เข้าสู่ระบบعادت كاميليا أخيرًا إلى داخل السيارة المعطلة بعد أن أقنعتها بياتريتشي بالكاد، وهي ترتجف من البرد أكثر من الخوف، بينما فستانها الأبيض المبلل أصبح الآن ملتصقًا بجسدها بالكامل، وقد فقد كل بريقه الاحتفالي ليتحول إلى عبءٍ ثقيل يزيد من شعورها بالتعاسة.
"لا يمكننا البقاء هنا طوال الليل." قالت بياتريتشي وهي تحاول تدفئة يديها بالنفخ عليهما. "لا إشارة هاتف، لا سيارات تمر، ونحن في منتصف العدم الريفي." "وما اقتراحك؟" سألت كاميليا بصوتٍ منهك. "أن نمشي؟ إلى أين بالضبط، بيا؟" فتحت بياتريتشي تطبيق الخرائط على هاتفها رغم انعدام الإشارة، محاولة الاستفادة من آخر خريطة محمّلة مسبقًا. "حسب ما أتذكره من هذا الطريق، هناك قرية صغيرة على بُعد كيلومترين تقريبًا في هذا الاتجاه. ربما نجد هناك من يساعدنا، أو على الأقل مكانًا نحتمي فيه من المطر." نظرت كاميليا إلى الظلام الدامس خارج نافذة السيارة، وإلى قدميها الحافيتين التي بدأتا تتألمان بالفعل من برودة الأرض. "كيلومتران في هذا الظلام، حافية القدمين، بفستان يزن الآن ضعف وزنه الأصلي بسبب الماء؟ رائع. أضيفي هذا إلى قائمة أفضل قرارات حياتي." ابتسمت بياتريتشي رغم الموقف الصعب. "على الأقل ما زلتِ تحتفظين بروح الدعابة. هذا مؤشر جيد." "هذا مؤشر على أنني فقدت عقلي رسميًا الليلة." ردّت كاميليا وهي تفتح باب السيارة بتردد، مستقبلة رذاذ المطر البارد على وجهها. خرجت الفتاتان من السيارة، تاركتين إياها مضاءة بأضواء الطوارئ الوامضة كعلامة لأي شخص قد يمر لاحقًا، وبدأتا السير بحذر عبر الطريق الترابي الموحل، متمسكتين ببعضهما البعض لتجنب الانزلاق. "أتعرفين ما الغريب في كل هذا؟" قالت كاميليا بعد دقائق من المشي الصامت، محاولة صرف انتباهها عن الألم في قدميها. "منذ ساعتين فقط، كنت أقف أمام المرآة أفكر كيف سأتحمل حياة كاملة مع رجل لا أحبه. والآن، أنا هنا، تحت المطر، بلا حذاء، ولأول مرة منذ أشهر أشعر بأنني أتنفس فعلاً." توقفت بياتريتشي للحظة، تنظر إلى صديقتها بعينين مليئتين بالمشاعر المختلطة. "كنت أعرف أنك ستقولين شيئًا كهذا. أنتِ دائمًا تجدين طريقة لرؤية الجانب المضيء حتى في أحلك اللحظات." "لست متأكدة إن كان هذا 'الجانب المضيء' أم مجرد جنون مؤقت ناتج عن الصدمة." ضحكت كاميليا بصوتٍ يخالطه ارتجاف من البرد. "اسأليني مرة أخرى غدًا عندما أستيقظ مريضة بالحمى وبلا مكان أنام فيه." استمرتا في السير، والمطر يزداد قوة تدريجيًا، حتى بدأت أصوات الرعد البعيدة تتردد في السماء، مضيفة طابعًا دراميًا إضافيًا لليلة كانت أصلاً مليئة بالأحداث الجنونية. "بيا، أريد أن أسألك شيئًا." قالت كاميليا فجأة، وهي تنظر إلى صديقتها بجدية غير متوقعة وسط كل هذه الفوضى. "لماذا ساعدتِني؟ أعني، كان بإمكانك ببساطة إقناعي بالبقاء، أو على الأقل عدم المخاطرة بنفسك لمساعدتي على الهروب. عائلتك تعرف عائلتي منذ سنوات، هذا قد يضعك في موقف محرج معهم." توقفت بياتريتشي عن المشي للحظة، تنظر إلى صديقتها بابتسامة حزينة قليلاً. "لأنني رأيت والدتي تعيش نفس الكابوس الذي كنتِ على وشك أن تعيشيه. تزوجت من رجل اختاره جدي لأسباب مالية بحتة، وقضت عشرين عامًا من حياتها تتظاهر بالسعادة أمام الجميع بينما كانت تذبل من الداخل ببطء. لن أسمح لأعز صديقاتي بأن تعيش نفس المصير إن كان بإمكاني فعل أي شيء لمنعه." شعرت كاميليا بدموع جديدة تختلط بقطرات المطر على وجهها، هذه المرة ليست دموع خوف أو حزن، بل دموع امتنان عميق. احتضنت صديقتها بقوة رغم برودة الجو المبللة بينهما. "لن أنسى هذا أبدًا يا بيا. مهما حدث بعد الليلة، لن أنسى ما فعلتِه من أجلي." "احتفظي بالعرفان لوقتٍ لاحق." قالت بياتريتشي وهي تبتعد قليلاً، محاولة كسر ثقل اللحظة العاطفية بابتسامة خفيفة. "الآن، أعتقد أنه علينا التركيز على عدم الموت من البرد قبل أن نصل إلى أي مكان آمن." ضحكت كاميليا بصوتٍ أعلى هذه المرة، وواصلتا السير معًا عبر الظلام والمطر، غير مدركتين أن ضوءين لسيارة قادمة بدآ يظهران من بعيد على الطريق، يقتربان تدريجيًا من نفس المنعطف الذي تسيران نحوه. كانت شاحنة نيكولو رومانو، عائدة من السوق محمّلة بأكياس المؤن، تقترب بسرعة معتدلة عبر الطريق المظلم، بينما كان صاحبها منشغل الذهن بالتفكير في تفاصيل إغلاق النُزل قبل اشتداد العاصفة، غير مدركٍ إطلاقًا أن انعطافًا واحدًا قادمًا سيضعه وجهًا لوجه مع لحظة لن تُمحى من ذاكرته بسهولة. اقتربت المسافة بين الشاحنة والفتاتين أكثر فأكثر، بينما استمر المطر في الانهمار بلا رحمة، وكأن الطبيعة نفسها كانت تُعدّ المسرح المثالي للحظة لقاء لم يكن أيٌّ من طرفيها مستعدًا لها.ساد صمت قصير مشحون بالترقب، بينما كانت أنظار الجميع معلقة على نيكولو الذي بدا يرتب أفكاره بعناء واضح، وكأن الجملة التي أوشك على نطقها تحمل ثقلًا أكبر مما يبدو عليه ظاهرها."النُزل يحتاج إلى شخص لإدارة قسم الاستقبال والفعاليات." قال أخيرًا، ناظرًا إلى كاميليا مباشرة. "الموظفة التي كانت تشغل هذا المنصب استقالت الأسبوع الماضي لظروف عائلية، ولوكا وأنا لم نجد بعد بديلاً مناسبًا. تحتاج الوظيفة لشخص يجيد التعامل مع الضيوف، وينظّم الحجوزات، ويهتم بالتفاصيل الدقيقة."توقف للحظة، وكأنه يقيس رد فعلها قبل أن يكمل. "أنتِ تتحدثين بثقة، وطريقتك في التعامل مع مواقف صعبة الليلة الماضية أثبتت أنك تملكين رباطة جأش نادرة. إن كنتِ بحاجة لمكان تقيمين فيه ومصدر دخل ريثما تقررين خطواتك القادمة، هذه الوظيفة شاغرة، والغرفة التي نمتِ فيها الليلة يمكن أن تكون سكنك طوال فترة عملك."اتسعت عينا كاميليا بذهول لم تحاول إخفاءه. لم تكن تتوقع مطلقًا عرضًا كهذا، لا من رجل غريب التقته منذ أقل من أربع وعشرين ساعة، ولا في ظل الفوضى التي تعيشها حياتها بأكملها حاليًا."أنت... تعرض عليّ وظيفة؟" سألت بصوت يخالطه ذهول حقيقي. "لك
