Share

السادس

last update publish date: 2026-06-09 02:43:02

دلف إيفان إلى المخزن السري الخاص بأصدقائه الثلاثة، وكان يلهث بصعوبة بالغة، ممسكاً بقوة بقميصه الأسود عند موضع صدره لعل ذلك يخفف نيران ألمه التي بدأت تتصاعد مجدداً. التفت إليه سام، ماثيو، وأدريان بترقب وقلق شديدين، ليرتسم على شفتي إيفان الشاحبتين ابتسامه باردة للغاية وهو يقول بأنفاس متقطعة ومجهدة:

"الخدعة نجحت تماماً وبأفضل مما خططنا له.. ماركوس ابتلع الطُعم بالكامل ودون أدنى شك، وأرسل مارسيل كالمجنون لضرب وتفتيش مستودعات عائلة (فلاد) المنافسة."

لم يضيع إيفان ثانية واحدة، ووجه نظراته الحادة والثاقبة نحو سام وماثيو قائلاً بلهجة آمرة لا تقبل النقاش

:"ماثيو، سام.. تحركا الليلة فوراً دون أي تأخير. أريدكما أن تزرعا حقيبة الأدلة المزيفة والمستندات الخاصة بشحنة الأطفال داخل أحد المخازن الحيوية التابعة لفلاد. عندما يقتحم مارسيل ورجاله المكان رغماً عنهم في الساعات القادمة ويجدون تلك الحقيبة، ستشتعل حرب دموية رسمية في شوارع روما بين الطرفين.. وبذلك ينشغل الجميع عنا، ونكسب الوقت الثمين الذي نحتاجه لنحمي تحركاتنا القادمة."

أومأ سام وماثيو برأسيهما صمتاً وتحركا بسرعة لتجهيز الأسلحة والحقيبة المشحونة بالقرائن، بينما تقدم أدريان بخطوات قلقة وانفرد بإيفان الجالس بثقل على المقعد الخشبي. لاحظ أدريان أن عروق رقبة إيفان بارزة بوضوح، وأن شحوبه يزداد بشكل مرعب في ظل العرق البارد الذي يغرق جبينه المجهد، فقال بنبرة منخفضة يملؤها الرجاء الحار:

"إيفان.. أرجوك بحق صداقتنا وما مررنا به معاً، خذ قسطاً من الراحة الليلة ولا تذهب للمقر الرئيسي للمافيا. جسدك وقلبك المضطرب لن يتحملا أي توتر أو مجهود إضافي، وأنت تعلم ذلك."

صده إيفان بكبريائه الصارم، والتفت مغادراً وهو يرتدي قناعه القماشي الأسود ويركب دراجته النارية قائلاً بجفاف وقسوة

:"الراحة بعد أن أرى جثثهم تتساقط جميعاً وتنهار إمبراطوريتهم اللعينة.. الوقت لا ينتظر أحداً، وعلينا التنفيذ."

في تمام الساعة الحادية عشرة ليلاً، وصل إيفان إلى المقر السري للمافيا ليراقب الوضع عن كثب ويتأكد من توجيه التهم لفلاد. وبمجرد دخوله من الأبواب الحديدية الخلفية للمبنى، تفاجأ بصخب عارم وأصوات تشجيع ومراهنات حادة تنبعث من القبو السفلي الشاسع للمقر.

خطى خطواته الهادئة نحو الأسفل بمشية متمهلة ومدروسة، ليجد حشداً كبيراً من رجال العصابة يلتفون بحماس وإثارة حول حلبة قتال وملاكمة سرية ومسيجة بالقضبان الحديدية السميكة

