Se connecterأُغلق الباب خلف ريان.
بقيت ليلى تحدق في المكان الذي اختفى فيه، كأنها تحاول أن تفهم ذلك الرجل الذي لا يشبه أحداً من العائلة. قال إنه لا يريدها، لكنه وقف في وجه الجد من أجلها. قال إنه لا يقبل أن يُفرض عليه شيء، لكن هل كان يقول الحقيقة فعلاً؟ أم أنها مجرد لعبة أخرى داخل هذه العائلة التي بدأت تكشف عن وجوه لم تعرفها من قبل؟ كل شخص في هذا القصر بدأ يبدو لها كأنه يخفي شيئاً، وكأن الحقيقة الوحيدة الثابتة أن لا أحد يقول لها كل ما يعرفه. قطع الجد أفكارها وهو يضرب الأرض بعصاه. "انتهى وقت المشاهد الدرامية." رفعت رأسها ببطء؛ كانت عيناها حمراوين من شدة البكاء، لكنهما لم تعودا تحملان الضعف نفسه الذي كان فيهما قبل ساعات قليلة. "لن أوافق." قالت بصوت خافت. صمت. نظر إليها الجد طويلاً، ابتسم ابتسامة باردة. "هل تعتقدين أن لديكِ خياراً؟" "حتى لو قتلتموني." أجابت دون تردد. اختفت الابتسامة من وجهه فوراً. استدار نحو رجال الأمن. "أخرجوا الجميع." لم يجرؤ أحد على الاعتراض. غادر المحامون، والحراس، حتى والد ليلى خرج بصمت، بينما كانت والدتها تلتفت إليها بين الحين والآخر، وكأنها تريد احتضانها، لكنها تخشى أن تفعل شيئاً يغضب الجد. أُغلق الباب، لم يبقَ داخل الغرفة سوى شخصين: الجد وليلى. اقترب منها بخطوات بطيئة، وضع ملفاً أسود فوق الطاولة. "هل تعرفين ما هذا؟" لم تجب، حدقت في الملف كما لو كان أفعى نائمة قد تستيقظ في أي لحظة. فتح الجد الملف؛ كانت بداخله عشرات الأوراق والصور، لكنها لم تستطع رؤية تفاصيلها بوضوح قبل أن يغلقه بسرعة أمام عينيها، وكأنه يمنحها لمحة سريعة فقط كافية لتخيفها دون أن تعرف الحقيقة كاملة. "يكفي أن تعرفي أن نشر هذا الملف سيحوّل والدتكِ إلى أكبر فضيحة في البلاد." تجمدت ليلى، ارتجفت أصابعها. "أنت تكذب." "أتمنى ذلك." رفع الملف مرة أخرى. "جرّبي رفض طلبي، وسأجعله بين أيدي الصحافة قبل شروق الشمس." اختنق صوتها. "لماذا؟" نظر إليها ببرود شديد. "لأن العائلة لا تخسر. والعائلة لا تعتذر. والعائلة..." توقف لحظة. "تضحّي بمن يلزم عندما يقتضي الأمر ذلك." انقبض قلبها. لأول مرة شعرت أن الرجل الذي يقف أمامها أخطر بكثير من التقرير نفسه؛ ليس لأنه يملك الحقيقة، بل لأنه مستعد لتحطيم الجميع كي تبقى صورته نظيفة أمام العالم. أغمضت عينيها، تذكرت والدتها وهي تبكي قبل قليل، تذكرت اعتذارها الغامض الذي لم تفهم معناه بعد، تذكرت الخوف الذي رأته في عينيها ولم تكن قد رأته من قبل. إذا كان هذا الملف سيقتل والدتها، فهل تستطيع أن تتحمل ذلك حقاً؟ أخفضت رأسها ببطء، لم تنطق بكلمة واحدة. شعرت في تلك اللحظة بضعف غريب يسري في جسدها كله، وكأن كل قوة كانت تدفعها للمقاومة قد بدأت تتسرب منها ببطء. ابتسم الجد؛ كان يعرف أن صمتها بداية استسلامها. وفي اللحظة نفسها، رنّ هاتفه. نظر إلى الشاشة، تغيّرت ملامحه لأول مرة منذ بداية هذا اللقاء. رفع المكالمة بسرعة. "ماذا حدث؟" جاءه صوت متوتر من الطرف الآخر: "سيدي، السيد ريان..." توقف الرجل لثوانٍ. "اختفى." انعقد حاجبا الجد. "ماذا تقصد اختفى؟" "ترك القصر، وأغلق هاتفه، ولا أحد يعرف إلى أين ذهب بالضبط." صمت. أما ليلى، فرفعت رأسها ببطء. ولأول مرة منذ بداية الكابوس، شعرت أن هناك شيئاً خرج عن سيطرة الجد الكاملة على كل شيء. أغلق الهاتف ببطء، لكن ملامحه لم تتغيّر كثيراً، وكأنه اعتاد أن يخفي غضبه خلف ذلك الوجه الجامد الذي لا يكشف شيئاً أبداً مهما حدث حوله. رفع نظره نحو أحد الحراس. "ابحثوا عنه." "نعم سيدي." "وليعد قبل شروق الشمس. لا أريد أعذاراً." غادر الحارس مسرعاً، بينما بقيت ليلى تراقب الجد بصمت. لأول مرة، رأت شيئاً يشبه القلق الحقيقي في عينيه، وليس القلق على العائلة أو الشركات، بل قلق من نوع مختلف تماماً. ابتسمت بسخرية. "حتى ريان لا يطيع أوامرك." رمقها بنظرة حادة. "سيعود." "وكيف أنت واثق؟" "لأنه يعرف هذه العائلة أكثر منكِ." أجاب دون تردد. أغلق الملف الأسود، أعاده إلى حقيبته الجلدية. "خذوا الآنسة ليلى إلى غرفتها." اقتربت إحدى الخادمات بخطوات مترددة. "تفضلي سيدتي." لكن ليلى بقيت مكانها. "لن أذهب." لم يجبها الجد، أشار للحارسين فقط. تقدما نحوها، تراجعت خطوة. "لا تلمساني." لكن أحدهما أمسك ذراعها بحذر. نزعت يدها بعنف. "قلتُ لا تلمسوني!" دوّى صوتها في أرجاء الجناح، لكن أحداً لم يعبأ به، وكأن صراخها أصبح مجرد جزء آخر من الضجيج المعتاد في هذا القصر الذي لم يعد يشبه بيتها القديم بشيء. وفي اللحظة نفسها، رنّ هاتف أحد الحراس. نظر إلى الشاشة بسرعة، رفع رأسه نحو الجد. "سيدي، وجدنا السيد ريان." صمت. "أين هو؟" سأل الجد ببرود. تردد الحارس. "في مقر شركة الراوي." ارتسمت على وجه الجد نظرة استغراب خاطفة. "ماذا يفعل هناك في هذا الوقت من الليل؟" "لا نعلم، لكنه طلب مقابلة السيد آدم." تجمدت ليلى. آدم؟ لماذا يذهب إليه بالذات؟ هل يعرفه من قبل؟ وهل بينهما علاقة لم تكن تعلمها طوال هذا الوقت؟ لاحظ الجد تغيّر ملامحها. "يبدو أن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً مما توقعنا جميعاً." قال ببرود. التفت إلى الحارس. "راقب كل تحركاتهما، ولا يتدخل أحد مهما حدث. أريد أن أعرف عمّ سيتحدثان بالضبط قبل أن أتخذ خطوتي التالية." انحنى الحارس. "أمرك." غادر بسرعة، تاركاً وراءه صمتاً ثقيلاً. أما ليلى، فلم تعد تسمع شيئاً بعد تلك الجملة الأخيرة. ريان يبحث عن آدم. لماذا؟ هل اتفقا ضد الجد سراً؟ أم أن أحدهما يشك بالآخر لسبب ما؟ أسئلة كثيرة بدأت تتزاحم داخل رأسها بلا توقف، وكل إجابة كانت تفتح باباً لسؤال جديد أكثر تعقيداً من سابقه. شعرت وكأنها تقف في منتصف لعبة كبرى لا تعرف قواعدها، بينما الجميع من حولها يتحركون بخطط واضحة تخصهم وحدهم. لكنها لم تكن تعلم أن اللقاء بين الرجلين سيغيّر مسار هذه القضية بالكامل خلال ساعات قليلة فقط.