مشاركة

150

last update تاريخ النشر: 2026-06-17 04:09:25

من وجهة نظر لينيا

وقفت أمام النافذة بصمت.

كانت نورفاي هادئة بشكل غريب.

لأول مرة منذ أيام لم أسمع أصوات القتال.

ولا الانفجارات.

ولا صرخات الجنود.

فقط هدوء.

هدوء كان من المفترض أن يمنحني الراحة.

لكنه لم يفعل.

لأنني كنت أعرف جيدًا ما هو ثمن هذا السلام.

أغمضت عيني للحظة.

ثم فتحتها وأنا أنظر إلى الشوارع أسفل القصر.

الناس عادوا إلى أعمالهم.

البناؤون يصلحون ما دمرته الحرب.

والجنود يحرسون البوابات.

كانت الحياة تستمر.

كما لو أن العالم لا يتوقف لأجل أحد.

حتى لو انكسر قلب شخص ما.

خفضت نظري ببطء.

وتوقفت عيناي على الجرة الفخارية الموضوعة فوق الطاولة.

شعرت بألم حاد في صدري.

هناك...

داخل تلك الجرة.

كانت لافندر.

أو ما تبقى منها.

حتى الآن لم أستطع استيعاب الأمر.

كيف يمكن أن تصبح ابنتي...

رمادًا؟

كيف يمكن أن تختفي بهذه السهولة؟

قبل أيام فقط كانت تركض في أرجاء القصر.

تضحك.

تتشاجر مع الجميع.

وتملأ المكان بالحياة.

أما الآن...

كل ما تبقى منها جرة صغيرة.

ارتجفت شفتاي.

وشعرت بالدموع تتجمع في عيني.

لا...

لا أريد البكاء مجددًا.

لقد بكيت كثيرًا.

لكن الألم لم يختفِ.

ولم يتغير شيء.

رفعت يدي بسرعة لأمسح دموعي.

وفي تلك اللحظة سمعت صوت الباب يفتح خلفي.

عرفت من يكون حتى قبل أن ألتفت.

زاك.

بسرعة مسحت وجهي.

وحاولت أن أبدو بخير.

لكنني كنت أعلم أن ذلك مستحيل.

اقترب مني بهدوء.

ولم يقل شيئًا في البداية.

فقط أمسك يدي بين يديه.

كانت يده دافئة.

ومطمئنة كعادتها.

ثم قال بصوت منخفض:

"أعرف."

انكسرت نظراتي فورًا.

"أعرف إنك منهارة."

ابتلعت الغصة في حلقي.

لكنني لم أستطع الرد.

أكمل بهدوء:

"لكن ما حدث قد ... حدث."

أغمض عينيه للحظة.

وكأن الكلمات تؤلمه هو أيضًا.

"قد حصل... وانتهى."

ارتجف صدري.

لأن سماع الحقيقة كان يؤلم أكثر من تجاهلها.

وقبل أن أشعر بشيء...

سحبني إلى حضنه.

عندها فقط انهارت كل محاولاتي للتماسك.

دفنت وجهي في صدره.

وبكيت.

بكيت كما لو أن قلبي يتمزق من جديد.

لكن وسط دموعي...

شعرت بشيء جعل ألمي يزداد.

شعرت بدموعه.

تسقط فوق شعري.

رفعت رأسي ببطء.

ونظرت إليه.

كانت عيناه حمراوين.

وممتلئتين بالحزن.

عندها أدركت شيئًا.

لم أكن الوحيدة التي فقدت ابنتها.

زاك أيضًا فقدها.

لقد خسرناها معًا.

خسرنا طفلتنا الوحيدة.

زهرتنا.

جوهرتنا.

الفتاة التي جعلت حياتنا أجمل منذ اللحظة التي ولدت فيها.

أخفض زاك رأسه قليلًا.

ثم قال بصوت مبحوح:

"الدفن غداً."

تجمدت في مكاني.

ونظرت نحو الجرة.

لا أعرف متى تحركت يداي.

لكنني وجدت نفسي أمسكها.

وأضمها إلى صدري.

وكأنني أخشى أن أفقدها مرة أخرى.

نظرت إلى زاك.

وكان سؤال واحد فقط يدور في رأسي.

سؤال لم أجد له جوابًا منذ رحلت.

ارتجفت شفتاي.

"لماذا؟"

خرج صوتي ضعيفًا.

"لماذا كان يجب أن تكون لافندر؟"

بدأت دموعي تنزل من جديد.

"هنآك الكثير من ناس..."

انكسر صوتي.

"لماذا هي؟"

شعرت بالاختناق.

"شو عملت حتى يصير فيها هيك؟"

ضممت الجرة بقوة أكبر.

وكأنني أحتضن ابنتي.

"هي كانت لا تذال صغيرة..."

"كان لديها أحلام..."

"كان لديها حياة كاملة أمامها..."

لم أعد أستطيع الكلام.

وانهرت بالبكاء.

اقترب زاك بسرعة.

وأعاد ضمي إلى حضنه.

بينما كنت أبكي بلا توقف.