.كان الزعيم الأكبر ماركوس يجلس في صدارة المكان على مقعد جلدي فخم يراقب الدماء والمراهنات وعيناه تلمعان بقسوة، وإلى جانبه يقف مارسيل الذي كان يبدو محتقناً، أحمر الوجه، ويريد تفريغ غضبه وإهانته بأي طريقة بعد الصدمة التي تلقاها صباحاً والتوبيخ الذي ناله. ما إن وطئت قدم إيفان المكان بهيبته الطاغية وشحوبه المعتاد، حتى التفتت إليه الأنظار وتوقفت الهمسات تدريجياً.لمح مارسيل الفرصة سانحة ليرد اعتباره أمام الزعيم بعد إهانة الصباح، فتقدم بخطوات واثقة ونحى برأسه احتراماً للزعيم ماركوس، ثم التفت نحو إيفان وقال بنبرة جادة تحمل تحدياً هادئاً ومبطناً أمام الحراس:

أهلاً بك يا إيفان.. الزعيم ماركوس كان يتحدث للتو عن كفاءتك العالية في إدارة الصفقات وراء المكاتب بنجاح. ولكن، بما أن شبكة المافيا في روما تقوم بالأساس على القوة الجسدية وحماية الميدان كما تعلم، ما رأيك أن تشرفنا بدخول الحلبة الليلة؟ نريد أن نرى كيف يدافع الفتى العبقري عن نفسه وعن رجالنا في قتال الشوارع الحقيقي أمام أحد أبطال المقر الأقوياء، أم أنك تفضل البقاء خلف الأوراق؟"

التفت ماركوس نحو إيفان بابتسامة فاحصة ومنتظرة لردة فعله، ليرى هل يملك الشجاعة الكافية للميدان والمواجهة أم أنه مجرد عقل مدبر.تلمعت عيناء إيفان ببرود قاتل خلف ملامحه الجامدة، ولمح بطرف عينه اهتمام الزعيم "ماركوس" المنتظر لردة فعله. في تلك اللحظة بالذات، دارت الأفكار في عقل العميل السري كآلة حاسبة دقيقة؛ علم يقيناً أن هذه المواجهة هي تذكرته الذهبية لاختصار أشهر طويلة من العمل المتخفي ومحاولات نيل الثقة العمياء. لن يقبل التحدي بدافع الغضب أو الكبرياء الأعمى، بل سيقبله ليسحق مارسيل تماماً، ويثبت لماركوس بالأدلة العملية أنه الرجل الأقوى، الأشرس والأجدر بأن يكون ذراعه الأيمن ومستشاره المقرب في العمليات القادمة،.نظر إيفان إلى مارسيل بابتسامة ساخرة وواثقة جعلت نظرات الحراس تضطرب، وخلع سترته السوداء الثقيلة ملقياً بها أرضاً بكبرياء صلب، وهو يثبت نظراته المتحدية والصقرية في عيني الزعيم ماركوس مباشرة، ثم تقدم نحو الحلبة الحديدية ودخلها بخطوات ثابتة وواثقة وعينين تشتعلان بتصميم مرعب يثبتان على خصمه الضخم الذي كان يبتسم بجرأة وثقة وهو يضرب قفازاته ببعضها محدثاً صوتاً ثقيلاً.

من بين الحشود المجتمعة في المدرجات العلوية للقبو المظلم، كانت هناك عينان غارقتان بالخوف والقلق الطاغي تراقبان المشهد بجنون؛ لقد كانت فاليريا التي تتبعت خطاه سراً، وكانت تضغط على يدها برعب خالص وهي تراه يدخل حلبة الموت رغماً عن مرضه وشحوبه الواضح، وكأن حياتها معلقة بنجاته من هذا العرين الدموي.

انطلقت صافرة البداية العنيفة، واندفع العملاق نحو إيفان بضربة يمينية ساحقة وسريعة. تفاداها إيفان بخفة ملحوظة ، لكن مع أول حركة رشيقة وسريعة، شعر بوخزة حارقة واعتصار مميت يضرب قلبه . تراجع خطوة للخلف ليلتقط أنفاسه بصعوبة، واستغل الخصم هذه الثغرة ليوجه لكمة قوية وقاسية أصابت فك إيفان مباشرة، ليرتد بجسده إلى الحبال الحديدية الخلفية ويسيل خيط رفيع من الدماء الساخنة الداكنة من زاوية فمه الحارقة.تعالت صيحات مارسيل المشجعة للعملاق بنشوة الفوز المنتظر:

"اسحقه بالكامل! أرنا حجمه الحقيقي الليلة وقدرته!"

