزل. لم تسمع سوى صوت الرياح خلف النوافذ، وخطوات فيكتور القادمة من الطابق السفلي. ظهر أمامها حاملًا مصباحًا يدويًا، وقد بدا من ملامحه أنه عرف المشكلة قبل أن تسأله. — “العاصفة ألحقت ضررًا بالوصلة الخارجية. لن تعود الكهرباء قبل أن يفحصها الفني.” نظرت إلى المصباح في يده، ثم إلى هاتفها. — “ومتى سيصل؟” — “في الصباح.” أطلقت زفرة طويلة. لم يكن الأمر مقتصرًا على الظلام؛ فقد توقفت التدفئة المركزية أيضًا، وكانت غرف الطابق العلوي ستبرد أكثر مع مرور الليل. أما الطابق الأرضي، فسيحتفظ ببعض الدفء لبعض الوقت، لكنه لن يكون حلًا مريحًا حتى الصباح. مرر فيكتور ضوء المصباح على الدرج، ثم نظر إليها. — “خذي ملابس النوم وأغراضك الضرور
لم تكن سيرافينا تتوقع أن تعود إلى الجبل بهذه السرعة. قبل يومين فقط، كانت تتجول في شوارع المدينة، تضحك مع أصدقائها، وتظن أن بإمكانها استعادة حياتها القديمة متى أرادت. أما الآن، فكانت تجلس في السيارة إلى جانب فيكتور، تراقب المباني وهي تختفي خلفهما، وتحاول إقناع نفسها بأن عودتها ليست أكثر من ضرورة مؤقتة. لم يكن فيكتور قد طلب منها العودة. ولم تسأله مرة أخرى إن كان يريدها معه. انتهى الأمر عند هذا الحد، على الأقل في نظرها. كان يقود بصمت، وقد وضع هاتفه على الحامل قرب لوحة القيادة. لم يحاول بدء حديث، ولم يلتفت إليها إلا حين تحركت السيارة فوق منعطف حاد، فمد يده تلقائيًا نحوها عندما مالت قليلًا. لكن سيرافينا استقامت قبل أن تصل يده إليها. أعاد يده إلى المقود دون تعليق. راقبته بطرف عينها، وشعرت بانزعاج لا يتناسب مع بساطة الموقف. كان من السهل عليها أن ترفض مساعدته حين تتعلق المسألة بشيء واضح، أما حين كان يقترب منها بدافع بدا عفويًا، فقد وجدت نفسها عاجزة عن تحديد ما تريد. كانت تريده أن يهتم. لكنها لم تكن مستعدة لأن تنسى ما فعله بها، أو أن تسمح له بالاقتراب كلما قرر ذلك. فتحت النافذة قليل
لم تستطع سيرافينا النوم بسهولة تلك الليلة. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها اللحظة التي دخلت فيها الفندق مذعورة، ثم رفعت رأسها ورأت فيكتور أمامها. لم تفكر يومها في خلافاتهما، ولا في غضبها منه، ولا حتى في الطريقة التي آلمها بها سابقًا. ركضت إليه فحسب، وحين أحاطها بذراعيه، تشبثت به كأنها لم تعد تريد شيئًا سوى الابتعاد عن الخوف الذي طاردها. كان بإمكانها أن تتذكر كل تفصيل من تلك اللحظة؛ سترته التي وضعها على كتفيها، ويده التي استقرت خلف رأسها بحذر، وصوته المنخفض حين أخبرها أنه موجود. لم تكن تلك أول مرة يقترب منها فيها، لكنها كانت المرة الأولى التي تجد نفسها تلجأ إليه دون أن تقاومه أو تفكر في عواقب ذلك. وهذا ما أقلقها. لم تكن قد سامحته على ما فعله بها في الجبل، ولم تنسَ الألم الذي سببه لها. ومع ذلك، حين فكرت في ذراعيه حولها، شعرت بدفء غريب يسري في داخلها، ثم وجدت نفسها تتساءل عن شكل حياتها لو أن ذلك القرب لم ينتهِ بهذه السرعة. استدارت على جانبها بضيق. لم يكن من المفترض أن تفكر فيه بهذه الطريقة. لقد كانت حياتها في المدينة واضحة قبل زواجها؛ أصدقاء، ومناسبات، وأحاديث طويلة، وخطط لا تحتاج







