登入من وجهة نظر إيفان
بقيت أحدق في شظايا المزهرية المتناثرة على الأرض. الهدوء داخل الغرفة كان خانقًا. أما داخلي... فكان كل شيء عكس ذلك تمامًا. شعرت وكأن شيئًا يضغط على صدري بقوة. شيء لم أستطع طرده مهما حاولت. شعرت وكان مأت الإبر تغرس في صدري. ثم فجأة... صدر طرق خفيف على الباب. ولم أنتظر حتى أجيب. فُتح الباب ودخلت أمي، وكان القلق بادي على وجهها. توقفت فورًا عندما رأت الفوضى. ثم انتقلت عيناها نحوي. نظرة واحدة فقط... وكأنها فهمت كل شيء. — "إيفان؟" هززت رأسي بسرعة. — "أنا بخير." رفعت حاجبًا. تلك الحركة التي كانت تجعلني أشعر أنني ما زلت طفلًا صغيرًا مهما كبرت. ثم اقتربت وجلست بجانبي. وأمسكت يدي. — " إيفان ،أنا أمك." قالت وهي تنضر إلى. ابتسمت ابتسامة صغيرة. — "وأعرف أنك تكذب." تنهدت بصمت. وضعت يدها على خدي كما كانت تفعل منذ طفولتي. — "أخبرني." خفضت نظري للأرض. — "لا أعرف..." حتى صوتي بدا غريبًا. — "فقط أشعر..." توقفت للحظة. — "وكأنني سأخسر شيئًا مهمًا." ساد الصمت. ثم ابتسمت أمي ابتسامة هادئة. ابتسامة مليئة بالذكريات. — "أتعلم؟" رفعت رأسي نحوها. — "عندما كنت أحملك في بطني..." ضحكت بخفة. — "كنت أعتقد أنني خسرت والدك للأبد." اتسعت عيناي قليلًا. رغم أنني أعرف القصة... إلا أن سماعها منها كان مختلفًا. — "كنت مكسورة." قالتها بهدوء. — "خائفة." ثم أضافت: — "وغاضبة أيضًا." ضحكت بخفوت. — "لكن رغم كل ذلك..." وضعت يدها فوق صدري. — "كنت أعرف ما أشعر به هنا." نظرت إلي مباشرة. — "كنت أحبه." — "وأثق بما بيننا." — "لهذا لم أستسلم." —"لكن يجب أن تعلم أن كل شخص، أحيانا لا يقدر ما يملك إلا عندما يشعر أنه سوف يفقده ." سكتت لثوانٍ. ثم أضافت بهدوء: — "إذا شعرت أن هناك شيئًا مهمًا بالنسبة لك..." — "فلا تتركه يضيع." شعرت أن الكلمات أصابتني مباشرة. كأنها تعرف أكثر مما تقول. أكثر مما أقول أنا حتى. ثم انحنت وقبلت رأسي. كما كانت تفعل دائمًا. — "فكر جيدًا يا صغيري." وقفت بعدها وغادرت الغرفة. وبقيت أنا وحدي. مع كلماتها. ... مر بعض الوقت. لا أعرف كم. حتى فجأة... وصلتني رائحة مألوفة. رائحة جعلت قلبي ينبض بقوة رغمًا عني. لافندر. أغمضت عيني لثانية. ثم انفتح الباب. ودخلت هي. توقفت عند المدخل. تبتسم كعادتها. لكن ابتسامتها تلاشت تدريجيًا عندما لاحظت أنني لم أنظر إليها. تقدمت خطوتين. — "إيفان؟" لم أجب. نظرت نحو النافذة بدلًا منها. شعرت بها تقترب أكثر. — "هل فعلت شيئًا؟" ما زلت صامتًا. — "هل أنت غاضب مني؟" ضغطت فكي بقوة. لأنني لو نظرت إليها الآن... لا أعرف ماذا سأقول. ولا ماذا سيظهر على وجهي. وقفت أمامي أخيرًا. محاولة أن تلتقط نظري. — "إيفان." تنهدت أخيرًا. — "ماذا تريدين؟" تجمدت للحظة. ثم أجابت: — "كنت أبحث عنك." — "لماذا؟" ابتسمت بخجل بسيط. ذلك الخجل الذي أصبح يؤلمني الآن. — "أريدك أن تأتي معي أنا ولوكا." شعرت بشيء سيئ فورًا. — "إلى أين؟" ابتسمت أكثر. ثم قالت بحماس: — "لأنني سأقابل رفيقي." صمت. كل شيء صمت. كأن العالم توقف للحظة كاملة. شعرت بشيء يغوص داخل صدري. ببطء. وبقسوة. كخنجر بارد. أما إيف داخلي... فلم يقل شيئًا هذه المرة. ولأول مرة منذ سنوات... صمت تمامًا. لأن الألم الذي شعرت به... كان أكبر من أن يسخر منه أحد. حتى ذئبي.من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