ضغط إيفان على أسنانه بقوة اعتصار وحشية، وتناسى تماماً ألم صدره القاتل؛ فالاستسلام أو السقوط هنا يعني كشف سره وفشل مهمته وموته مهاناً أمام المافيا. انتفض بجسده كالفهد الجريح، واندفع نحو الخصم مستغلاً بطء حركته بسبب ضخامته الكبيرة وعضلاته الزائدة. وجه لكمة يسارية خاطفة وسريعة أصابت بطن العملاق بقوة، وأتبعها فوراً بصعودية (Upper-cut) يمنية مدمرة وقاتلة حطمت عظام أنف الخصم تماماً وأفقدته توازنه وسط صدمة وسكون الجميع.لم يمنحه إيفان ثانية واحدة للاستفاقة أو استعادة التوازن؛ ورغم أن صدره كان يغلي كالبركان المشتعل وأن رأسه يدور بعنف جراء نقص الأكسجين، إلا أنه جمع آخر ذرة قوة متبقية في عضلاته، ووجه لكمة قاضية ومرعبة أصابت صدغ العملاق مباشرة، ليسقط الجسد الضخم أرضاً بكامل طوله، مغشياً عليه وسط صدمة وسكون تام أطبق على ردهة القبو، وصراخ مارسيل الخائب والمحطم الذي تلاشت آماله بالكامل.نزل إيفان من الحلبة بهدوء تام وثبات أسطوري يحبس الأنفاس، ممسكاً بسترته وهندم ملابسه برتابة باردة، ثم نظر إلى مارسيل بنظرة ساخرة وقاتلة أخرسته وأذلته تماماً أمام الرجال، ثم التفت نحو الزعيم ماركوس الذي كان يبتسم برضا ونظراته تفيض بالتقدير لقوة الفتى، فأومأ له إيفان برأسه ببرود وغادر المكان بخطوات واثقة تظهر القوة المطلقة والنفوذ الجديد الذي انتزعه الليلة بنجاح وذكاء استراتيجي.تحرك إيفان في الممرات الضيقة والمظلمة المؤدية إلى المرآب السفلي (الجراج) حيث تقبع دراجته النارية الضخمة. كان الممر معزولاً وخالياً تماماً من الحراس والعيون. وبمجرد أن خطى عتبة الجراج وأصبح بعيداً عن أعين الكاميرات والرجال وحيداً في العتمة.. انهار قناعه الحديدي وتلاشى ثباته رغماً عن إرادته الصلبة.خارت قوى جسده المتهالك دفعة واحدة، وسقط بقوة وعنف على ركبتيه فوق الأرض الخرسانية الباردة والمبللة بماء الميناء. هاجمته أزمة قلبه ومريئه بعنف مدمّر وضراوة غير مسبوقة جراء المجهود العضلي والبدني الانتحاري الخارق الذي بذله في الحلبة ليقترب من الزعيم ويحكم سيطرته. بدأ يسعل بعنف شديد اهتز له جسده بالكامل، لتخرج كمية من الدماء القاتمة والحارة من جوفه وتتلطخ بها كفاه الارتجافيتان.انحبس الأكسجين تماماً عن رئتيه، وسودت الدنيا في عينيه وهو يمسك صدره باعتصار وألم يمزق الأحشاء، عاجزاً حتى عن التقاط أنفاسه الهاربة أو مد يده لجيبه لإخراج زجاجة دوائه . ليسقط بجسده جانباً على الأرض في العتمة، على حافة فقدان الوعي التام .ركلت فاليريا الأبواب وتحركت في الممرات المظلمة بخطوات مسرعة يملؤها الذعر، كانت أنفاسها تتسارع مع كل خطوة تخطوها في العتمة بحثاً عنه. ما رأته في حلبة الملاكمة جعل قلبها ينقبض؛ رأت كيف كان إيفان يمسك صدره في الخفاء وكيف كان يقاتل بنوع من الانتحارية.دلت عتبة الجراج الواسع والبارد، التفت بين السيارات الفارهة، ليتوقف نبضها فوراً وهي تلمح جسداً ملقى على الأرض الخرسانية بجانب الدراجة النارية السوداء. اندفعت نحوه وجثت على ركبتيها بصدمة، ل