ترددت ليلى لحظة قبل أن تقول، وصوتها يخرج أكثر ثباتًا مما شعرت به فعلًا في داخلها: «سأذهب وأحضر الملفات.» ظل كريم صامتًا عبر الهاتف، صمتًا محمّلًا بالتردد، وكأنه يزن الكلمات قبل أن يطلقها. «آنسة ليلى...» «ماذا؟» «لا أريد أن أضعكِ في هذا الموقف.» «وأنا لا أريد أن تتأخر عن أبي. أصلح سيارتك، وأنا سأحضرها.» تردد قليلًا، ثم استسلم أخيرًا لنبرتها الحازمة التي لا تقبل الجدال. «حسنًا. لكن كوني حذرة.» «سأكون كذلك.» أغلقت ليلى الاتصال، ووضعت الهاتف بجانبها على المقعد الجلدي، ثم بقيت تنظر إلى الطريق أمامها بصمت ثقيل، بينما كانت أصابعها تطرق سطح المقود ببطء بلا وعي منها، وأنفاسها تخرج أبطأ مما اعتادت. كانت هناك فكرة صغيرة تحاول أن تشقّ طريقها إلى رأسها، كخيط دخان يتسلل من تحت باب مغلق، رافضًا أن يختفي مهما حاولت طرده. ربما ستراه.
كانت ليلى تمشي إلى جانب جيني بين واجهات المتاجر المضاءة، بينما كانت جيني تحمل ثلاث قطع ملابس فوق ذراعها، وترفض بعناد أن تسمح لها بإعادتها إلى الرفوف. «جرّبي هذه.» نظرت ليلى إلى القميص الذي مدّته إليها، بعين متشككة. «لا أحتاجه.» «لم أسألكِ إن كنتِ تحتاجينه.» رفعت ليلى حاجبها. «إذًا ماذا سألتِ؟» «لم أسأل أصلًا. أنا أختار.» ضحكت ليلى بخفة، صوت ضحكتها الأولى الصادقة منذ أيام، وأخذت القطعة منها رغمًا عنها. دخلتا غرفة القياس، وبعد دقائق خرجت ليلى بالملابس الجديدة، تتحسّس القماش الجديد على كتفيها بحذر. رفعت جيني رأسها إليها، ثم أمالته قليلًا، تتفحّصها بعين ناقدة. «أفضل.» «أنتِ تقولين هذا عن كل شيء.» «لأنكِ كنتِ تختارين أشياء سيئة.» ابتسمت ليلى، ثم أعادت النظر إلى المرآة. كان شعرها قد طال خلال الفترة الأخيرة، وعاد لونه البني يقترب أكثر من لونه الطبيعي، كأنه يستعيد نفسه بعد غياب طويل. مدّت جيني يدها نحو إحدى خصلاته. «هل فكرتِ أن تعيدي قصّته؟» أبعدت ليلى الخصلات عن وجهها بحركة تلقائية. «لا.» «وحتى الأشقر؟» توقفت يد ليلى في الهواء. نظرت إلى انعكاسها في
نظر إليها لحظة، عيناه ثابتتان. «لأنكِ تحتاجينه.» ثم استدار وخرج. بقيت لارا تراقبه وهو يبتعد، خطواته تتلاشى في الممر. لم تقل شيئًا. ولم تسمح لابتسامة صغيرة كادت تظهر على شفتيها أن تكتمل. كان هناك تغيّر. بسيط. لكنها رأته بوضوح. آدم بدأ يهتم. لم يكن اهتمامًا واضحًا يمكنها أن تواجهه بسؤال مباشر. ولم يكن قربًا صريحًا يسمح لها بأن تفسّره كما تريد. كان مجرد أشياء صغيرة، متناثرة، لا تُجمع في جملة واحدة. يسأل إن كانت تناولت دواءها. يمرّ على غرفتها قبل أن يخرج. يتذكّر ما تحتاج إليه. ويبقى قريبًا عندما تسوء حالتها. ولارا لم تكن تريد أن تعترف له بذلك. ليس الآن. لذلك لم تقل شيئًا. تركت الأمر يحدث وحده، ببطء، دون أن تلمسه بكلمة قد تكسره. وتركت آدم يقترب بالقدر الذي يريده هو.
