LOGINمن وجهة نظر هرلين
كان الجو هادئًا بشكل غريب. هادئًا أكثر مما ينبغي. حتى الرياح التي كانت تمر بين الأشجار بدت وكأنها تتحرك بحذر. وقفت بين الجميع وأنا أحدق في المكان الذي ستُدفن فيه لافندر. مكان الدفن الخاص بالعائلة المالكة. حديقة واسعة مليئة بالأشجار والورود البيضاء. مكان جميل... جميل أكثر مما ينبغي لمثل هذا اليوم. شعرت بغصة في حلقي وأنا أنظر إلى الجرة الفخارية الموضوعة فوق القاعدة الحجرية. هناك... كانت لافندر. لم أستطع التعود على الفكرة مهما حاولت. رفعت عيني نحو الحاضرين. لينيا كانت تقف بجانب زاك. تمسك بيده بقوة وكأنها تخشى السقوط إن تركتها. كانت عيناها حمراوين من كثرة البكاء. أما زاك فكان يحاول أن يبدو متماسكًا. لكن الحزن كان واضحًا في كل ملامحه. وقف لوكا بجانبهما بصمت. عيناه مثبتتان على الجرة. ولأول مرة منذ عرفته بدا ضائعًا. قريبًا منهم كان أيان. وهيفان الذي أصر على الحضور رغم إصابته. أما أبي وأمي فكانا يقفان بهدوء. وأستطيع رؤية الحزن في عيونهما أيضًا. حتى الملك والملكة حضرا بأنفسهما. فلافندر لم تكن مجرد أميرة. كانت فردًا من هذه المملكة. وجزءًا من قلوب أهلها. بدأت المراسم بهدوء. لا موسيقى. لا احتفالات. فقط كلمات وداع صادقة. وكلمات امتنان للفتاة التي ضحت بحياتها من أجل الآخرين. شعرت بالدموع تتجمع مجددًا في عيني. لكنني بقيت صامتة. ثم جاء وقت الوداع. اقتربت لينيا أولًا. كانت خطواتها مرتجفة. وضعت يدها فوق الجرة الفخارية. وأغمضت عينيها. "كنتِ أجمل شيء حصل في حياتي." انكسر صوتها. "وسوف تبقي أجمل شيء." ثم انحنت وقبلت الجرة قبل أن تعود إلى مكانها وهي تبكي. بعدها تقدم زاك. بقي صامتًا للحظات طويلة. ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مليئة بالألم. "أنا فخور بك." همس. "فخور بك أكثر من أي وقت." وأغمض عينيه للحظة قبل أن يبتعد. أما لوكا... فتقدم ببطء. وبقي واقفًا أمامها. لفترة طويلة. طويلة جدًا. حتى ظننت أنه لن يتكلم. ثم ابتسم بخفة. "ماذلتي مدينة إلي بعشرين قطعة ذهب." خرجت ضحكة صغيرة باكية من لينيا. وأكمل لوكا بصوت مبحوح: "عندما ارأكي مجدداً... سوف أخدهم." ثم تراجع بسرعة قبل أن ينهار. واحدًا تلو الآخر. بدأ الجميع يودعها. كل بطريقته الخاصة. كل بكلماته الخاصة. وكلهم كانوا يحاولون قبول حقيقة واحدة. أن لافندر رحلت. رفعت رأسي بعدها. وبحثت بعيني بين الحاضرين. حتى وجدته. إيفان. كان يقف بعيدًا عن الجميع. وحيدًا. كما لو أنه لا ينتمي إلى هذا المكان. ولا إلى هذا العالم. كان ينظر إلى الجرة بصمت. ذلك الصمت الذي أصبح يخيفني أكثر من أي شيء. تنهدت بخفة. ثم مشيت نحوه. لم يلاحظني في البداية. وعندما وصلت إليه... أمسكت يده بهدوء. كانت باردة. باردة جدًا. رفع نظره نحوي ببطء. فمددت يدي الأخرى. ووضعتها على خده. لم أقل شيئًا. لم أكن أملك الكلمات المناسبة. فقط بقيت أنظر إليه. وأشعر بالحزن داخل عينيه. الحزن الذي كان أكبر من أن يوصف. ولأول مرة... خفض نظره. وكأنه لم يعد قادرًا على النظر إلى أحد. --- انتهت المراسم أخيرًا. وبدأ الجميع يعودون نحو القصر. ببطء. وبصمت. وكأنهم يتركون جزءًا من أنفسهم خلفهم. كنت على وشك الدخول مع البقية. لكنني توقفت. والتفت خلفي. كان إيفان ما يزال واقفًا هناك. أمام قبر لافندر. وحده. تنهدت. ثم عدت