登入إيفان
مرّ بعض الوقت… والهدوء سيطر على الكوخ بالكامل. النار كانت تشتعل بهدوء قربنا، وصوت الحطب المتكسر بين حين وآخر امتزج مع صوت الرياح خارجًا. ظننت أن لافندر ما زالت مستيقظة. لكن بعد فترة… بدأ تنفسها يصبح أبطأ. أهدأ. نامت فعلًا. تنهدت بخفة وأنا أحدق بالسقف محاولًا تجاهل قربها مني. لكن فجأة… تحركت أثناء نومها. ثم استدارت نحوي مباشرة. تجمدت للحظة لما لفّت ذراعها حول خصري وكأن الأمر طبيعي تمامًا. حتى ساقها التفّت حولي بخفة وهي تتمتم بشيء غير مفهوم أثناء نومها. رمشت ببطء. — “...هل تمزحين معي؟” إيف انفجر ضاحكًا داخل رأسي. — “إنها تفعلها مرة أخرى.” أغمضت عيني بانزعاج. لكنه أكمل بسخرية: — “تتذكر عندما كنا صغارًا؟” وللأسف… كنت أتذكر جيدًا. … يومها كانت صغيرة جدًا. ربما بعمر الثامنة. كانت قد تسللت إلى غرفتي بعد أن تشاجرت مع خالتي لينيا بسبب درس السحر. استيقظت وقتها لأجدها نائمة فوقي بنفس الطريقة تمامًا… ذراعها حول خصري ورأسها فوق صدري وكأنها تملك المكان. ولما حاولت إبعادها… عضت يدي وهي نائمة. تذكرت كيف صرخ لوكا وقتها من الضحك حتى وقع عن الكرسي. بينما أبي قال ببرود: — “اعتد على الأمر.” حتى أمي كانت تضحك وهي تقول إن لافندر دائمًا تنام قرب من تشعر بالأمان معهم. تنهدت بخفة. — “ومنذ ذلك الوقت وهي مزعجة.” إيف ضحك. — “لكنك لم تبعدها يومًا.” قبل أن أجاوبه… سمعت صوتًا بالخارج. أغصان تتحطم. وحركة سريعة بين الأشجار. فتحت عيني فورًا. وغريزة الألفا داخلي استيقظت مباشرة. بدون تفكير… سحبت لافندر نحوي أكثر. جسدها التصق بي بالكامل تقريبًا بينما رفعت رأسي بحدة أراقب الباب. مرّت عدة ثوانٍ متوترة… ثم عاد كل شيء هادئًا. فقط الرياح. زفرت ببطء. لكن لما نظرت للأسفل… تجمدت قليلًا. لافندر دفنت وجهها داخل صدري أثناء نومها. وكأنها شعرت بالخطر حتى وهي نائمة. أنفاسها الدافئة كانت تضرب عنقي بخفة… وشعرها الأسود الطويل منتشر فوق ذراعي. ورائحتها… لعنة واحدة فقط. كانت تجعل السيطرة على نفسي أصعب مما يجب. حاولت إبعاد نظري عنها. لكنني فشلت. لأنني فجأة بدأت أتذكر أشياء أكثر. … أتذكرها وهي تركض خلفي بالقصر وهي صغيرة فقط لأنها أرادت رؤية ذئبي. أتذكر كيف كانت تسرق سيفي الخشبي وتختبئ فوق الأشجار حتى ألاحقها. وكيف كانت دائمًا… دائمًا… تبتسم لي وكأنني شخص مذهل رغم برودي معها. حتى عندما كنت أتجاهلها… كانت تخفي حزنها، حتى عندما صرخت بها وأنا أقول إني اكره رائحتها كا مصاصت دماء. كانت تعود مجددًا في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث. تذكرت يوم سقطت من فوق سور التدريب. وقبل أن تبكي… أول شيء قالته كان: — “لا تخبر أحدًا أنني وقعت.” ضحكت بخفة دون أن أشعر. ثم توقفت. لأن قلبي فجأة… شعر بثقل غريب. وكأن هناك شيئًا يقترب. شيء سيئ. نظرت إليها مجددًا. إلى ملامحها الهادئة وهي نائمة قرب صدري وكأن العالم كله لا يستطيع إيذاءها هنا. ثم ببطء… دفنت وجهي قرب شعرها الأسود الطويل. رائحته كانت تحمل رائحة المطر واللافندر والدخان الخفيف من النار. وخارج الكوخ… كانت الغابة هادئة بشكل مرعب. القمر يضيء الأشجار بصمت. ويتسلل عبر نافذة الكوخ،بينما أضاء وهج خفيف وجه لافندر والريح تمر بين الأغصان وكأنها تهمس بشيء لا أستطيع فهمه. أما أنا… فقط بقيت هناك. أضمها أقرب دون وعي… وكأن جزءًا داخلي بدأ يخاف من فكرة أن يأتي يوم… ولا أستطيع فيه فعل ذلك مجددًا.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