登入من وجهة نظر لافندر
فتحت عيني ببطء… أول شيء سمعته كان صوت الحطب المحترق بهدوء داخل المدفأة. والشيء الثاني… الدفء خلفي. رمشت عدة مرات بنعاس قبل ما أتجمد فجأة. أمس. الكوخ. النوم معه على نفس السرير. احمر وجهي فورًا. وببطء شديد استدرت نحوه. كان ما يزال نائمًا. شعره الأبيض مبعثر قليلًا فوق عينيه، وأنفاسه هادئة بشكل غريب على شخص مثله. لثوانٍ… فقط بقيت أنضر إليه. هادئ. وسيم بشكل مستفز. ومختلف تمامًا عندما يكون نائم. ترددت قليلًا… ثم دون وعي رفعت يدي ببطء. وبأطراف أصابعي أبعدت خصلة شعر عن وجهه بحذر شديد وكأنني أخاف أن يستيقظ. بعدها… وبغباء مطلق… بدأت أرسم ملامح وجهه بخفة بإصبعي. حاجبه. أنفه. خط فكه الحاد. تنفسي تباطأ دون ما أشعر. لكن فجأة— تجمدت. واتسعت عيناي بصدمة. — “ماذا أفعل بحق السماء؟!” سحبت يدي بسرعة وكأنني احترقت. قلبي صار يدق بجنون. أنا… كنت أتصرف حرفيًا مثل المهووسات بالروايات التي كانت خالتي هرلين تخبئها عن الجميع. دفنت وجهي بكفي بخجل. — “يا إلهي… إذا عرف سأموت.” نهضت بسرعة من السرير فقط لأهرب من أفكاري. وقدمي كانت أفضل فعلًا من البارحة. اقتربت من الشباك الصغير. محاولة تهدئة أفكاري ،نضرت إلي الغابه . الغابة كانت هادئة بشكل جميل. الضباب الخفيف بين الأشجار… ورائحة المطر… وصوت العصافير البعيد. حتى الكوخ نفسه بدا دافئًا بطريقة غريبة. تأملت المكان بصمت… ثم دون قصد بدأت أتخيل كيف قد يبدو لو بقيت هنا وحدي. كيف سأرتب المكان. أزرع زهورًا بالخارج. أضيف كتبًا قرب النافذة. وأثناء شرودي… تخيلته. إيفان. واقفًا خلفي. لكن ليس ببروده المعتاد. كان ينظر إلي بطريقة مختلفة. هادئة. ودافئة. ثم تخيلته يقترب أكثر… يمسك وجهي ببطء… وينحني نحوي— شهقت بفزع وفتحت عيني بسرعة. ثم أدركت أنني ما زلت وحدي أمام النافذة. احمر وجهي بالكامل. — “أنا فقدت عقلي بالكامل…” غطيت وجهي بسرعة وأنا ألعن خيالي الغبي. لكن صوت أجش خلفي قال بهدوء: — “ماذا تفعلين؟” شهقت والتفت بسرعة. كان إيفان قد استيقظ. شعره ما يزال فوضويًا قليلًا وعيناه نصف ناعستين وهو يستند على ذراعه وينظر إلي بريبة. حاولت التظاهر بالطبيعية بسرعة. — “لا شيء!” رفع حاجبًا وكأنه لا يصدقني إطلاقًا. ثم سأل: — “قدمك؟” نظرت إليها قبل أن أهمس: — “أفضل…” هز رأسه بهدوء. وبعد فترة قصيرة… غادرنا الكوخ أخيرًا. طوال الطريق كنت أحاول تجاهل أفكاري المجنونة عن ليلة أمس. لكن المشكلة… أن كلما تذكرت كيف كنت نائمة بحضنه… كان وجهي يحترق أكثر. ولما وصلنا إلى المملكة… كان الجميع تقريبًا بحالة فوضى. خالي أيان ركض نحوي أولًا بعده أخي لوكا وهو يصرخ: — “أخيرًا! ظننت أنكما متما!” وجدتي كانت على وشك البكاء. أما أبي زاك فكان ينظر إلي ببرود مخيف جدًا. — “أين كنتِ؟” بلعت ريقي فورًا. لكن قبل أن أجاوب… تكلم إيفان بهدوء تام: — “تدريب خارج حدود الغابة. تأخرنا فقط.” التفت نحوه بصدمة صغيرة. لم يذكر شيئًا عن الكوخ. ولا عن الليل. ولا حتى عن أنني كدت أموت أكثر من مرة. فقط كذب بهدوء… لأجلي. لاحظت نظرة أمي العارف نحونا. كانت تبتسم ابتسامة صغيرة وكأنها فهمت شيئًا. وهذا وحده جعلني أتوتر أكثر. أما إيفان… فاكتفى بالنظر إلي للحظة قصيرة. ثم قال ببرود المعتاد: — “لا تتسللي خارج المملكة وحدك مرة أخرى.” لكن المشكلة… أنني لأول مرة… لم أسمع البرود في صوته فعلًا.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