LOGINهرلين
استيقظتُ ببطء على دفء ضوء الشمس المتسلل عبر ستائر غرفتي داخل قصر سيلفرا. بقيت مستلقية للحظات أحدق بالسقف الأبيض المزخرف، بينما عادت أحداث الليلة الماضية إلى رأسي دفعة واحدة. اتسعت عيناي قليلًا، ثم شعرت بحرارة قوية تصعد إلى وجهي فورًا. هيفان… طريقته وهو يقترب مني، صوته المنخفض، ونظرته الغاضبة المليئة بشيء لم أستطع تفسيره بالكامل. وضعت الوسادة فوق وجهي بخجل وأنا أتنهد: — “يا إلهي…” ضحكت جوليا داخل رأسي بسعادة واضحة. — “لقد كان يغار علينا.” — “جوليا توقفي…” لكن حتى وأنا أنكر، لم أستطع منع الابتسامة الصغيرة التي ظهرت فوق شفتي. بعد فترة، نهضت واستعددت للنزول إلى الفطور. حاولت أن أبدو هادئة وطبيعية رغم أن قلبي كان يتوتر كلما تذكرت نظرات هيفان ليلة أمس. قاعة الطعام كانت هادئة على غير العادة. جلس الجميع يتناولون الطعام بهدوء، بينما كان هيفان يجلس في مكانه المعتاد بملامحه الباردة وكأن شيئًا لم يحدث بيننا أبدًا. وهذا أربكني أكثر. كنت أرفع نظري نحوه أحيانًا دون وعي، لكن كلما التقت أعيننا أخفض بصري بسرعة وأتظاهر بالاهتمام بطعامي. بعد انتهاء الفطور بقليل، اقتربت مني ألين، شقيقة سيران، بابتسامتها اللطيفة المعتادة. — “هرلين، هل تودين الذهاب معي إلى السوق؟” رفعت رأسي بحماس فوري. — “حقًا؟” ضحكت بخفة وهي تعدل شعرها البني الطويل. — “بالطبع. لا يمكنك زيارة سيلفرا دون رؤية سوقها.” وافقت فورًا، وبعد أقل من ساعة كنا نسير وسط شوارع المملكة الواسعة. منذ اللحظة التي دخلنا فيها السوق، شعرت بالانبهار. كان المكان مليئًا بالحياة بطريقة مختلفة تمامًا عن أسواق نورفاي الهادئة. الأقمشة الملونة تتدلى فوق المتاجر، وروائح الخبز والحلوى الساخنة تملأ الهواء البارد، بينما تعالت أصوات الباعة والناس من كل جهة. حتى الثلج هنا بدا مختلفًا… أقل قسوة. كنت ألتفت في كل اتجاه بفضول واضح، مما جعل ألين تضحك عدة مرات. — “تبدين كطفلة تزور السوق لأول مرة.” ابتسمت بخجل وأنا أتوقف أمام متجر مليء بالحلي الفضية. — “كل شيء جميل هنا…” حتى جوليا داخل رأسي كانت متحمسة. — “لنشترِ شيئًا!” ضحكت بخفة وأنا أكمل المشي مع ألين بين الأزقة المزدحمة. لكن فجأة… توقفت خطواتي. وصلتني رائحة خوف قوية بشكل مفاجئ. ثم سمعت صوت فتاة تصرخ. استدرت بسرعة نحو أحد الأزقة الجانبية، لأرى مجموعة من الرجال يحيطون بفتاة صغيرة تحاول الهرب منهم وهي تبكي. كان أحدهم يمسك ذراعها بعنف بينما حاول الآخر تغطية فمها. اتسعت عيناي بصدمة. — “ماذا يفعلون؟!” أمسكت ألين بذراعي فورًا بتوتر واضح. — “هرلين، لا تقتربي." نظرت إليها بعدم تصديق. — “لكنهم يؤذونها!” خفضت صوتها بسرعة وهي تنظر حولها بخوف. — “إنهم تجار عبيد… علينا إخبار الحراس.” شعرت بالغضب يشتعل داخلي فورًا. كيف يمكنهم فعل شيء كهذا أمام الجميع؟! نزعت يدي من يدها بسرعة. — “لا يمكننا تركها هكذا!” — “هرلين انتظري!” لكنني كنت قد اقتربت منهم بالفعل. رفعت صوتي بغضب: — “اتركوها فورًا!" التفت الجميع نحوي في اللحظة نفسها. ساد صمت قصير داخل الزقاق. ثم تحولت نظرات الرجال بالكامل عندما رأوني. ابتسم أحدهم بطريقة مقززة وهو ينظر إلي من الأعلى للأسفل. — “حسنًا… يبدو أننا وجدنا