استيقظت كاميليا في الصباح التالي على صوت خفيف لطرقات المطر المتناقصة تدريجيًا على نافذة الغرفة الحجرية، وللحظة نسيت تمامًا أين هي، قبل أن تتذكر أحداث الليلة الماضية بأكملها دفعة واحدة: هروبها، السيارة المعطلة، المطر، ونيكولو رومانو.جلست في السرير بسرعة، محاولة استيعاب كل ما حدث، ونظرت حولها إلى الغرفة الدافئة المريحة بجدرانها الحجرية القديمة وأثاثها الريفي البسيط الأنيق. تذكّرت حادثة الحمام المحرجة، وشعرت بوجهها يحمر خجلاً من جديد رغم أنها وحيدة تمامًا في الغرفة.نهضت وارتدت الملابس الاحتياطية التي تركتها في الخزانة الليلة الماضية - قميص نيكولو الكبير وبنطاله الرياضي المضبوط بحزام قطني - وتفقّدت نفسها في المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار. بدت مختلفة تمامًا عن الفتاة التي وقفت أمام مرآتها الخاصة قبل يوم واحد فقط بفستان زفاف باهظ الثمن، لكنها، لسبب ما، شعرت بارتياح أكبر بكثير في هذه الملابس البسيطة غير المألوفة.نزلت الدرج بحذر، متبعة رائحة القهوة الطازجة والخبز المخبوز التي بدأت تفوح من اتجاه المطبخ، ووجدت بياتريتشي جالسة بالفعل على طاولة الإفطار الخشبية الطويلة، ترتدي هي الأخرى ملابس
بقيت كاميليا مسمّرة في مكانها عند عتبة الحمام، عيناها متسعتان بذهول تام وهي تحدّق في المشهد أمامها: نيكولو رومانو، الرجل الذي بدا لها منذ لحظات هادئًا جادًا لا تشوبه أي انفعالات ظاهرة، يقف الآن أمامها بلا قميص، بجسد رياضي مشدود يحمل آثار ندبة قديمة على كتفه الأيسر لم تتمكن كاميليا من تجنب ملاحظتها رغم ذهولها الكامل."يا إلهي!" صرخت أخيرًا، وهي تغطي عينيها بيدها بحركة متأخرة جدًا لتكون مفيدة، بينما استدارت بسرعة مبالغ فيها حتى كادت تتعثر بقدميها الحافيتين. "أنا آسفة جدًا! ظننت أن هذا حمام الضيوف!"من جهته، لم يكن نيكولو في وضع أفضل حالًا، فقد انحنى بسرعة محاولًا التقاط قميصه المعلق على مقبض الباب، لكن حركته المتسرعة جعلته يصطدم بكوعه بحافة المغسلة الرخامية بقوة، فأطلق صرخة ألم مكتومة حاول كتمها بأقصى ما يستطيع من كرامة متبقية."هذا حمامي الخاص، ليس حمام الضيوف!" قال بصوت متوتر وهو يحاول ارتداء قميصه بسرعة، متعثرًا بكمّه اليسرى في محاولته المتلعثمة. "الحمام الذي أخبرتك عنه هو الباب التالي مباشرة، وليس هذا!""حسنًا، هذا لم يكن واضحًا تمامًا من إرشاداتك!" ردّت كاميليا بصوت أعلى مما قصدت،
بعد أن تفرّق الجميع باتجاه المطبخ، بقيت كاميليا واقفة في منتصف الردهة الدافئة، تشعر فجأة بوعي حاد بغرابة الموقف: امرأة بفستان زفاف مبلل تمامًا، تقف في ردهة نُزل ريفي، وحيدة تقريبًا مع رجل غريب التقته منذ أقل من نصف ساعة.كسر نيكولو الصمت أولاً، وهو يشير نحو الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق العلوي. "دعيني أريك غرفتك. لدينا غرفتان شاغرتان في الجناح الشرقي، بعيدًا عن الجناح الشمالي الذي ما زلنا نصلحه."تبعته كاميليا بصمت، محاولة تجاهل الألم المتزايد في قدميها الحافيتين على درجات السلم الخشبي البارد. لاحظ نيكولو ذلك بطرف عينه، وتوقف فجأة في منتصف الدرج."