Mag-log inضغط نيكولو رومانو على المكابح بخفة وهو يقترب من المنعطف الحاد الذي يعرفه جيدًا، والمطر ينهمر بغزارة على زجاج شاحنته الأمامي رغم عمل المساحات بأقصى سرعة لها. كانت الرؤية محدودة بشكل مقلق، لا شيء أمامه سوى شعاعي مصباحيه الأماميين يخترقان الظلام والمطر الكثيف.
فكّر للحظة في التوقف حتى تخف حدة العاصفة، لكنه تذكّر النافذة المكسورة في الجناح الشمالي من النُزل التي أخبره لوكا عنها صباحًا، والتي تحتاج إلى إصلاح عاجل قبل أن يتسرب المطر إلى الداخل ويُتلف الأثاث القديم الذي ورثه عن جده. قرر مواصلة القيادة، وإن ببطء أكبر وحذر مضاعف. كانت أفكاره تتنقل بين تفاصيل النُزل والقصص التي سمعها عن حفل زفاف عائلة فيرارو، حين لمح فجأة، عند حافة شعاع مصباحه الأيمن، ظلّين بشريين يتحركان ببطء على جانب الطريق. "ما هذا بحق السماء؟" تمتم لنفسه وهو يخفف السرعة أكثر، محاولًا التبين بوضوح وسط المطر الكثيف. لم يكن من المعتاد إطلاقًا رؤية أي شخص سيرًا على الأقدام في هذا الطريق النائي، خاصة في مثل هذا الطقس العاصف وفي هذا الوقت المتأخر من الليل. اقترب أكثر ببطء شديد، وبدأت ملامح الظلين تتضح تدريجيًا: امرأتان، إحداهما تبدو مرتدية ثيابًا داكنة عادية، بينما الأخرى... توقف نيكولو عن التفكير للحظة وهو يحاول استيعاب ما تراه عيناه. الأخرى كانت ترتدي ما يشبه فستان زفاف أبيض، مبللاً تمامًا وملتصقًا بجسدها، بقصة غير متساوية عند الركبة وكأنه قُصّ بعجالة، وشعرها الطويل ملتصق بوجهها من شدة المطر. "هل أنا أتخيل هذا؟" همس لنفسه، متسائلاً إن كان التعب قد بدأ يؤثر على رؤيته. بطّأ الشاحنة إلى أقصى حد ممكن وهو يقترب من الفتاتين، غير متأكد تمامًا من كيفية التعامل مع هذا الموقف الغريب. من ناحية، كل غريزة حذر لديه كانت تحذّره من التوقف لغرباء في طريق مظلم ليلاً، خاصة بعد سنوات من العيش بحذر شديد بسبب ماضيه الذي لم يُفصح عنه لأحد. لكن من ناحية أخرى، منظر امرأة بفستان زفاف تسير حافية القدمين تحت عاصفة مطرية في منتصف العدم لم يكن أمرًا يمكن لأي إنسان سوي أن يتجاهله ويمضي في طريقه. قرر أخيرًا التوقف على مسافة آمنة منهما، وأنزل نافذة الشاحنة قليلاً رغم اندفاع المطر إلى الداخل. "مساء الخير!" نادى بصوته العميق محاولًا أن يبدو غير مهدد قدر الإمكان. "هل كل شيء على ما يرام؟ هل تحتاجان للمساعدة؟" توقفت بياتريتشي وكاميليا فجأة عند سماع الصوت، تتبادلان نظرة سريعة مليئة بالحذر والتردد. من جهتها، كانت بياتريتشي أول من استجابت، محاولة إظهار حذر معقول رغم يأسهما الشديد من الوضع. "نعم... سيارتنا تعطلت على بعد كيلومتر تقريبًا من هنا، ولا توجد إشارة هاتف." أجابت بصوت مرتفع بما يكفي ليصل عبر صوت المطر. "كنا نحاول الوصول إلى القرية القريبة." نظر نيكولو إلى الفتاة الأخرى، تلك المرتدية فستان الزفاف، والتي بقيت صامتة تمامًا، تنظر إليه بمزيج من الحذر والإرهاق الشديد الذي بدا واضحًا حتى تحت ضوء المصابيح الخافت. شيء في نظرة عينيها - تحدٍ مختلط بضعف لا تريد إظهاره - أثار فضوله رغمًا عنه. "القرية على بُعد كيلومتر