تجده إيفان.. كان فاقداً للوعي تقريباً، وجسد يتصبب عرقاً بارداً، بينما تلوثت كفاه وجوف فمه بخيوط من الدماء جراء السعال العنيف الذي داهم مريئه وقلبه المعتل.تشنجت ملامح فاليريا برعب خالص، لكنها أدركت خطورة الموقف؛ لو رآه أحد الحراس في هذه الحالة لكانت تلك نهايته. امتدت يداها المرتجفتان نحو سترة إيفان الثقيلة، وبدأت تبحث في جيوبه بسرعة وجنون حتى عثرت على زجاجة دوائه . أخرجت منها حبة واحدة، وبحذر شديد وضعتها تحت لسانه، مسندة رأسه على ركبتها وهي تدعو في سرها أن يعود إليه النبض.سمعت فجأة صوت خطوات جنود الحراسة تقترب من مدخل المرآب، فلم يكن أمامها وقت للتفكير. استجمعت كل ما تملك من قوة، وجرت جسد إيفان الثقيل بجهد مضاعف، مستغلة بنيتها الرشيقة، حتى نجحت في إدخاله وتمديده فوق المقعد الخلفي لسيارتها الخاصة ذات الزجاج الداكن. أغلقت الباب بسرعة وصعدت خلف المقود، في نفس اللحظة التي مرت فيها دورية الحراس بجانب سيارتها دون أن يلحظوا شيئاً مريباً.انطلقت بالسيارة ببطء خارج أسوار المقر، ومع مفعول الدواء القوي وسير السيارة الهادئ،

بدأ إيفان يستعيد وعيه تدريجياً. فتح عينيه الغائرتين بثقل شديد، ليجد نفسه داخل سيارة فاليريا، وهي تمد يدها المرتجفة وتمسح بقايا الدماء عن زاوية فمه بقطعة قماش بيضاء، وعيناها تفيضان بمزيج من الدموع الحارقة والعتاب المرير.نظرت إليه فاليريا عبر المرآة العاكسة، وقالت بنبرة خفيضة ولكنها صارمة تملؤها الحرقة:

"لا تتحرك رغماً عن جسدك يا إيفان! لقد جازفت بحياتك بالكامل في تلك الحلبة اللعينة وتلقيت الضربات فقط لتقترب من ذاك اللعين ماركوس وتثبت له قوتك، والآن كدت تموت كالمتشردين في عتمة الجراج.. إلى متى ستستمر في الكذب؟ إلى متى ستخفي عني حقيقة هذا الوحش اللعين الذي يلتهم أحشاءك وجسدك يوماً بعد يوم؟"

بلع إيفان غصته المريرة بصعوبة، وألصق ظهره بالمقعد مجدداً ليحجب ملامحه المجهدة، وقال بصوت متحشرج يحاول جعله ثابتاً وطبيعياً قدر المستطاع:

"هذا ليس شأنكِ يا فاليريا.. أخبرتكِ سابقاً إنه مجرد إرهاق عابر بسبب ضغط صفقات السلاح، ولا داعي لهذه الأسئلة. قودي السيارة، وساعديني على الخروج من محيط الميناء الجنوبي دون أن يلمحنا أحد من رجال مارسيل."