غنيمة أفضل.” شعرت بقشعريرة تسري في جسدي فورًا. تراجعت خطوة للخلف، لكن أحدهم أمسك معصمي بعنف. شهقت وأنا أحاول دفعه بعيدًا. — “اتركني!” بدأت أقاوم بكل قوتي، حتى أنني ضربت أحدهم عندما اقترب أكثر، لكنهم كانوا أقوى وأكثر عددًا. سمعت ألين تصرخ طالبة الحراس، بينما حاولت التحرر مجددًا. وفجأة… شعرت بضربة قوية قرب رأسي. اهتز كل شيء حولي، وتشوش بصري بسرعة. آخر ما رأيته كان وجوههم تقترب مني… ثم ابتلعني الظلام بالكامل.من وجهة نظر أفيني. مع مرور الأيام، بدأت أشعر أنني أصبحت أكثر اعتيادًا على حياتي الجديدة داخل مملكة نايت فورد. الغريب أنني لم أعد أشعر بذلك الخوف الشديد كلما كنت أقف بالقرب من الملك لايرس كما في الأيام الأولى. صحيح أنني ما زلت أتوتر كلما اقترب مني أو تحدث معي، لكنني أصبحت أحب الأوقات التي أرافقه فيها أثناء شربه للشاي أو عندما يقرأ كتبه بصمت بينما أقوم بترتيب مكتبه. بل إنني بدأت أكتشف أن هناك جانبًا مختلفًا منه لا يعرفه الكثيرون. كان هادئًا أكثر مما ينبغي، وكأنه يحمل فوق كتفيه أشياء لا يستطيع إخبار أحد عنها. وفي ذلك اليوم، وبعد يوم طويل من العمل، عدت أخيرًا إلى غرفتي وأنا أتمنى فقط أن أغط في النوم حتى صباح الغد. لكن بعد دقائق قليلة، سمعت طرقات خفيفة على الباب. "ادخلي." فتحت صوفي الباب وهي تحمل معها إبريقًا صغيرًا من الشاي وبعض الحلوى التي أحضرتها من مطبخ القصر. ابتسمت لها وهي تجلس بجانبي فوق الأريكة الصغيرة الموجودة في الغرفة. "يبدو أنك متعبة اليوم." ضحكت بخفة وأنا أتنهد. "الملك كان مشغولًا طوال اليوم، لذلك كان عليّ أن أركض خلفه في نصف أنحاء القصر." ضحكت صوفي قليلًا قبل أن
من وجهة نظر أفيني. بصراحة، منذ حادثة الصباح وأنا لا أفهم ما الذي يجري مع الملك لايرس. أقصد، كيف يمكن لشخص أن يغضب لمجرد أنني تحدثت مع أحد الحراس لمدة دقيقة واحدة فقط؟ ثم يقول لي بكل هدوء إنني "ملكه" ما دمت أعمل لديه؟ حتى الآن لا أعرف إن كان هذا أمرًا طبيعيًا بالنسبة لملوك نايت فورد أم أن ملكنا فقط غريب الأطوار قليلًا. على أي حال، قررت أن أتوقف عن التفكير بالأمر، لأنني إذا حاولت فهمه أكثر فمن المحتمل أن أصاب بالجنون قبل أن أجد طريقة للعودة إلى منزلي. حل الليل أخيرًا، وكان موعد العشاء قد حان. رتبت الطاولة كما أفعل كل يوم، وتأكدت من أن الشاي بدرجة الحرارة التي يفضلها، وأن جميع الأطباق موضوعة في أماكنها الصحيحة. ثم وقفت في مكاني المعتاد بالقرب من الحائط أنتظر وصوله. خمس دقائق... عشر دقائق... ثم خمس عشرة دقيقة أخرى. رفعت رأسي قليلًا نحو الساعة المعلقة على الحائط وأنا أعبس بخفة. "هذا غريب." عادةً لا يتأخر عن موعد العشاء أبدًا. حتى صوفي أخبرتني منذ أيام أنه أكثر شخص منظم عرفته في حياتها. لذلك، وبعد أن تأكدت من أن الطعام سيبرد قريبًا، قررت أن أذهب للاطمئنان عليه. طرقت باب جناح