إليه. وعندما وصلت أمامه... أمسكت وجهه بين يدي. فرفع عينيه نحوي. كانت عيناه متعبتين بشكل يؤلمني. "إيفان." همست بهدوء. "لا تحمل نفسك كل الذنب." لم يتكلم. لكنني رأيت الألم يمر في عينيه. فأكملت: "ولا تلوم نفسك على كل شيء." ارتجفت شفتاه قليلًا. لكن الصمت بقي سيد الموقف. اقتربت خطوة أخرى. وقلت بصوت أكثر هدوءًا: "إذا كنت بتحبها حقاً..." توقفت للحظة. ونظرت نحوه مباشرة. "يجب أن تكون قوي." لمعت عيناه. أما أنا فأجبرت نفسي على الابتسام. رغم الدموع. "لأن لافندر كانت سوف تحزن كثيرا إذا رأتك هكذا." لثوانٍ طويلة لم يقل شيئًا. لكنه أغلق عينيه. وكأن كلماتي وصلت إليه أخيرًا. ربتت على كتفه بلطف. ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة. "هي لم تكن تحب أن ترى الناس ألتي تحبهم يتألمون." استدرت بعدها. وبدأت أمشي نحو القصر. لكن قبل أن أدخل... التفت مرة أخيرة. ورأيته ما يزال واقفًا أمام قبرها. ينظر إليه بصمت. إلا أن شيئًا واحدًا كان مختلفًا. لأول مرة منذ رحلت... لم يعد يبدو ضائعًا بالكامل. وكأن جزءًا صغيرًا منه... بدأ يفهم أن عليه الاستمرار. حتى لو كان قلبه ما يزال مكسورًا.الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر إيفان كانت القاعة ما تزال في حالة فوضى. الحراس يركضون في كل اتجاه. والخدم يحاولون تهدئة الضيوف. أما أنا... فلم أستطع البقاء ساكنًا ولو للحظة. كل ثانية تمر كانت تجعل غضبي يزداد. وخوفي على أنجلي يزداد معه. التفت نحو أمي. ثم نحو لينيا. وجدت لورين. وقلت بصوت حازم: "ابقوا معها." "ولا تتركوها وحدها." أومأت أمي فورًا. بينما وضعت لينيا يدها على كتفي. وقالت بهدوء: "سنعتني بها." لكنني بالكاد سمعتها. لأن ذهني كان في مكان آخر. عند الشخص الذي تجرأ على محاولة قتلي. وعند الشخص الذي جعل أنجلي تنزف بدلًا مني. التفت نحو لوكا. "تعال معي." لم يسأل لماذا. فقط تبعني فورًا. بعد دقائق... كنا خارج أسوار المملكة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم أغمضت عيني. وأطلقت حواسي. فورًا التقطت أنفي رائحة ذلك الذئب. ضعيفة... لكنها موجودة. همس إيف داخل رأسي: "دعني أتولى الأمر." هذه المرة... لم أعارض. وفي لحظة واحدة... استولى إيف على السيطرة. تحطم العظم. وتمدد الجسد. حتى تحولنا إلى ليكان ضخم أبيض كالثلج. أكبر من معظم الذئاب الملكية. وأكثر شراسة. ثم انطلقنا. ركضنا بين الأشجار ب
من وجهة نظر إيفان كنت ما أزال أنا ولوكا نتحدث عن الرسائل والتهديدات. وكان التوتر يزداد داخلي مع كل دقيقة. لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. وكأن عاصفة تقترب. وفجأة... "ألفا انتبه!" تجمد جسدي بالكامل. كان ذلك صوت أنجلي. رفعت رأسي بسرعة. وفي اللحظة التالية... رأيتها تركض نحوي. ثم... رأيت الخنجر. رأيته يخترق كتفها قرب قلبها. وتلطخ الدم الأحمر على فستانها الليلكي. توقفت أنفاسي. وكأن العالم كله توقف. لا أصوات. لا موسيقى. لا شيء. فقط... أنجلي. والدم. وفجأة... عادت ذكرى أخرى. ذكرى لم تفارقني منذ خمس سنوات. لافندر. وهي تقف أمامي. والسهم الفضي يخترق جسدها بدلًا مني. نفس الشعور. نفس الرعب. نفس العجز. وكأن القدر يسخر مني مرة اخرى. "لا..." همست بصوت مبحوح. "لا..." ثم انفجرت. "المعالج!" اهتزت القاعة كلها من صوتي. "أحضروا المعالج حالًا!" قبل أن أسمع رد أحد... كنت قد أمسكتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف. وخائفة. ومتألمة. لكنها رغم ذلك... كانت تنظر إلي. وليس إلى جرحها. وكأنها تريد التأكد أنني بخير. وهذا