أوقفت فاليريا السيارة فجأة على جانب الطريق المظلم بقوة أحدثت صوتاً حاداً للإطارات، والتفتت بجسدها بالكامل نحو المقعد الخلفي، والدموع تنحدر بسخاء على وجنتيها من عناده القاتل، وصاحت بصوت مخنوق تملؤه الهستيريا والخوف الصادق

:"لا.. بل هذا من شأني رغماً عنك وعن كبريائك يا إيفان! إذا لم يكن مرضك وانهيارك ودمك الذي يلوث كفيك من شأني.. فسيكون شأن مَن إذن؟! أخبرني! هل تريدني أن أقف متفرجة وأنا أراك تموت وتذبل أمام عيني كل يوم وأنت صامت وتدعي القوة؟ أنا لست غريبة عنك لتطردني من حياتك بهذه القسوة في كل مرة أحاول فيها إنقاذك!"

نظر إيفان في عينيها الغارقتين بالدموع، وتلاقت نظراتهما في عتمة السيارة؛ شعر بوخزة حقيقية في قلبه المعتل، ليس ألم المرض هذه المرة، بل ألم رؤية ضعف الفتاة التي يستميت لحمايتها من السقوط القادم لعائلتها. أغمض عينيه بقوة، وضغط بقبضته على صدره لتهدئة خفقانه المضطرب، ثم قال بنبرة خفتت حدتها وأصبحت أهدأ، ممتزجة بالإنهاك:

"فاليريا.. أرجوكِ، ليس الآن.. قودي السيارة وغادري الميناء، فوجودنا هنا خطر علينا نحن الاثنين."

مسحت فاليريا دموعها بقوة وارتجاف وهي تنظر لعناده، ثم التفتت نحو المقود مجدداً وضغطت على دواسة الوقود لينطلقوا في عتمة الليل الشتوية، مغادرين الميناء الجنوبي وغارقين في صمت خانق يحمل وراءه عاصفة من الأسرار التي بدأت تقترب من الانفجار.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قبل السقوط الأخير    شفرة العاصفه

    وقف الزعيم ماركوس في منتصف المساحة المتفحمة التي كانت قبل ساعات قليلة المستودع رقم 14، وعيناه تشتعلان بجنون مطلق لم يسبق له مثيل. النيران كانت لا تزال تلتهم بعض بقايا الصناديق الخشبية، والدخان الأسود الكثيف يتصاعد ليغطي سماء الفجر، محولاً ملايين الدولارات من الأسلحة والعتاد الثقيل إلى مجرد رماد وحطام متفحم. كان يصرخ بهستيريا عارمة، ويوجه ركلاته للحطام، بينما يقف رجاله حوله برؤوس منكسة وارتجاف خالص يملأ أوصالهم خوفاً من بطشه "من فعل هذا؟! انطقوا أيها الفاشلون!" زأر ماركوس بصوت أجش أرعب الطيور في السماء: "تفجير المستودع واختفاء مارسيل في نفس الليلة؟! هذه ليست حركة هواة.. هناك منظمة دولية كبرى، أو عائلة مافيا عريقة تريد سحقي من الوجود والاستيلاء على نفوذي في المدينة! وسيرجي القذر اختفى ولم يعد يجيب على خطوطي المشفرة! أقسم أنني سأبيد الجميع.. سأحرق الأخضر واليابس حتى أعثر على من تجرأ على تدمير هيبتي!"على بعد مسافة آمنة خلف الجدار الإسمنتي المتشقق، كانت فاليريا تقف بجسد متصلب وثبات انفعالي خارق يخفي وراءه دقات قلبها المتسارعة بعنف. كانت ترتدي معطفها الداكن، وعيناها الصقريتان تراقبان تح