جلست ليلى على حافة السرير، تحدّق في الهاتف الساكن من بعيد، وكأنها تراقب عدوًا صامتًا. «لماذا لم تتصل؟» قالتها بصوت خافت، غاضب. «ولماذا يهمني أصلًا إن اتصلت أم لا؟!» انفتح الباب فجأة. دخل سامر، فتوقفت ليلى فورًا، وانتفضت قليلًا في مكانها. نظر إليها بدهشة. «مع من كنتِ تتحدثين؟» «لا أحد، أبي.» «سمعتك تتحدثين بغضب. مع من؟» «كنت... أفكر بصوت مرتفع، هذا كل ما في الأمر.» نظر إليها بشك واضح. «لماذا أنتِ عصبية هكذا؟» «لست عصبية.» «ليلى.» «أنا متعبة فقط، أبي. يوم طويل في الشركة.» في تلك اللحظة، بدأ الهاتف يرنّ فوق السرير. اتسعت عينا ليلى، وشعرت بقلبها يسقط في معدتها. اقترب سامر خطوة نحو صوت الرنين. «ه
التفتت إليه، عيناها زائغتان. «أنا بخير...» لكن جسدها مال فجأة، كشجرة تفقد توازنها. أمسك بها قبل أن تسقط، وشعر بثقل جسدها الرخو بين ذراعيه. حملها إلى السرير ووضعها برفق. كانت عيناها نصف مغمضتين. «سأستدعي الطبيب.» أمسكت بذراعه للحظة، بقوة ضعيفة. «لا...» نظر إليها. «لماذا؟» لم تجب. كان تنفسها سريعًا، ووجهها أكثر شحوبًا من أي وقت مضى. أبعد آدم يدها عن ذراعه ووضعها فوق الغطاء برفق. «سأستدعيه.» * بعد وقت قصير، كان الطبيب إلى جوارها. أعطاها ما يلزم، ثم بقي يراقب حالتها بصم
دخل ريان إلى غرفة التجهيز. كانت بدلة السباق معلّقة أمامه، وبجانبها خوذته وقفازاه وحذاؤه، مرتّبة بدقة كأنها كانت تنتظر عودته منذ زمن. وضع هاتفه على الطاولة. خلع سترته، ثم بدأ يرتدي بدلة السباق بهدوء. لم يكن في حركاته أي تردد. كل خطوة يعرفها. كل قطعة في مكانها. كل تفصيل اعتاد عليه حتى صار جزءًا من جسده. وبعد دقائق، وقف أمام المرآة. حدّق في انعكاسه للحظة، وشيء في عينيه تحوّل من هدوء الرحلة إلى شيء آخر، أكثر حدّة، أشبه بجمرة توشك أن تشتعل. ثم أخذ الخوذة بين يديه. دخل أحد أعضاء الفريق، وتحدث معه بالإيطالية، مخبرًا إياه أن السيارة جاهزة وأن المهندسين ينتظرونه. أومأ ريان. «حسنًا.» خرج الرجل. بقي ريان وحده للحظات. أخذ نفسًا عميقًا، ملأ به صدره حتى آخره. ثم وضع الخوذة. * كانت السيارة تنتظره عند مدخل الحلبة. اقترب منها ريان، ووضع يده على سقفها للحظة، كأنه يتفقّد شيئًا حيًّا لا آلة صمّاء. ثم فتح الباب وجلس في الداخل. أغلقه. اختفى العالم من حوله. لم يعد يسمع أصوات العاملين ولا حركة السيارات في المرائب. فقط صوت المحرك. وصوته الداخلي. وصوت المهن