ونصف إضافي من هنا، ولن تصلا إليها قبل أن تُصابا بنزلة برد حادة في هذا الطقس." قال نيكولو بجدية، محاولًا إخفاء التردد الداخلي الذي يقاومه بشأن التدخل في مشكلة غريبة عنه تمامًا. "نُزلي على بُعد نصف كيلومتر فقط في الاتجاه المعاكس. يمكنني أن أوصلكما إلى هناك، حيث يمكنكما الاتصال بأي شخص تحتاجان الاتصال به والحصول على ملابس جافة." تبادلت كاميليا وبياتريتشي نظرة أخرى، هذه المرة أطول وأكثر توترًا. كانت كاميليا تعرف جيدًا مخاطر الصعود إلى سيارة رجل غريب تمامًا في منتصف الليل، لكن الجانب العملي فيها كان يذكّرها أيضًا بأن البديل هو الاستمرار في المشي تحت عاصفة قد تودي بصحتهما فعلاً. "من أنت بالضبط؟" سألت كاميليا أخيرًا، بصوتها الأول الموجه مباشرة إلى الرجل الغريب، محاولة أن تبدو أكثر ثقة مما تشعر به فعلاً رغم ارتجاف جسدها الواضح من البرد. نظر إليها نيكولو مباشرة للمرة الأولى، وشعر بشيء غريب يعبر صدره وهو يرى تلك العينين، رغم كل الإرهاق والبلل الذي يغمرهما، تحملان بريقًا من العناد والقوة لم يتوقعه من امرأة في مثل هذا الموقف الصعب. "اسمي نيكولو رومانو، أملك نُزلاً ريفيًا قريبًا من هنا." أجاب ببساطة، دون أن يفصح عن أي تفاصيل إضافية. "يمكنكما التحقق من هويتي بمجرد وصولنا، وسأتفهم تمامًا إن فضّلتما البحث عن مساعدة أخرى بدلاً مني." مرّت لحظة صمت ثقيلة، لا شيء فيها سوى صوت المطر المستمر وأصوات الرعد البعيدة، بينما كانت كاميليا تحسم قرارها الذي شعرت غريزيًا أنه سيغيّر شيئًا ما في مسار هذه الليلة الجنونية بأكملها. "حسنًا." قالت أخيرًا، بصوتٍ أقل ثقة مما أرادت. "سنقبل عرضك... لكن فقط لأننا لا نملك خيارًا أفضل حقًا." ابتسم نيكولو ابتسامة خفيفة بالكاد ملحوظة، شعر بارتياح غريب لم يفهم مصدره بالضبط. "خيار حكيم، في ظل الظروف الحالية على الأقل." فتح باب الشاحنة من الجهة الأخرى، غير مدرك إطلاقًا أن اللحظة التالية، حين ستحاول كاميليا الصعود إلى الشاحنة بفستانها المبلل الثقيل وقدميها المتجمدتين، ستكون بداية أحد أكثر المواقف إحراجًا في حياته وحياتها معًا.حين انتهت كاميليا من سرد كل شيء، ساد الغرفة صمت ثقيل. جلس أوغستو على حافة السرير، ينظر إلى ابنته بعينين تحملان مزيجًا من الحزن والحيرة، بينما بقيت إيزابيلا ممسكة بيدها، دموعها تنساب بصمت. "لم أكن أعلم أن رينزو يخفي كل هذا." قال أوغستو أخيرًا بصوت منخفض، يمرر يده على وجهه المتعب. "طوال سنوات عرفته، لم أرَه يشتكي مرة واحدة، ولا يظهر أي ضعف. والآن أفهم لماذا كان يبدو دائمًا بهذا الشحوب في آخر لقاءاتنا، وكنت أظنه مجرد إرهاق عمل." "كان يخبئه عن الجميع يا أبي." همست كاميليا. "حتى عن والدته." "والكونتيسا أدريانا؟" سألت إيزابيلا بقلق. "هل عرفت؟" "ماركو قال إنه سيخبرها بنفسه." أجابت كاميليا، تمسح دموعها بظهر يدها. "أتمنى فقط أن تتحمل الخبر أكثر مما تحملت أنا." مدت إيزابيلا يدها لتمسح على شعر ابنتها بحنان. "يا صغيرتي، لقد أحببتِه، أليس كذلك؟ ليس فقط قلقًا إنسانيًا كما كنتِ تقولين." ترددت كاميليا لحظة، ثم أومأت ببطء. "نعم يا أمي. أحببته. اكتشفت ذلك متأخرة جدًا، حين لم يعد بإمكاني إخباره." "لم يفت الأوان بعد." قال أوغستو بحزم لطيف، وكأنه يريد أن يمنحها شيئًا تتمسك به. "الأطباء قالوا إن بعض
وصلت كاميليا إلى قصر عائلتها بعد رحلة طويلة مرهقة، جسدها منهك تمامًا وقلبها مثقل بكل ما شهدته في ميلانو. توقفت السيارة عند البوابة، ونزلت بخطوات بطيئة، لتجد والديها ينتظرانها عند المدخل، وجهاهما يحملان ترحيبًا دافئًا معتادًا، غير مدركين تمامًا للعاصفة الداخلية التي تعصف بابنتهما. "كاميليا! أهلاً بعودتك يا صغيرتي!" قال أوغستو بابتسامة مشرقة، يقترب منها بذراعين مفتوحتين. اندفعت كاميليا نحوه، تحتضنه بقوة مفاجئة، وجهها مدفون في كتفه، محاولة أن تجد بعض العزاء في هذا الاحتضان الأبوي المألوف قبل أن تواجه ما تحتاج قوله. شعر أوغستو بارتجاف خفيف في جسد ابنته، وابتعد قليلاً لينظر إلى وجهها بقلق مفاجئ. "كاميليا؟ ما الأمر؟ هل كل شيء بخير؟ هل الصفقة..." "الصفقة بخير يا أبي، لا تقلق بشأنها." قالت كاميليا بصوت متعب، تحاول تجميع بقية قوتها. اقتربت إيزابيلا بدورها، تلاحظ بحدس أمومي ثاقب أن شيئًا ما ليس على ما يرام تمامًا في حالة ابنتها. "كاميليا، وجهك شاحب جدًا، وعيناك منتفختان. هل بكيتِ؟" بمجرد أن التقت عينا كاميليا بعيني والدتها، انهارت تمامًا، اندفعت نحوها، ملتفة ذراعيها حولها بقوة، ووجهها مدف
عند باب الغرفة، توقفت كاميليا للحظة أخيرة، تستدير برأسها ببطء لتلقي نظرة أخيرة على المشهد بأكمله: رينزو مستلقيًا بلا حراك وسط تلك الأجهزة الباردة، الشاشات تومض بأضوائها الخافتة، صوت جهاز التنفس المنتظم يملأ صمت الغرفة، وذلك الضوء الأبيض القاسي الذي يجعل كل شيء يبدو أكثر برودًا وغربة مما هو عليه بالفعل. حفظت هذا المشهد في ذاكرتها، كل تفصيل، كل ظل على وجهه، محاولة أن تحمل معها صورته هذه، مهما كانت مؤلمة، لأنها الصورة الوحيدة التي تملكها الآن منه. أغلقت الباب خلفها بهدوء تام، وكأن أي صوت إضافي قد يزعج ذلك السكون الثقيل الذي يخيم على المكان. سارت بجانب ماركو عبر الممرات الطويلة، صامتة تمامًا، لا كلمات تخرج منها، فقط دموع صامتة تستمر في الانسياب دون أي محاولة لإيقافها بعد الآن. وصلا إلى السيارة، وركبت كاميليا في المقعد الخلفي، تستند برأسها على الزجاج البارد للنافذة، تراقب شوارع ميلانو تمر أمامها ببطء، كل شيء يبدو بلا لون، بلا معنى حقيقي. "إلى المطار مباشرة؟" سأل ماركو بلطف، يلاحظ حالتها المنهارة من خلال المرآة الأمامية. أومأت كاميليا برأسها بصمت، غير قادرة على نطق كلمة واحدة. استمرت
انقلبت كاميليا على جانبها الآخر في منتصف الليل، الرسالة لا تزال مطوية بين أصابعها، ودموعها استمرت في الانسياب بصمت حتى استسلمت أخيرًا لنوم مضطرب متقطع، جسدها منهك تمامًا من ثقل هذا اليوم الطويل. استيقظت عند الظهيرة، الشمس تتسلل بقوة عبر فتحة صغيرة في الستائر التي نسيت إغلاقها بالكامل الليلة الماضية. جلست في السرير ببطء، رأسها ثقيل، عيناها منتفختان من البكاء الطويل، وشعور عام بالإرهاق يخيم على كل عضلة في جسدها. نظرت إلى هاتفها: رسالة من ماركو تخبرها أنه سيأتي لاصطحابها بعد ساعتين، حين تسمح ساعات الزيارة المحدودة في وحدة العناية المركزة. نهضت بصعوبة، توجهت نحو الحمام، وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاس صورتها: وجه شاحب، عينان محمرتان متعبتان، لا أثر لتلك المرأة الواثقة القوية التي وقفت في قاعة الاجتماعات قبل أيام قليلة فقط. غسلت وجهها بماء بارد، حاولت أن تجمع بقايا قوتها المتبقية. ارتدت ملابس بسيطة، لا داعي للأناقة الرسمية اليوم، فقط سترة داكنة بسيطة وبنطال مريح، شعرها مربوط ببساطة، ووجهها بلا أي مكياج تقريبًا، لا شيء يهم الآن سوى الوصول إليه. طرق ماركو باب غرفتها في الوقت المحدد تمامًا
بعد أن انتهت كاميليا من قراءة الرسالة للمرة الثالثة، شعرت بحاجة ملحة للتحدث مع شخص ما، لتشارك هذا الثقل الهائل الذي تحمله وحدها في تلك الغرفة الصامتة. تناولت هاتفها بيد لا تزال ترتجف، واتصلت ببياتريتشي دون تفكير إضافي. رن الهاتف مرتين فقط قبل أن تجيب بياتريتشي، صوتها يحمل دفئًا معتادًا رغم الساعة المتأخرة. "كاميليا؟ لم أتوقع اتصالك في هذا الوقت، هل كل شيء بخير؟" لكن بمجرد أن حاولت كاميليا الرد، انفجرت في بكاء عالٍ غير متحكم به، نحيب حقيقي يخرج من أعماقها دون أي قدرة على كبته، كلمات متقطعة غير مفهومة تحاول الخروج بين شهقاتها المتلاحقة. توترت بياتريتشي فورًا، قلقها يتصاعد بسرعة. "كاميليا؟ كاميليا، ماذا حدث؟ تكلمي معي، أنتِ تخيفينني!" حاولت كاميليا أن تتماسك، أن تجد كلمات واضحة وسط هذا الطوفان من المشاعر، لكن كل محاولة كانت تنتهي بنحيب أعمق. "بيا... رينزو... هو..." "رينزو؟ ماذا به؟ هل حدث له مكروه؟" سألت بياتريتشي بذعر متزايد، جالسة بشكل مفاجئ في سريرها، النوم يتبخر تمامًا من عينيها. "غيبوبة." استطاعت كاميليا أخيرًا أن تنطق الكلمة، صوتها متصدع تمامًا. "هو في غيبوبة يا بيا، منذ أيام
نظر ماركو إلى كاميليا بتفهم عميق لرغبتها الملحة، لكنه هز رأسه بلطف حازم. "آنسة فيرارو، أفهم رغبتك تمامًا، لكن الزيارة ممنوعة الآن في وحدة العناية المركزة، خاصة في هذه الساعات الأولى الحرجة. سآتي لاصطحابك صباح الغد، بمجرد أن تسمح الإدارة الطبية بزيارات محدودة." رأت كاميليا في عينيه صدقًا لا يقبل الجدال، وأدركت أن الإصرار الآن لن يُجدي نفعًا. أومأت برأسها ببطء، مستسلمة لهذا الواقع رغم كل الألم الذي يعتصر قلبها. "حسنًا... صباح الغد إذن." "أرجوك، حاولي أن ترتاحي الليلة." قال ماركو بحنان صادق، ينهض واقفًا. "أعرف أن هذا صعب جدًا، لكنكِ ستحتاجين لقوتك غدًا." قبل أن يغادر، أضاف بصوت أخفت، وكأنه يفكر بصوت عالٍ أكثر مما يخاطبها مباشرة. "سأتصل بالكونتيسا ليفيا أيضًا، والدة السيد كونتي، لإخبارها بالتطورات. لا يمكنني أن أتركها في جهل أكثر من ذلك أيضًا." غادر ماركو بعد ذلك، تاركًا كاميليا واقفة وحيدة في الصالون الفارغ، المظروف لا يزال بين يديها المرتجفتين، ثقله يبدو وكأنه يتضاعف مع كل ثانية تمر. بقيت واقفة هناك لدقائق طويلة، غير قادرة على الحركة، عقلها لا يزال يحاول استيعاب حجم هذا الخبر المرو