  • قبل السقوط الأخير    استيقاظ الورقه الأخيرة

    تسلل النور الأبيض الحاد والبارد إلى جفني مارسيل الثقيلين، ليفتح عينيه ببطء شديد وسط حشرجة ألم مزقت حنجرته الجافة كانت أنفاسه متقطعة، وعقله الباطن لا يزال يستحضر صرخات العذاب وظلام "قبو الدم" وسياط حراس ماركوس التي نهشت لحمه طوال الأيام الماضية. انتفض بجسده فجأة بذعر مميت، متوقعاً رؤية وجه والده الروحي ماركوس وهو يوجه السلاح نحو رأسه بتهمة الخيانة لكن الرؤية بدأت تتضح أمامه لتصدمه تماماً؛ لم يكن هناك قبو دم، ولا جدران إسمنتية رطبة، ولا رائحة عفن. كان ممدداً فوق فراش طبي معقم داخل غرفة زجاجية بيضاء بالكامل ومحاطة بجدران زجاجية سميكة عازلة للصوت من اتجاه واحد. نظر إلى جسده ليجده ملفوفاً بالضمادات الطبية النظيفة، ومحقن محلول البلازما مثبت في ذراعه ببراعة فائقة أوقفت نزيفه القاتل."أين.. أين أنا؟" همس مارسيل بصوت مبحوح وهو يحاول التحرك، لكن جسده المنهك رفض الاستجابة: "هل هذا هو جحيم ماركوس الجديد؟"على الجانب الآخر من الزجاج العازل للرؤية، كان يقف إيفان عاقداً ذراعيه فوق صدره، وهالته الجليدية المرعبة تملأ فراغ غرفة التحكم المظلمة. وبجانبه كان يقف الدكتور إيثان ممسكاً بملفه الطبي، وعينا

  • قبل السقوط الأخير    مواجهه

    لم يضيع انزو دقيقة واحدة بعد أن أمن قيام ميلان بسحب سيرجي وتقييده في الغرفة المعزولة بالجناح الشرقي. كانت أنفاسه متلاحقة، وقلبه يغلي بمزيج حارق من الخزي والغضب الصامت. سار بخطوات سريعة وحاسمة في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الخاص بوالدته جوزيبينا، وكان يشعر بكل خطوة يخطوها كأنها جمرة تحرق كبرياء عائلته الفاسدة.كان يمسك في يده النسخة الثانية من ملف الجريمة القديمة؛ أوراق الرشاوى، وتزوير الطب الشرعي، وبصمة والدته الرقمية التي اشترت بها ذمم الشهود والضباط العسكريين لتلفيق تهمة القتل لإيفان قبل سنوات. ومن وراء الجدران، كان يسمع صدى نحيب الأم أوليفيا وعويل الأب النادم في الصالون، مما زاد من إصراره على استئصال الأفاعي من هذا البيت.بدون إذن أو طرقة واحدة، دفع انزو الباب الخشبي الضخم لغرفة والدته ودخل كالعاصفة التي تقتحم وكر الأسرار.كانت جوزيبينا تقف عند النافذة، ملامحها شاحبة كالموت، وتضم يديها المرتجفتين إلى صدرها وهي تراقب سيارات الشرطة والحراسة العسكرية في الخارج بعد زلزال الصالون. كانت أنفاسها متقطعة ودقات قلبها متسارعة بعنف كطبول مذعورة، والتفتت بذعر وصدمة وهي ترى اقتحام ابنها المفا

  • قبل السقوط الأخير    انفاس الثعلب محاصر

    كانت الأجواء داخل قصر جيوفاني بعد مغادرة إيفان واصدقائه اشبه بساحة معركة غطاها الرماد والصمت الخانق. ومع دقات الساعة السادسة صباحا، بدأت الهواتف المشفرة لشبكات الظل تهتز بعنف، لينتشر عبر قنوات المافيا السرية خبر تفجير المستودع 14 التابع لماركوس وسحق حراسه بالكامل على يد قوة مجهولة الهوية واختفاء مارسيل المعذب من قلب قبو الدم.في الممر الشرقي المظلم للقصر، كان سيرجي يقف وراء الستار، وجسده يتنفس بصعوبة كجرذ محاصر في زاوية ضيقة. كان يتصبب عرقا باردا، وعيناه زائغتان تراقبان شاشة هاتفه التي تومض بمحاولات اتصال فاشلة بماركوس."اللعنة.. ماركوس لا يجيب.. المستودع تم تدميره بالكامل وقوتنا المهاجمة أُبيدت قديما في الزقاق!" همس سيرجي بنبرة مليئة بالرعب وهو يمسح جبهته بيد ترتجف بعنف. أدرك الثعلب الخائن أن مسرحيته قد سقطت، وأن إيفان يمتلك الملف الأصلي الذي يحمل بصمات رشاويه وجريمة القتل القديمة، مما يعني أن نهايته أصبحت مسألة ساعات فقط. قرر أن يجمع ملفاته السرية ويهرب فورا من المدينة قبل أن يرتد عليه رصاص إيفان البارد.تحرك سيرجي بخطوات متسارعة وخفيفة نحو مكتب الجد ديمتريوس لسرقة وثائق وتأمين

