เข้าสู่ระบบضحكت كاميليا رغم دموعها التي بدأت تنهمر أخيرًا، مزيجًا من الخوف والارتياح والحزن على والدتها التي تركتها تواجه غضب الجميع وحدها.
مرّت نصف ساعة، والطريق الريفي الضيق بدأ يزداد ظلامًا كلما ابتعدتا عن المدينة، حتى بدأ صوت غريب يصدر من محرك السيارة، صوتٌ متقطع يشبه السعال، قبل أن تبدأ السيارة بالاهتزاز فجأة. "بيا؟ ما هذا الصوت؟" "لا أعرف! السيارة ليست لي، أختي لم تخبرني أن فيها مشكلة!" توقفت السيارة تمامًا في منتصف طريق ريفي موحل، محاطة بحقول مظلمة وأشجار عالية على الجانبين، دون أي إشارة على وجود منازل أو محطات وقود قريبة. نزلت بياتريتشي لتفحص المحرك بمساعدة ضوء هاتفها، بينما بقيت كاميليا في السيارة، تشعر أن العالم كله يتآمر ضدها في ليلة واحدة. "الأخبار السيئة،" قالت بياتريتشي بعد دقائق، وهي تغلق غطاء المحرك بصوتٍ معدني حاد، "لا أعرف شيئًا عن السيارات، وهاتفي لا يلتقط إشارة هنا. الأخبار الأسوأ، بدأ المطر." وكأن السماء كانت تنتظر تلك الجملة بالذات، بدأت قطرات المطر الأولى بالسقوط، خفيفة في البداية ثم تتحول سريعًا إلى زخات كثيفة. "لا يمكن أن يحدث هذا الآن!" صرخت كاميليا وهي تخرج من السيارة رغم اعتراض بياتريتشي، تشعر بحاجة ملحة للحركة، لفعل شيء، لأي شيء يمنعها من الانهيار تمامًا. وقفت وسط الطريق الموحل، حافية القدمين كما كانت منذ خروجها من القصر، والمطر يبلل ما تبقى من فستانها الأبيض ويحوّله تدريجيًا إلى قماش لاصق ثقيل، بينما شعرها المنفلت يلتصق بوجهها المبلل بالمطر والدموع معًا. "كاميليا، عودي إلى السيارة! ستُصابين بالبرد!" نادت بياتريتشي من خلفها. لكن كاميليا لم تتحرك، وقفت هناك تحت المطر، ترفع وجهها نحو السماء المظلمة، وتضحك ضحكة هستيرية مختلطة بالبكاء، ضحكة امرأة أدركت للتو أنها هربت من زواج لا تريده، لتجد نفسها عالقة تحت المطر في طريق مجهول، بلا مأوى، بلا خطة، وبفستان زفاف أصبح عبئًا أكثر منه رمزًا لأي شيء. على بعد كيلومترين فقط من ذلك الموقع بالضبط، كان رجل يقود شاحنته الصغيرة عائدًا من السوق الأسبوعي إلى نُزله الريفي، غير مدركٍ أن الطريق المظلم أمامه يحمل له مفاجأة ستُغيّر مسار الأسابيع القادمة من حياته بالكامل. عاد أوغستو فيرارو إلى القاعة الكبرى بعد أن تأكد بنفسه من أن غرفة ابنته فارغة تمامًا، النافذة مفتوحة والستائر ترفرف مع نسيم الليل وكأنها تسخر منه. وجهه، الذي كان قبل دقائق يحمل ابتسامة رجل أعمال واثق من نجاح صفقته الكبرى، تحوّل الآن إلى قناعٍ من الغضب المكتوم. "أين كاميليا؟" سأل بصوتٍ منخفض لكنه حاد كنصل سكين، موجّهًا سؤاله إلى زوجته إيزابيلا التي وقفت عند باب القاعة تحاول أن تبدو هادئة أمام الضيوف المتجمهرين. "لست أدري يا أوغستو، ربما تحتاج إلى بعض الوقت وحدها قبل..." "لا تكذبي عليّ." قاطعها