من وجهة نظر أفيني. مر أسبوع كامل، ثم تبعه أسبوع آخر دون أن أشعر كيف مضى الوقت. الغريب في الأمر أنني بدأت أعتاد هذا العالم شيئًا فشيئًا. في البداية كنت أظن أنني سأهرب في أول فرصة تتاح لي، لكن مع مرور الأيام بدأت أشعر بالفضول تجاه مملكة نايت فورد أكثر فأكثر. كانت مملكة جميلة ومختلفة تمامًا عن نورفاي. فإذا كانت نورفاي تشبه الشتاء الأبدي والثلوج البيضاء، فإن نايت فورد كانت تشبه الليل الهادئ. حتى القصر الملكي بني من حجارة سوداء تتزين بخطوط فضية جعلته يبدو وكأنه خرج من إحدى القصص الخيالية. أما بالنسبة لعملي... فقد أصبح جزءًا من روتيني اليومي. أستيقظ قبل شروق الشمس، وأساعد في تجهيز ملابس الملك، وأتأكد من أن طعامه جاهز في موعده، وأرافقه أحيانًا أثناء اجتماعاته المهمة حتى أحضر له ما يحتاج إليه. وخلال هذين الأسبوعين اكتشفت الكثير من الأشياء عنه. أولها أن اسمه هو "لايرس". بصراحة، تفاجأت قليلًا عندما أخبرتني صوفي باسمه، لأنه بدا اسمًا مناسبًا له بطريقة غريبة. وثانيها أنه ليس مخيفًا كما كنت أعتقد. أعني... نعم، هو مرعب عندما يغضب على ما يبدو، لكنني لم أره يغضب ولو مرة واحدة منذ وصولي إل
من وجهة نظر أيفني. إذا كان هناك شيء واحد تعلمته خلال أول يوم لي في هذا العالم، فهو أن العمل خادمةً لدى ملك اليكان أصعب بكثير من النجاة من تدريبات والدي إيفان في طفولتي. بل وأكثر رعبًا بقليل من غضب جدي زاك عندما كنت أسرق قطع الحلوى الخاصة به. بعد أن قبل الملك أن أعمل لديه، خرجت أنا وصوفي من جناحه الخاص، وما إن أغلق الباب خلفنا حتى أطلقت الزفير الذي كنت أحبسه طوال الوقت. نظرت إليَّ صوفي بفخر وكأنني نجحت في اجتياز اختبار دخول الجيش الملكي. "أهنئك." رمشت عدة مرات باستغراب. "على ماذا؟" "لقد نجوتِ." "..." "هناك ثلاث خادمات بكين خلال أول خمس دقائق من مقابلته." بصراحة، لا أعلم إن كان عليّ الشعور بالفخر أو بالخوف أكثر. وبعدها بدأت رحلتي الحقيقية مع العمل. اكتشفت أن الملك شخص منظم بشكل مرعب. فكل شيء في جناحه مرتب بدقة شديدة، حتى الكتب الموجودة داخل مكتبته كانت مرتبة بحسب أحجامها وألوان أغلفتها! كما اكتشفت أنه لا يحب الفوضى إطلاقًا. خلال الصباح، كان عليَّ تحضير طاولة الإفطار، ثم الانتظار بجانب الباب حتى ينتهي من تناول طعامه في حال احتاج إلى شيء. وبالمناسبة... كا
من وجهة نظر أفيني. إذا كان هناك شيء تعلمته خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، فهو أن القدر يكرهني. حقًا، لا أجد تفسيرًا آخر لما يحدث معي. فأنا انتقلت إلى عالم آخر، وكدت أُعدم قبل أن أستيقظ، وأصبحت خادمة لدى ملك مرعب يقتلع الأشجار عندما يغضب، والآن أنا أقف أمام المرآة منذ الفجر أحاول ألا أموت في أول يوم عمل لي. استيقظت قبل شروق الشمس كما طلبت مني صوفي، وما إن انتهيت من غسل وجهي حتى دخلت الغرفة وهي تحمل بين يديها فستانًا بسيطًا لكنه جميل للغاية. كان بلون العسل الفاتح تتداخل معه خيوط بيضاء ناعمة عند أطرافه، كما أن تصميمه كان أنيقًا بشكل لا يليق بخادمة عادية. "ألستِ متأكدة أنه خاص بالخادمات؟" سألتها بتردد. ضحكت وهي تعطيني الفستان. "بالطبع! الملك يكره الأشخاص غير المرتبين، لذلك حتى خدم القصر يجب أن يكونوا في أفضل مظهر لهم." بدأت أشعر أنني أعمل لدى شخص مهووس بالكمال قليلًا. بعد أن ارتديته وساعدتني صوفي في ترتيب شعري، خرجنا متجهتين نحو جناح الملك. طوال الطريق كانت تعطيني تعليمات جديدة جعلتني أتساءل إن كنت سأتمكن من تذكر اسمي في النهاية. "أولًا، لا ترفعي رأسك أمام الملك." "حسنًا.
من وجهة نظر الكاتب. حلَّ الليل أخيرًا فوق القصر الملكي، وكانت أفيني ما تزال جالسة قرب النافذة وهي تنظر إلى القمرين المعلقين في سماء هذا العالم الغريب. ورغم جمال المنظر، لم تستطع منع نفسها من التفكير في عائلتها وفي ما إذا كانوا بخير الآن. قطع صوت طرقات خفيفة على الباب شرودها. "أدخلي." دخلت صوفي وهي تحمل صينية كبيرة مليئة بالطعام الساخن، وكان يعلو وجهها تعبير جاد لم تره أفيني منذ استيقاظها. وضعت الصينية فوق الطاولة ثم جلست بجانبها. "حسنًا، لقد حان الوقت للحديث الجدي." رمشت أفيني باستغراب. "عن ماذا؟" تنهدت صوفي قبل أن تقول: "عن كيفية بقائكِ على قيد الحياة ابتداءً من الغد." ساد الصمت داخل الغرفة للحظات. "هل الأمر بهذا السوء؟" "أسوأ." شعرت أفيني أن حياتها أصبحت أكثر صعوبة مع كل دقيقة تمضي في هذا العالم. أخذت صوفي نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بالشرح. "أولًا، استيقظي قبل شروق الشمس. الملك يستيقظ مبكرًا جدًا ويكره الأشخاص الكسالى." "حسنًا." "ثانيًا، لا توقظيه من نومه." "هذا طبيعي." "ثالثًا، لا تلمسي أغراضه الخاصة." "مفهوم." "رابعًا، لا تسأليه عن البركة المقدسة مهما حدث." هن
هرلين استيقظتُ في الصباح على ضوءٍ خافت يتسلل من خلف الستائر السوداء الطويلة. لثوانٍ نسيت أين أنا. لكن ما إن تذكرت كل شيء، حتى جلست بسرعة فوق السرير. اليوم… سأعود إلى نورفاي. إلى بيتي. وإلى هيفان. شعرت بقلبي يخف قليلًا لأول مرة منذ أيام، حتى جوليا بدت سعيدة داخلي. بعد أن ارتديت فستاني الشتو
هرلين اتسعت عينا زاك ببطء عندما همست له: — “اليوم… عيد ميلادي أنا أيضًا.” ساد الصمت داخل القاعة للحظة طويلة. حتى النار داخل المدفأة بدت أهدأ فجأة. أما هو… فبقي يحدق بي وكأنه لا يعرف كيف يرد. تلك النظرة الغريبة عادت مجددًا إلى عينيه. نظرة صدمة ممزوجة بشيء أعمق… شيء يشبه الحنين. ابتلعت ريقي
هرلين جلست بصمت أمام المدفأة الضخمة داخل ذلك القصر الغريب، بينما ألسنة النار تتحرك بهدوء أمام عيني. لكن رغم الدفء… كنت أشعر بالبرد. ربما لأنني بعيدة جدًا عن نورفاي. أو ربما لأنني لم أستطع التوقف عن التفكير بـ هيفان. ضميت ساقي إلى صدري أكثر، بينما يدي استقرت فوق بطني بحماية. حتى جوليا
الراوي الليل مرّ ببطء قاتل داخل غابات نورفاي. لكن بالنسبة لـ هيفان… كان كل شيء يتحول إلى كابوس. ركض بين الأشجار بلا توقف، بينما الثلج يلتصق بفروه الأبيض الضخم، وأنفاسه أصبحت ثقيلة من شدة الإرهاق. لكنه لم يتوقف. لم يستطع. كلما ضعفت رائحة هرلين أكثر… ازداد خوفه بشكل مرعب. حتى هيف داخل عقله ل







