Share

109

last update publish date: 2026-06-03 22:13:19

هرلين

كنت أمشي بهدوء في الممرات بينما جوليا تتمشى داخلي بنشاط وهي تثرثر عن أشياء لا تنتهي.

لكن رغم ذلك…

كان قلبي ثقيلًا بطريقة غريبة اليوم.

ربما لأنني كنت أعرف أن هيفان سيغادر مجددًا مع الملك ألفريد.

حتى بعد كل هذه السنوات…

ما زلت أكره وداعه.

وقفت أمام غرفة إيفان ثم طرقت الباب بخفة.

وبعد لحظات فتح الباب.

لكنني رمشت مباشرة.

كان شكله…

غريبًا.

شعره الأبيض مبعثر قليلًا وكأنه كان يمرر يده فيه بعصبية.

وعيناه بدتا شاردتين بشكل واضح.

حتى قميصه كان مفتوحًا من الأعلى وكأنه ارتداه بسرعة.

تأملته لثوانٍ قبل أن أرفع حاجبًا بخفة.

— “هل أنت بخير؟”

رمش وكأنه عاد للواقع فجأة.

— “نعم."

لكن جوليا همست داخلي فورًا:

— “يكذب.”

ابتسمت بخفة.

واضح أن ابني كان غارقًا بأفكاره بشدة.

لكنني لم أضغط عليه.

فقط قلت بهدوء:

— “أبوك سيسافر مع الملك بعد قليل… عليك أن تأتي لتودعه.”

لثوانٍ قصيرة…

تغيرت ملامحه قليلًا.

ثم فجأة اقترب مني.

وشعرت بذراعيه تلتفان حولي.

تجمدت قليلًا قبل أن أسمعه يهمس بصوته الهادئ:

— “أمي… أعلم أنكِ متعلقة بأبي.”

شدني نحوه أكثر.

— “لكنني هنا أيضًا… لا بأس.”

اتسعت عيناي بصدمة صغيرة.

ثم شعرت بحرارة الدموع تتجمع داخلهما فورًا.

يا إلهي…

منذ متى أصبح كبيرًا لهذه الدرجة؟

ضحكت بخفة مرتجفة وأنا أمسح عيني بسرعة.

— “لا تجعلني أبكي منذ الصباح.”

ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.

ثم تركني بهدوء.

ربتُّ على خده بحنان قبل أن أهمس:

— “جهز نفسك إذًا.”

وبعدها غادرت غرفته ببطء.

لكن قلبي أصبح أثقل أكثر.

وحين وصلت إلى غرفتي…

وجدت هيفان يرتب بعض أغراضه للسفر.

كعادته.

هادئ.

مرتب.

وكأنه لا يدرك أن مجرد فكرة ابتعاده تجعلني أختنق.

رغم أنه سافر مئات المرات مع الملك.

ورغم أنني أعرف قوته جيدًا…

إلا أن الخوف لم يختفِ يومًا.

لأن الحب لا يصبح أخف مع الوقت.

بل أخطر.

اقتربت منه ببطء…

ثم لففت ذراعي حوله من الخلف.

وأسندت رأسي على ظهره.

شعرت بجسده يتوقف للحظة.

ثم غطى يدي بيده فورًا.

وهنا فقط…

شعرت أن دموعي ستسقط فعلًا.

أغمضت عيني بقوة أحاول السيطرة على نفسي.

لكن صوت هيفان خرج منخفضًا ودافئًا:

— “هرلين…”

هززت رأسي بخفة.

— “لا تلتفت…”

ضحك بخفوت وكأنه فهم فورًا.

ثم استدار بهدوء بين ذراعيّ.

ولمّا رأى عيني…

اختفت ابتسامته الصغيرة فورًا.

رفع يده ببطء ومسح دموعي بإبهامه.

— “ما زلتِ تبكين كلما سافرت.”

ضحكت بخفة باكية.

— “وأنت ما زلت تسافر كل مرة وكأن الأمر عادي.”

تنهد بهدوء…

ثم جذبني إليه حتى التصقت به بالكامل.

رائحته…

دفئه…

وصوت قلبه…

كل شيء جعل دموعي تنهمر أكثر رغماً عني.

رفع وجهي نحوه ببطء.

ثم طبع قبلة طويلة على جبيني قبل أن يهمس:

— “سأعود.”

لكنني هززت رأسي بسرعة.

— “أعرف…”

صوتي ارتجف أكثر.

— “أعرف أنه لن يصيبك شيء… وأعرف أنك قوي…”

أمسكت قميصه بقوة أكبر وأنا أكمل بصوت مكسور:

— “لكن كيف لا أخاف عليك بعدما أحببتك كل هذه السنوات؟”

اتسعت عيناه قليلًا.

وأكملت وأنا أبكي أخيرًا دون محاولة إخفاء ذلك:

— “كل سنة تمر… تجعلني أحبك أكثر.”

دفنت وجهي بصدره وأنا أهمس:

— “لذلك فكرة خسارتك فقط… تؤلمني.”

ساد الصمت للحظات.

ثم شعرت به يضمّني بقوة شديدة حتى كدت أختفي داخله.

وهمس قرب شعري بصوت خافت جدًا:

— “ولو عشت ألف سنة أخرى…”

قبل رأسي ببطء.

— “سأظل أعود إليكِ دائمًا.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • قلب من جليد    132

    من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تارة أخرى. حتى انتهى جزء كبير من العمل. فجلسنا أخيرًا قرب أحد الجدران الحجرية المطلة على الساحة. تنهد خالي وهو ينظر إلى الجنود. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: "يذكرني هذا بأيامنا." التفت نحوه باهتمام. "أيامكم؟" ضحك بخفة. "أنا ووالدك وهيفان." أصبحت مهتمًا فورًا. نادراً ما كانوا يتحدثون عن تلك الأيام. فأسندت ظهري إلى الحائط وقلت: "احكِ لي." ابتسم أيان. وبدا وكأنه عاد عشرين سنة إلى الماضي. "عندما كنا في صغار وحصلنا على ذئابنه اجبرنا على الذهاب الى المعسكر كنا نقضي وقتنا في معسكرات التدريب." "خصوصًا أنا وهيفان." ضحكت فورًا. "أستطيع تخيل الكارثة." ضحك هو الآخر. "بل كانت كارثة حقيقية." ثم تابع: "كان المدربون يوقظوننا قبل شروق الشمس." "نجري لعشرات الكيلومت

  • قلب من جليد    131

    من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "اقترابك من إيفان." سكتت لحظة، ثم أجابت: "كنت أتحدث معه فقط." "فقط؟" أومأت برأسها. "نعم." "لكنّك كنتِ قريبة جدًا." هزّت كتفيها بلا اكتراث: "لم أنتبه." أغمضتُ عينيّ للحظة. هذا الجيل سيصيبني بالجنون. تقدمتُ خطوة نحوها، لكن قبل أن أتكلم، فُتح الباب فجأة. دخلت لينيا. نظرة واحدة منها كانت كافية لتدرك الموقف. قالت بهدوء: "زاك." "يكفي." نظرت بيني وبين لافندر، ثم أضافت: "سأتولى الأمر." كنت على وشك الاعتراض، لكنها أوقفتني بنظرة واحدة. نظرة تعني أن النقاش انتهى. خرجتُ من الغرفة بصمت. لكن طول الوقت كنت اسمع تذمر لافندر وتوبيخ لينيا. لاحقًا، كنت مع لينيا في غرفتنا. الغضب ما زال يسيطر عليّ. قلت بانفعال: "لا أحد يفهم خطورة الوضع." "لا أحد يدرك أن اقترابه

  • قلب من جليد    130

    من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم

  • قلب من جليد    129

    من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر

  • قلب من جليد    128

    من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها

  • قلب من جليد    127

    الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status