بحدة، خافضًا صوته أكثر حتى لا يسمعه أحد من الضيوف القريبين. "أعرف تلك النظرة في عينيها. لقد هربت، أليس كذلك؟" لم تُجب إيزابيلا، لكن يديها المرتجفتين وعينيها المتجنبتين لنظرات زوجها كانتا اعترافًا كافيًا. على الجانب الآخر من القاعة، كان رينزو كونتي يقف بجانب طاولة الشراب، يحتسي كأس ويسكي بهدوء مصطنع، بينما عيناه الباردتان تراقبان المشهد بأكمله بحساب دقيق لا يشوبه أي قلق ظاهر. لم يكن رجلاً يُظهر انفعالاته بسهولة، لكن قبضته المشدودة على الكأس الزجاجية كانت تكشف أن هروب عروسه لم يكن مجرد إحراج اجتماعي بالنسبة له، بل إهانة شخصية لن ينساها. اقترب منه أوغستو بخطوات سريعة، محاولًا الحفاظ على مظهر الهدوء أمام الحضور. "رينزو، أنا... أعتذر بشدة عن هذا التصرف غير المسؤول من ابنتي. سأجدها وأعيدها، أعدك بذلك." نظر إليه رينزو بابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه. "لا داعي للاعتذار يا أوغستو. لكن دعني أذكّرك بأن اتفاقنا لم يكن مجرد زواج، بل كان ضمانة لتسوية ديونك. إذا لم تُتم هذه الزيجة خلال أسبوعين على أبعد تقدير، فسأضطر آسفًا لاسترداد كامل استثماراتي من شركتك... بفوائدها المتراكمة بالطبع." ابيضّ وجه أوغستو قليلاً. "أسبوعان؟ رينزو، هذا وقت قصير جدًا لـ..."ساد صمت قصير مشحون بالترقب، بينما كانت أنظار الجميع معلقة على نيكولو الذي بدا يرتب أفكاره بعناء واضح، وكأن الجملة التي أوشك على نطقها تحمل ثقلًا أكبر مما يبدو عليه ظاهرها."النُزل يحتاج إلى شخص لإدارة قسم الاستقبال والفعاليات." قال أخيرًا، ناظرًا إلى كاميليا مباشرة. "الموظفة التي كانت تشغل هذا المنصب استقالت الأسبوع الماضي لظروف عائلية، ولوكا وأنا لم نجد بعد بديلاً مناسبًا. تحتاج الوظيفة لشخص يجيد التعامل مع الضيوف، وينظّم الحجوزات، ويهتم بالتفاصيل الدقيقة."توقف للحظة، وكأنه يقيس رد فعلها قبل أن يكمل. "أنتِ تتحدثين بثقة، وطريقتك في التعامل مع مواقف صعبة الليلة الماضية أثبتت أنك تملكين رباطة جأش نادرة. إن كنتِ بحاجة لمكان تقيمين فيه ومصدر دخل ريثما تقررين خطواتك القادمة، هذه الوظيفة شاغرة، والغرفة التي نمتِ فيها الليلة يمكن أن تكون سكنك طوال فترة عملك."اتسعت عينا كاميليا بذهول لم تحاول إخفاءه. لم تكن تتوقع مطلقًا عرضًا كهذا، لا من رجل غريب التقته منذ أقل من أربع وعشرين ساعة، ولا في ظل الفوضى التي تعيشها حياتها بأكملها حاليًا."أنت... تعرض عليّ وظيفة؟" سألت بصوت يخالطه ذهول حقيقي. "لك