  • قبل السقوط الأخير    زلزال في الصالون

    انقشعت غيوم الليل ببطء لتشرق شمس الصباح على قصر جيوفاني العتيق، لكن النور لم يجلب الأمان، بل كشف عن عاصفة كانت تطبخ على نار هادئة في ممرات القصر.في الصالون الرئيسي ذو الأثاث الفاخر، نجح انزو وميلان في جمع العائلة الكبيرة في وقت مبكر جداً. كان الجد ديمتريوس يجلس بهيبته العسكرية الصارمة مستنداً على عصاه، وبجانبه العقيد فولكوف بملامحه المجهدة، والأم أوليفيا وعيناها حمراوان من أثر بكاء ليلة أمس بعد جفاء إيفان معها. وفي الزاوية المقابلة، كان سيرجي يجلس متصلباً، يحاول الحفاظ على هدوئه المزيف، لكن عروق جبهته كانت ترفض الاستقرار بسبب الرعب الذي ينهش أحشاءه بعد كلمات إيفان الأخيرة ومكالمته العاصفة مع ماركوس.تقدم ميلان بخطوات واثقة حادة، وتبعه انزو بوجه شاحب ممتلئ بالخزي من أفعال عائلته، لكن عيناه كانتا تشتعلان برغبة قاطعة في إحقاق الحق.بضربة واحدة قوية وصادمة، ألقى ميلان بالملف الجلدي الداكن المنسوخ من مكتب العم سيرش فوق الطاولة الرخامية في منتصف الصالون."ما هذا يا ميلان؟" سأل العقيد فولكوف بنبرة حادة ومستغربة وهو ينظر إلى الملف: "لماذا جمعتمونا في هذا الوقت؟"نظر ميلان مباشرة في عيني العق

  • قبل السقوط الأخير     خيوط الدم

    معد انزو وميلان درجات القبو الحديدية المؤدية إلى الممرات الخلفية لقصر جيوفاني، وكانت خطواتهما ثقيلة كأنها تحمل وزناً مرعباً فوق الكاهل. حالة الذهول شلت تفكيرهما تماماً؛ فالصدمة لم تكن من قذارة "جوزيبينا وسيرجي" فحسب، بل من ذلك التابوت الفكري المخيف الذي يعيش فيه إيفان. إنه يمتلك السر والدليل على براءته من جريمة القتل منذ ثلاث سنوات كاملة، ومع ذلك ترك عائلته تأكلها النيران، محتفظاً برصاص براءته البارد في خزنته السرية كبرياءً وعزة نفس."هل رأيت نظرة عينيه يا انزو؟" همس ميلان وهو يلتفت خلفه نحو باب القبو المغلق، وعرقه البارد لم يجف بعد. "إنه لا يريد براءة.. إنه يريد إبادة كاملة للأفاعي بطريقته الخاصة. كبرياؤه المظلم يرفض أن يستجدي كلمة غفران واحدة من عائلة تخلت عنه من أجل أوراق مزورة."شد انزو على قبضته وعيناه تملأهما الدموع والقهوة الممزوجة بالخزي من أفعال والدته جوزيبينا، لكن ملامحه تحولت إلى صلابة قاطعة: "ميلان.. إيفان على حق. عائلتي دمرت مستقبله وجعلته يعيش كالمطرود في الشوارع وفي براثن المافيا تحت شعارهم الزائف (لحماية العائلة). من الآن فصاعداً، نحن ظله في هذا القصر. سنتعهد بحما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status