أما هو فمرر يده على شعري بلطف.

وحاول تهدئتي رغم أن صوته نفسه كان يرتجف.

"أعرف..."

همس.

"اعرف يا لينيا."

أغمض عينيه بقوة.

ثم أكمل بصعوبة:

"لو كان بيدي..."

توقف للحظة.

وكأن الكلمات تخنقه.

"كنت أخدت مكانها ألف مرة."

شعرت به يشدني أكثر إلى صدره.

وكأنه يحاول حمايتي من الألم.

رغم أنه هو نفسه كان غارقًا فيه.

وبقينا هكذا لفترة طويلة.

نبكي بصمت.

ونتمسك ببعضنا.

لأننا لم نعد نملك سوى ذلك.

ولأن المكان الذي كانت لافندر تملأه في حياتنا...

بقي فارغًا.

فارغًا بشكل لن يستطيع أي شيء أن يملأه.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • قلب من جليد    188

    الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى

  • قلب من جليد    187

    من وجهة نظر إيفان كانت القاعة ما تزال في حالة فوضى. الحراس يركضون في كل اتجاه. والخدم يحاولون تهدئة الضيوف. أما أنا... فلم أستطع البقاء ساكنًا ولو للحظة. كل ثانية تمر كانت تجعل غضبي يزداد. وخوفي على أنجلي يزداد معه. التفت نحو أمي. ثم نحو لينيا. وجدت لورين. وقلت بصوت حازم: "ابقوا معها." "ولا تتركوها وحدها." أومأت أمي فورًا. بينما وضعت لينيا يدها على كتفي. وقالت بهدوء: "سنعتني بها." لكنني بالكاد سمعتها. لأن ذهني كان في مكان آخر. عند الشخص الذي تجرأ على محاولة قتلي. وعند الشخص الذي جعل أنجلي تنزف بدلًا مني. التفت نحو لوكا. "تعال معي." لم يسأل لماذا. فقط تبعني فورًا. بعد دقائق... كنا خارج أسوار المملكة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم أغمضت عيني. وأطلقت حواسي. فورًا التقطت أنفي رائحة ذلك الذئب. ضعيفة... لكنها موجودة. همس إيف داخل رأسي: "دعني أتولى الأمر." هذه المرة... لم أعارض. وفي لحظة واحدة... استولى إيف على السيطرة. تحطم العظم. وتمدد الجسد. حتى تحولنا إلى ليكان ضخم أبيض كالثلج. أكبر من معظم الذئاب الملكية. وأكثر شراسة. ثم انطلقنا. ركضنا بين الأشجار ب

  • قلب من جليد    186

    من وجهة نظر إيفان كنت ما أزال أنا ولوكا نتحدث عن الرسائل والتهديدات. وكان التوتر يزداد داخلي مع كل دقيقة. لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. وكأن عاصفة تقترب. وفجأة... "ألفا انتبه!" تجمد جسدي بالكامل. كان ذلك صوت أنجلي. رفعت رأسي بسرعة. وفي اللحظة التالية... رأيتها تركض نحوي. ثم... رأيت الخنجر. رأيته يخترق كتفها قرب قلبها. وتلطخ الدم الأحمر على فستانها الليلكي. توقفت أنفاسي. وكأن العالم كله توقف. لا أصوات. لا موسيقى. لا شيء. فقط... أنجلي. والدم. وفجأة... عادت ذكرى أخرى. ذكرى لم تفارقني منذ خمس سنوات. لافندر. وهي تقف أمامي. والسهم الفضي يخترق جسدها بدلًا مني. نفس الشعور. نفس الرعب. نفس العجز. وكأن القدر يسخر مني مرة اخرى. "لا..." همست بصوت مبحوح. "لا..." ثم انفجرت. "المعالج!" اهتزت القاعة كلها من صوتي. "أحضروا المعالج حالًا!" قبل أن أسمع رد أحد... كنت قد أمسكتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف. وخائفة. ومتألمة. لكنها رغم ذلك... كانت تنظر إلي. وليس إلى جرحها. وكأنها تريد التأكد أنني بخير. وهذا

  • قلب من جليد    185

    من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" همست لنفسي وأنا أحدق في المرآة. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير. لأن احتفال النهر المقدس قد بدأ. وصلت إلى المعبد مع بقية الناس. وكان المكان مملوءًا بالشموع البيضاء والزهور الفضية. أما تمثال الإلهة سيلين... فكان يلمع تحت ضوء الشمس. أغلقت عيني. وضممت يدي إلى صدري. وصليت بصمت. "إلهة القمر..." "إن كنتِ تسمعينني..." "أرجوكِ ساعديني." "أريد أن أعرف من أنا." "ولماذا أشعر أن حياتي كلها كذبة." شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي. لكن لم يصلني أي جواب. بعد انتهاء الصلاة... بدأ طقس النهر. بدأ الجميع بالنزول إلى المياه الفضية. الرجال أولًا. ثم النساء. لكن كلما اقترب دوري... ازداد خوفي. لأن صورة البحيرة ليلة أمس لم تفارق عقلي. الفتاة ذات الشعر الأسود. والانعكاس الذي لم يكن انعكاسي. وفجأة...

  • قلب من جليد    184

    من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن أنها لاحظت ذلك أيضًا. لذلك ابتسمت فجأة. وربتت على رأسي. "كفى تفكيرًا." "أمي..." "اذهب ونم." ثم أضافت بحزم: "غدًا يوم طويل." تنهدت باستسلام. "حسنًا." لكن حتى وأنا أعود إلى غرفتي... بقيت أفكر. في الرائحة. وفي أنجلي. وفي نظرات أمي الغريبة.*** في صباح اليوم التالي... استيقظت مبكرًا. ارتديت ملابسي. وثبت سيفي على خصري. وكنت على وشك الخروج. لكن فجأة... تحطم زجاج النافذة. استدرت بسرعة. ووصلت يدي إلى سيفي. لكن الشيء الذي دخل لم يكن سهمًا. بل حجرًا صغيرًا ملفوفًا بورقة. تجمدت. ثم التقطتها بسرعة. وفككت الورقة. وفي اللحظة التالية... اشتدت نظراتي. لأن الكلمات كانت مكتوبة باللون الأحمر. "وقتك يقترب من النهاية." "اليوم..." "سأنهي كل شيء." قبضت على الورقة بقوة. حتى تجعدت

  • قلب من جليد    183

    من وجهة نظر إيفان كان الليل قد حل تمامًا فوق مملكة سيلينورا. أما أنا... فكنت أسير في ممرات القصر بهدوء. وأفكر. في الرسالة التي وصلتني. وفي الشخص الذي يحاول قتلي. وفي أنجلي. تنهد إيف داخل رأسي. "أنت تفكر بها مجددًا." تجاهلته. "أنت مهووس." "اصمت." ضحك الذئب بسخرية. لكن فجأة... توقفت خطواتي. وتجمدت في مكاني. لأن رائحة معينة وصلت إلى أنفي. رائحة جعلت قلبي يتوقف للحظة. الياسمين. والياسمين البري تحديدًا. تلك الرائحة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب. رائحة لافندر. اتسعت عيناي. حتى إيف صمت فجأة. بدأت أتتبع الرائحة ببطء. خطوة. ثم أخرى. حتى وصلت أمام أحد الأبواب. وتجمدت. غرفة أنجلي. كانت الرائحة تخرج من هناك. بقوة. أقوى من أي وقت مضى. حتى شعرت أن ذكرياتي كلها عادت دفعة واحدة. لافندر وهي تضحك. لافندر وهي تركض في الثلج. لافندر وهي تناديني بغضب. ولافندر... وهي تموت بين ذراعي. أغمضت عيني بق ثم طرقت الباب. مرة. مرتين. لكن بدلًا من سماع صوتها... سمعت ضجة من الداخل. صوت أشياء تسقط. وكأن أحدًا كان يركض داخل الغرفة.

  • قلب من جليد    76

    هرلين كنت أقف قرب الطاولة الخشبية الصغيرة داخل غرفتي في وأنا أرتب الأعشاب المجففة بهدوء، وغارقه في التحضير. رائحة النعناع واللافندر ملأت المكان بينما كنت أسحق بعض الأوراق داخل الوعاء بحركات بطيئة. منذ حملي أصبحت أهتم أكثر بالأعشاب والمشروبات المهدئة. خصوصًا لأن هيفان بدا متوترًا طوال الأيا

  • قلب من جليد    75

    هيفان كان الهواء البارد يضرب وجهي بينما ركض حصاني بسرعة بين أشجار غابة مملكة نورفاي. لكن عيني بقيتا معلقتين بها فقط. هرلين كانت تضحك وهي تسبقني بحصانها الأبيض، وشعرها الفضي يتطاير خلفها مع الرياح. حتى هيف داخلي كان مستمتعًا بالمشهد بشكل مزعج. — “لن تمسكني!” صرختها المليئة بالحماس جعلتني أرفع

  • قلب من جليد    74

    هيفان كان صباح مملكة نورفاي هادئًا بشكل غريب. وقفت داخل الإسطبل أمرر يدي على عنق حصاني الأسود بينما كان ينفث الهواء بهدوء. رائحة القش والخشب والخيول كانت دائمًا تساعدني على تصفية رأسي. خصوصًا بعد كل ما حدث مؤخرًا. عودة لينيا. عالم الأرواح. وخوفي الذي كاد يفقدني هرلين للأبد. تنهدت بخفوت وأنا

  • قلب من جليد    73

    لينيا نظرت إليه وأنا أحاول ألتقط أنفاسي، لكن نظراته وحدها كانت كافية لتجعل قلبي يرتبك. كان مختلفًا عن زاك الذي أتذكره. أهدأ من الخارج… لكن شيئًا في عينيه القرمزيتين صار أعمق. أكثر تعلقًا. وكأنه فعلًا خائف أن يتركني أبتعد عنه ولو للحظة. همست بخفة وأنا أراقبه: — “أنت… أصبحت مهووسًا أ

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status