استيقظت كاميليا في الصباح التالي على صوت خفيف لطرقات المطر المتناقصة تدريجيًا على نافذة الغرفة الحجرية، وللحظة نسيت تمامًا أين هي، قبل أن تتذكر أحداث الليلة الماضية بأكملها دفعة واحدة: هروبها، السيارة المعطلة، المطر، ونيكولو رومانو.جلست في السرير بسرعة، محاولة استيعاب كل ما حدث، ونظرت حولها إلى الغرفة الدافئة المريحة بجدرانها الحجرية القديمة وأثاثها الريفي البسيط الأنيق. تذكّرت حادثة الحمام المحرجة، وشعرت بوجهها يحمر خجلاً من جديد رغم أنها وحيدة تمامًا في الغرفة.نهضت وارتدت الملابس الاحتياطية التي تركتها في الخزانة الليلة الماضية - قميص نيكولو الكبير وبنطاله الرياضي المضبوط بحزام قطني - وتفقّدت نفسها في المرآة الصغيرة المعلقة على الجدار. بدت مختلفة تمامًا عن الفتاة التي وقفت أمام مرآتها الخاصة قبل يوم واحد فقط بفستان زفاف باهظ الثمن، لكنها، لسبب ما، شعرت بارتياح أكبر بكثير في هذه الملابس البسيطة غير المألوفة.نزلت الدرج بحذر، متبعة رائحة القهوة الطازجة والخبز المخبوز التي بدأت تفوح من اتجاه المطبخ، ووجدت بياتريتشي جالسة بالفعل على طاولة الإفطار الخشبية الطويلة، ترتدي هي الأخرى ملابس
بقيت كاميليا مسمّرة في مكانها عند عتبة الحمام، عيناها متسعتان بذهول تام وهي تحدّق في المشهد أمامها: نيكولو رومانو، الرجل الذي بدا لها منذ لحظات هادئًا جادًا لا تشوبه أي انفعالات ظاهرة، يقف الآن أمامها بلا قميص، بجسد رياضي مشدود يحمل آثار ندبة قديمة على كتفه الأيسر لم تتمكن كاميليا من تجنب ملاحظتها رغم ذهولها الكامل."يا إلهي!" صرخت أخيرًا، وهي تغطي عينيها بيدها بحركة متأخرة جدًا لتكون مفيدة، بينما استدارت بسرعة مبالغ فيها حتى كادت تتعثر بقدميها الحافيتين. "أنا آسفة جدًا! ظننت أن هذا حمام الضيوف!"من جهته، لم يكن نيكولو في وضع أفضل حالًا، فقد انحنى بسرعة محاولًا التقاط قميصه المعلق على مقبض الباب، لكن حركته المتسرعة جعلته يصطدم بكوعه بحافة المغسلة الرخامية بقوة، فأطلق صرخة ألم مكتومة حاول كتمها بأقصى ما يستطيع من كرامة متبقية."هذا حمامي الخاص، ليس حمام الضيوف!" قال بصوت متوتر وهو يحاول ارتداء قميصه بسرعة، متعثرًا بكمّه اليسرى في محاولته المتلعثمة. "الحمام الذي أخبرتك عنه هو الباب التالي مباشرة، وليس هذا!""حسنًا، هذا لم يكن واضحًا تمامًا من إرشاداتك!" ردّت كاميليا بصوت أعلى مما قصدت،
بعد أن تفرّق الجميع باتجاه المطبخ، بقيت كاميليا واقفة في منتصف الردهة الدافئة، تشعر فجأة بوعي حاد بغرابة الموقف: امرأة بفستان زفاف مبلل تمامًا، تقف في ردهة نُزل ريفي، وحيدة تقريبًا مع رجل غريب التقته منذ أقل من نصف ساعة.كسر نيكولو الصمت أولاً، وهو يشير نحو الدرج الخشبي المؤدي إلى الطابق العلوي. "دعيني أريك غرفتك. لدينا غرفتان شاغرتان في الجناح الشرقي، بعيدًا عن الجناح الشمالي الذي ما زلنا نصلحه."تبعته كاميليا بصمت، محاولة تجاهل الألم المتزايد في قدميها الحافيتين على درجات السلم الخشبي البارد. لاحظ نيكولو ذلك بطرف عينه، وتوقف فجأة في منتصف الدرج."قدماك تنزفان." قال بجدية مفاجئة، مشيرًا إلى أثر خفيف من الدم على إحدى الدرجات خلفها.نظرت كاميليا إلى قدميها بدهشة، لم تكن قد لاحظت الجرح الصغير الذي سببته حصاة حادة أثناء سيرها في الطريق الترابي. "لا بأس، مجرد خدش بسيط.""اجلسي هنا." قال نيكولو بنبرة لا تقبل الجدال، مشيرًا إلى درجة السلم، وقبل أن تتمكن كاميليا من الاعتراض، اختفى بسرعة نحو غرفة قريبة عاد منها بعد لحظات حاملاً صندوق إسعافات أولية صغير.جلس أمامها على ركبة واحدة دون تردد، وأم
توقفت الشاحنة أخيرًا أمام المدخل الحجري الكبير لنُزل "لا كولينا"، وبمجرد أن أطفأ نيكولو المحرك، فُتح الباب الرئيسي للنُزل بسرعة، وخرج منه لوكا برونو حاملاً مظلة كبيرة، واضعًا يده الأخرى على خصره بوضعية استعراضية مبالغ فيها."أخيرًا! كنت قلقًا عليك يا صديقي، ظننت أن العاصفة..." توقف لوكا فجأة عن الكلام حين لاحظ الشكلين الإضافيين في المقصورة الأمامية للشاحنة، وانحنى قليلاً محاولًا رؤية ما بداخلها بوضوح أكبر عبر زجاج مبلل بالمطر.فتح نيكولو الباب ونزل من الشاحنة، متجاهلاً نظرة صديقه الفضولية المتزايدة. "لدينا ضيفتان تحتاجان للمأوى الليلة. سيارتهما تعطلت على الطريق.""ضيفتان." كرر لوكا بنبرة مسرحية، وهو يقترب أكثر بمظلته ليحمي الفتاتين وهما تنزلان من الشاحنة. ثم توقفت حركته تمامًا حين وقعت عيناه على فستان كاميليا الأبيض المبلل والمقصوص. رفع حاجبيه بدهشة صريحة لم يحاول إخفاءها إطلاقًا."يا للعجب... نيكولو رومانو، هل أحضرت لنا عروسًا حرفيًا من الطريق؟" سأل لوكا بصوت عالٍ مليء بالمرح المشاغب، غير مبالٍ إطلاقًا بنظرة التحذير التي أرسلها له نيكولو فورًا.شعرت كاميليا بوجهها يحمر خجلاً رغم برود
صعدت كاميليا إلى الشاحنة بصعوبة واضحة، محاولة ألا تجعل من نفسها مشهدًا أكثر إحراجًا مما هي عليه بالفعل، بينما ساعدتها بياتريتشي من الخلف بدفعة خفيفة لم تكن كاميليا بحاجة إليها لكنها لم تعترض عليها أيضًا. جلست في المقعد الأوسط، بين بياتريتشي التي أصرّت على الجلوس بجانبها والباب، ونيكولو الذي عاد إلى مقعد القيادة بهدوء غير متأثر ظاهريًا بغرابة الموقف بأكمله.فاح في المقصورة الضيقة رائحة مطر ممزوجة برائحة قماش الفستان المبلل، وشعرت كاميليا فجأة بوعي حاد بمدى سوء حالتها: شعر منفلت يقطر ماءً على مقعد جلدي نظيف، فستان مقصوص بطريقة عشوائية يكشف عن ساقيها أكثر مما تريد أمام رجل غريب تمامًا، ومكياج تأكد أنه أصبح كارثة كاملة من فرط تعرضه للمطر والدموع معًا."آسفة على... كل هذا." قالت أخيرًا وهي تنظر إلى المقعد المبلل تحتها بإحراج واضح. "سأتأكد من تعويضك عن أي أضرار تسببها للمقعد."نظر إليها نيكولو بطرف عينه وهو يقود بحذر عبر الطريق المظلم، وشيء في نبرة صوتها الحذرة أثار فضوله أكثر. "لا تقلقي بشأن المقعد. رأيت أسوأ من ذلك بكثير في هذه الشاحنة على مر السنين."ضحكت بياتريتشي بصوت خافت من الخلف، مح