قدماك تنزفان." قال بجدية مفاجئة، مشيرًا إلى أثر خفيف من الدم على إحدى الدرجات خلفها.نظرت كاميليا إلى قدميها بدهشة، لم تكن قد لاحظت الجرح الصغير الذي سببته حصاة حادة أثناء سيرها في الطريق الترابي. "لا بأس، مجرد خدش بسيط.""اجلسي هنا." قال نيكولو بنبرة لا تقبل الجدال، مشيرًا إلى درجة السلم، وقبل أن تتمكن كاميليا من الاعتراض، اختفى بسرعة نحو غرفة قريبة عاد منها بعد لحظات حاملاً صندوق إسعافات أولية صغير.جلس أمامها على ركبة واحدة دون تردد، وأم
توقفت الشاحنة أخيرًا أمام المدخل الحجري الكبير لنُزل "لا كولينا"، وبمجرد أن أطفأ نيكولو المحرك، فُتح الباب الرئيسي للنُزل بسرعة، وخرج منه لوكا برونو حاملاً مظلة كبيرة، واضعًا يده الأخرى على خصره بوضعية استعراضية مبالغ فيها."أخيرًا! كنت قلقًا عليك يا صديقي، ظننت أن العاصفة..." توقف لوكا فجأة عن الكلام حين لاحظ الشكلين الإضافيين في المقصورة الأمامية للشاحنة، وانحنى قليلاً محاولًا رؤية ما بداخلها بوضوح أكبر عبر زجاج مبلل بالمطر.فتح نيكولو الباب ونزل من الشاحنة، متجاهلاً نظرة صديقه الفضولية المتزايدة. "لدينا ضيفتان تحتاجان للمأوى الليلة. سيارتهما تعطلت على الطريق.""ضيفتان." كرر لوكا بنبرة مسرحية، وهو يقترب أكثر بمظلته ليحمي الفتاتين وهما تنزلان من الشاحنة. ثم توقفت حركته تمامًا حين وقعت عيناه على فستان كاميليا الأبيض المبلل والمقصوص. رفع حاجبيه بدهشة صريحة لم يحاول إخفاءها إطلاقًا."يا للعجب... نيكولو رومانو، هل أحضرت لنا عروسًا حرفيًا من الطريق؟" سأل لوكا بصوت عالٍ مليء بالمرح المشاغب، غير مبالٍ إطلاقًا بنظرة التحذير التي أرسلها له نيكولو فورًا.شعرت كاميليا بوجهها يحمر خجلاً رغم برود
صعدت كاميليا إلى الشاحنة بصعوبة واضحة، محاولة ألا تجعل من نفسها مشهدًا أكثر إحراجًا مما هي عليه بالفعل، بينما ساعدتها بياتريتشي من الخلف بدفعة خفيفة لم تكن كاميليا بحاجة إليها لكنها لم تعترض عليها أيضًا. جلست في المقعد الأوسط، بين بياتريتشي التي أصرّت على الجلوس بجانبها والباب، ونيكولو الذي عاد إلى مقعد القيادة بهدوء غير متأثر ظاهريًا بغرابة الموقف بأكمله.فاح في المقصورة الضيقة رائحة مطر ممزوجة برائحة قماش الفستان المبلل، وشعرت كاميليا فجأة بوعي حاد بمدى سوء حالتها: شعر منفلت يقطر ماءً على مقعد جلدي نظيف، فستان مقصوص بطريقة عشوائية يكشف عن ساقيها أكثر مما تريد أمام رجل غريب تمامًا، ومكياج تأكد أنه أصبح كارثة كاملة من فرط تعرضه للمطر والدموع معًا."آسفة على... كل هذا." قالت أخيرًا وهي تنظر إلى المقعد المبلل تحتها بإحراج واضح. "سأتأكد من تعويضك عن أي أضرار تسببها للمقعد."نظر إليها نيكولو بطرف عينه وهو يقود بحذر عبر الطريق المظلم، وشيء في نبرة صوتها الحذرة أثار فضوله أكثر. "لا تقلقي بشأن المقعد. رأيت أسوأ من ذلك بكثير في هذه الشاحنة على مر السنين."ضحكت بياتريتشي بصوت خافت من الخلف، مح