من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" همست لنفسي وأنا أحدق في المرآة. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير. لأن احتفال النهر المقدس قد بدأ. وصلت إلى المعبد مع بقية الناس. وكان المكان مملوءًا بالشموع البيضاء والزهور الفضية. أما تمثال الإلهة سيلين... فكان يلمع تحت ضوء الشمس. أغلقت عيني. وضممت يدي إلى صدري. وصليت بصمت. "إلهة القمر..." "إن كنتِ تسمعينني..." "أرجوكِ ساعديني." "أريد أن أعرف من أنا." "ولماذا أشعر أن حياتي كلها كذبة." شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي. لكن لم يصلني أي جواب. بعد انتهاء الصلاة... بدأ طقس النهر. بدأ الجميع بالنزول إلى المياه الفضية. الرجال أولًا. ثم النساء. لكن كلما اقترب دوري... ازداد خوفي. لأن صورة البحيرة ليلة أمس لم تفارق عقلي. الفتاة ذات الشعر الأسود. والانعكاس الذي لم يكن انعكاسي. وفجأة...
من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن أنها لاحظت ذلك أيضًا. لذلك ابتسمت فجأة. وربتت على رأسي. "كفى تفكيرًا." "أمي..." "اذهب ونم." ثم أضافت بحزم: "غدًا يوم طويل." تنهدت باستسلام. "حسنًا." لكن حتى وأنا أعود إلى غرفتي... بقيت أفكر. في الرائحة. وفي أنجلي. وفي نظرات أمي الغريبة.*** في صباح اليوم التالي... استيقظت مبكرًا. ارتديت ملابسي. وثبت سيفي على خصري. وكنت على وشك الخروج. لكن فجأة... تحطم زجاج النافذة. استدرت بسرعة. ووصلت يدي إلى سيفي. لكن الشيء الذي دخل لم يكن سهمًا. بل حجرًا صغيرًا ملفوفًا بورقة. تجمدت. ثم التقطتها بسرعة. وفككت الورقة. وفي اللحظة التالية... اشتدت نظراتي. لأن الكلمات كانت مكتوبة باللون الأحمر. "وقتك يقترب من النهاية." "اليوم..." "سأنهي كل شيء." قبضت على الورقة بقوة. حتى تجعدت
من وجهة نظر إيفان كان الليل قد حل تمامًا فوق مملكة سيلينورا. أما أنا... فكنت أسير في ممرات القصر بهدوء. وأفكر. في الرسالة التي وصلتني. وفي الشخص الذي يحاول قتلي. وفي أنجلي. تنهد إيف داخل رأسي. "أنت تفكر بها مجددًا." تجاهلته. "أنت مهووس." "اصمت." ضحك الذئب بسخرية. لكن فجأة... توقفت خطواتي. وتجمدت في مكاني. لأن رائحة معينة وصلت إلى أنفي. رائحة جعلت قلبي يتوقف للحظة. الياسمين. والياسمين البري تحديدًا. تلك الرائحة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب. رائحة لافندر. اتسعت عيناي. حتى إيف صمت فجأة. بدأت أتتبع الرائحة ببطء. خطوة. ثم أخرى. حتى وصلت أمام أحد الأبواب. وتجمدت. غرفة أنجلي. كانت الرائحة تخرج من هناك. بقوة. أقوى من أي وقت مضى. حتى شعرت أن ذكرياتي كلها عادت دفعة واحدة. لافندر وهي تضحك. لافندر وهي تركض في الثلج. لافندر وهي تناديني بغضب. ولافندر... وهي تموت بين ذراعي. أغمضت عيني بق ثم طرقت الباب. مرة. مرتين. لكن بدلًا من سماع صوتها... سمعت ضجة من الداخل. صوت أشياء تسقط. وكأن أحدًا كان يركض داخل الغرفة.
من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تار
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظ







