ログインمن وجهة نظر إيفان
لم أعرف منذ متى وأنا أمشي. ولا إلى أين. كل ما أعرفه أنني خرجت من المملكة. وتركت الجميع خلفي. لم أعد أستطيع البقاء هناك. كل زاوية كانت تذكرني بها. كل صوت. كل مكان. كل شيء. كانت لافندر في كل مكان... إلا أنها لم تعد موجودة. واصلت المشي بين الأشجار بصمت. لكن كلما حاولت الهروب من أفكاري كانت تعود أقوى. حتى شعرت فجأة بشيء يتمزق داخلي. وخلال لحظات تحول جسدي. واندفع الذئب بداخلي للسيطرة. بدأت أركض. أركض بأقصى سرعة أستطيعها. بين الأشجار. بين الصخور. عبر الغابة المظلمة. والهواء البارد يصفع وجهي. لكنني لم أتوقف. كنت أهرب. من الذكريات. من الألم. من نفسي. "توقف!" سمعت صوت إيف داخل رأسي. لكني تجاهلته. وتابعت الركض. "إيفان!" زمجر إيف بغضب. "هذا لن يغير شيئًا!" أغمضت عيني بقوة. — إذًا ماذا أفعل؟! صرخت داخلي. — أخبرني ماذا أفعل؟! لم يجب فورًا. ولأول مرة منذ سنوات شعرت بصمته. صمتًا مليئًا بالحزن. ثم قال بصوت منخفض: "هي اختارت ذلك." ضحكت بمرارة. — لا. هي ماتت بسببي. "إيفان..." — ماتت وهي تحاول حمايتي! صرخت بغضب حتى ارتجت الغابة من حولي. — لو لم أكن هناك لما حدث هذا! —"إيفان توقف سوف تسقط من الجرف." صاح إيف وعندما لم استمع تولا السيطرة. توقف جسدي أخيرًا. وكان أنفاسي متقطعة. وقلبي يؤلمني أكثر من أي جرح تلقيته في حياتي. عاد جسدي إلى شكله البشري ببطء. وسقطت على ركبتي فوق الأرض. لثوانٍ طويلة بقيت أحدق أمامي فقط. ثم... لأول مرة. انهمرت دموعي. لم أستطع منعها. لم أعد أريد منعها. وضعت يدي على وجهي. لكن الدموع استمرت بالنزول. "لافندر..." خرج اسمها مكسورًا من بين شفتي. وفجأة عادت كل الذكريات. ابتسامتها. صوتها. شجارها معي. نظراتها. وآخر كلماتها. "أنا أحبك." شعرت وكأن شيئًا ما يخترق صدري. حتى الآن لم أستطع تصديق أنها قالتها. ولا أنني... لم أقلها لها. كنت سأخبرها. كنت أنتظر الوقت المناسب. كنت أظن أن لدينا وقتًا. لكن لم يكن لدينا أي وقت. ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالألم. "غبية..." همست ودموعي تنزل أكثر. "ألم يكن يجب أن تقوليها بوقت أسوأ من ذالك؟" لكن صوتي انكسر في النهاية. وأخفضت رأسي. "أنا آسف..." همست. "آسف يا لافندر..." أغمضت عيني بقوة. "أنا آسف لأنني لم أقلها." "آسف لأنني لم أحميك." "آسف لأنك رحلتي وأنتِ تعتقدين أني لم أعرف." ارتجفت يداي. ثم تذكرت كلمات زاك. كل تحذيراته. كل مرة قال فيها إن وجودي بقربها سيجلب لها الخطر. وهمست بمرارة: "كان معك حق يا زاك..." انخفض رأسي أكثر. "كان يجب أن أبقى بعيداً عنها." شعرت بالغضب من نفسي. غضبًا لم أعرف كيف أخرجه. فضربت الأرض بقبضتي. ثم مرة أخرى. ومرة أخرى. "أنا غبي!" ضربة. "غبي!" ضربة أخرى. "كان يجب أن أحميها!" شعرت بالألم في يدي. لكنني لم أهتم. حتى بدأت الدماء تظهر على مفاصلي. عندها فقط توقف جسدي. وبقيت جالسًا بصمت. أتنفس بصعوبة. وأحدق في الأرض. --- بعد وقت طويل نهضت أخيرًا. وتابعت السير بلا هدف. حتى وصلت إلى النهر. المياه كانت هادئة. وكأن شيئًا لم يحدث في العالم. غسلت يدي. ثم جلست هناك. لفترة طويلة. أستمع فقط إلى صوت الماء. أحاول تهدئة الفوضى داخل رأسي. لكنها لم تهدأ. --- ومع مرور الليل بدأت أمشي مجددًا بين الأشجار. حتى تجمدت قدماي فجأة. عرفت هذا المكان. رفعـت رأسي ببطء. وكان هناك. الكوخ. نفس الكوخ. شعرت بانقباض في صدري. هذا المكان... أول ليلة قضيناها معًا هنا. عندما كادت تغرق في النهر. وعندما أمضينا الليل نحاول التصرف بشكل طبيعي حتى الصباح. تقدمت ببطء. ودفعت الباب الخشبي. صرير خافت ملأ المكان. كان كل شيء كما أذكره تقريبًا. المدفأة. الطاولة الصغيرة. والزاوية التي جلست فيها على السرير طوال الليل. أغمضت عيني للحظة. وكأنني أسمع صوتها. "أنا جائعة." "أنا أشعر بي ألبرد." "إيفان أنت مزعج." ضحكت رغم دموعي. ثم اختفت الابتسامة بسرعة. لأن الصمت عاد من جديد. جلست في نفس المكان الذي جلست فيه تلك الليلة. وأسندت ظهري إلى الجدار. أحدق في الفراغ. وأستعيد ذكرى تلو الأخرى. حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من النافذة. ومع ذلك... لم أنم. لأن كلما أغلقت عيني... كنت أراها. .الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر إيفان كانت القاعة ما تزال في حالة فوضى. الحراس يركضون في كل اتجاه. والخدم يحاولون تهدئة الضيوف. أما أنا... فلم أستطع البقاء ساكنًا ولو للحظة. كل ثانية تمر كانت تجعل غضبي يزداد. وخوفي على أنجلي يزداد معه. التفت نحو أمي. ثم نحو لينيا. وجدت لورين. وقلت بصوت حازم: "ابقوا معها." "ولا تتركوها وحدها." أومأت أمي فورًا. بينما وضعت لينيا يدها على كتفي. وقالت بهدوء: "سنعتني بها." لكنني بالكاد سمعتها. لأن ذهني كان في مكان آخر. عند الشخص الذي تجرأ على محاولة قتلي. وعند الشخص الذي جعل أنجلي تنزف بدلًا مني. التفت نحو لوكا. "تعال معي." لم يسأل لماذا. فقط تبعني فورًا. بعد دقائق... كنا خارج أسوار المملكة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم أغمضت عيني. وأطلقت حواسي. فورًا التقطت أنفي رائحة ذلك الذئب. ضعيفة... لكنها موجودة. همس إيف داخل رأسي: "دعني أتولى الأمر." هذه المرة... لم أعارض. وفي لحظة واحدة... استولى إيف على السيطرة. تحطم العظم. وتمدد الجسد. حتى تحولنا إلى ليكان ضخم أبيض كالثلج. أكبر من معظم الذئاب الملكية. وأكثر شراسة. ثم انطلقنا. ركضنا بين الأشجار ب
من وجهة نظر إيفان كنت ما أزال أنا ولوكا نتحدث عن الرسائل والتهديدات. وكان التوتر يزداد داخلي مع كل دقيقة. لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. وكأن عاصفة تقترب. وفجأة... "ألفا انتبه!" تجمد جسدي بالكامل. كان ذلك صوت أنجلي. رفعت رأسي بسرعة. وفي اللحظة التالية... رأيتها تركض نحوي. ثم... رأيت الخنجر. رأيته يخترق كتفها قرب قلبها. وتلطخ الدم الأحمر على فستانها الليلكي. توقفت أنفاسي. وكأن العالم كله توقف. لا أصوات. لا موسيقى. لا شيء. فقط... أنجلي. والدم. وفجأة... عادت ذكرى أخرى. ذكرى لم تفارقني منذ خمس سنوات. لافندر. وهي تقف أمامي. والسهم الفضي يخترق جسدها بدلًا مني. نفس الشعور. نفس الرعب. نفس العجز. وكأن القدر يسخر مني مرة اخرى. "لا..." همست بصوت مبحوح. "لا..." ثم انفجرت. "المعالج!" اهتزت القاعة كلها من صوتي. "أحضروا المعالج حالًا!" قبل أن أسمع رد أحد... كنت قد أمسكتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف. وخائفة. ومتألمة. لكنها رغم ذلك... كانت تنظر إلي. وليس إلى جرحها. وكأنها تريد التأكد أنني بخير. وهذا
من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" همست لنفسي وأنا أحدق في المرآة. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير. لأن احتفال النهر المقدس قد بدأ. وصلت إلى المعبد مع بقية الناس. وكان المكان مملوءًا بالشموع البيضاء والزهور الفضية. أما تمثال الإلهة سيلين... فكان يلمع تحت ضوء الشمس. أغلقت عيني. وضممت يدي إلى صدري. وصليت بصمت. "إلهة القمر..." "إن كنتِ تسمعينني..." "أرجوكِ ساعديني." "أريد أن أعرف من أنا." "ولماذا أشعر أن حياتي كلها كذبة." شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي. لكن لم يصلني أي جواب. بعد انتهاء الصلاة... بدأ طقس النهر. بدأ الجميع بالنزول إلى المياه الفضية. الرجال أولًا. ثم النساء. لكن كلما اقترب دوري... ازداد خوفي. لأن صورة البحيرة ليلة أمس لم تفارق عقلي. الفتاة ذات الشعر الأسود. والانعكاس الذي لم يكن انعكاسي. وفجأة...
من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن أنها لاحظت ذلك أيضًا. لذلك ابتسمت فجأة. وربتت على رأسي. "كفى تفكيرًا." "أمي..." "اذهب ونم." ثم أضافت بحزم: "غدًا يوم طويل." تنهدت باستسلام. "حسنًا." لكن حتى وأنا أعود إلى غرفتي... بقيت أفكر. في الرائحة. وفي أنجلي. وفي نظرات أمي الغريبة.*** في صباح اليوم التالي... استيقظت مبكرًا. ارتديت ملابسي. وثبت سيفي على خصري. وكنت على وشك الخروج. لكن فجأة... تحطم زجاج النافذة. استدرت بسرعة. ووصلت يدي إلى سيفي. لكن الشيء الذي دخل لم يكن سهمًا. بل حجرًا صغيرًا ملفوفًا بورقة. تجمدت. ثم التقطتها بسرعة. وفككت الورقة. وفي اللحظة التالية... اشتدت نظراتي. لأن الكلمات كانت مكتوبة باللون الأحمر. "وقتك يقترب من النهاية." "اليوم..." "سأنهي كل شيء." قبضت على الورقة بقوة. حتى تجعدت
من وجهة نظر إيفان كان الليل قد حل تمامًا فوق مملكة سيلينورا. أما أنا... فكنت أسير في ممرات القصر بهدوء. وأفكر. في الرسالة التي وصلتني. وفي الشخص الذي يحاول قتلي. وفي أنجلي. تنهد إيف داخل رأسي. "أنت تفكر بها مجددًا." تجاهلته. "أنت مهووس." "اصمت." ضحك الذئب بسخرية. لكن فجأة... توقفت خطواتي. وتجمدت في مكاني. لأن رائحة معينة وصلت إلى أنفي. رائحة جعلت قلبي يتوقف للحظة. الياسمين. والياسمين البري تحديدًا. تلك الرائحة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب. رائحة لافندر. اتسعت عيناي. حتى إيف صمت فجأة. بدأت أتتبع الرائحة ببطء. خطوة. ثم أخرى. حتى وصلت أمام أحد الأبواب. وتجمدت. غرفة أنجلي. كانت الرائحة تخرج من هناك. بقوة. أقوى من أي وقت مضى. حتى شعرت أن ذكرياتي كلها عادت دفعة واحدة. لافندر وهي تضحك. لافندر وهي تركض في الثلج. لافندر وهي تناديني بغضب. ولافندر... وهي تموت بين ذراعي. أغمضت عيني بق ثم طرقت الباب. مرة. مرتين. لكن بدلًا من سماع صوتها... سمعت ضجة من الداخل. صوت أشياء تسقط. وكأن أحدًا كان يركض داخل الغرفة.
زاك وقفت بصمت أمام بوابات نورفاي، بينما الرياح الباردة تحرك شعري الأسود الطويل حولي. لكنني بالكاد كنت أشعر بالبرد. كل ما كان يدور داخل رأسي… هو هي. هرلين. أو بالأصح… الشبح الذي أعاد فتح جروح ظننت أنها ماتت منذ قرون. أغمضت عيني للحظة. حتى الآن لم أستوعب كيف حدث ذلك. بعد كل تلك السنوات… بع
هيفان كنت على وشك الخروج من القصر مجددًا. لم أعد أشعر بالتعب أصلًا. رغم أنني لم أنم منذ اختفاء هرلين، ورغم أن جسدي كان مرهقًا حتى العظم… لم أستطع التوقف. كيف أنام وهي ليست هنا؟ كنت أنزل درجات القصر بسرعة عندما أوقفني أحد الحراس. — “سيدي الألفا…” صوته كان مترددًا. التفت إليه ببرود م
هرلين استيقظتُ في الصباح على ضوءٍ خافت يتسلل من خلف الستائر السوداء الطويلة. لثوانٍ نسيت أين أنا. لكن ما إن تذكرت كل شيء، حتى جلست بسرعة فوق السرير. اليوم… سأعود إلى نورفاي. إلى بيتي. وإلى هيفان. شعرت بقلبي يخف قليلًا لأول مرة منذ أيام، حتى جوليا بدت سعيدة داخلي. بعد أن ارتديت فستاني الشتو
هرلين اتسعت عينا زاك ببطء عندما همست له: — “اليوم… عيد ميلادي أنا أيضًا.” ساد الصمت داخل القاعة للحظة طويلة. حتى النار داخل المدفأة بدت أهدأ فجأة. أما هو… فبقي يحدق بي وكأنه لا يعرف كيف يرد. تلك النظرة الغريبة عادت مجددًا إلى عينيه. نظرة صدمة ممزوجة بشيء أعمق… شيء يشبه الحنين. ابتلعت ريقي