Masukظل أحمد ممسكًا بالهاتف بعد أن قرأ رسالة ريهام.
"أنا عايزة نتكلم في موضوع الطلاق." كانت الجملة قصيرة، لكنها بدت له أثقل من كل الخلافات التي عاشها معها خلال الأشهر الماضية. جلس على الأريكة، ووضع الهاتف أمامه. لم يتصل بها. ولم يكتب لها. كان يعرف أن أي رد غاضب في هذه اللحظة قد يحول الأمر إلى شيء لا يستطيع التراجع عنه. دخلت كنزي من غرفتها وهي تحمل لعبتها. "بابا، إنت ساكت ليه؟" رفع أحمد رأسه بسرعة. ابتسم لها. "مفيش حاجة." اقتربت منه. "ماما كلمتك؟" تردد. ثم قال: "آه." "هترجع؟" نظر إلى وجهها الصغير. لم يستطع أن يخبرها بالحقيقة. قال: "لسه بنتكلم." جلست بجانبه. "هي زعلانة منك؟" "ممكن." "وأنت زعلان منها؟" ابتسم أحمد بحزن. "ممكن." فكرت قليلًا، ثم قالت: "طب اتصالحوا." ضحك رغمًا عنه. "لو الموضوع سهل كده، كنا عملناها." وضعت رأسها على كتفه. "أنا بحبكم أنتم الاتنين." ضمها أحمد إليه. "وإحنا بنحبك أكتر من أي حاجة." ظل يحتضنها، بينما كان عقله في مكان آخر تمامًا. كان يحاول أن يتخيل حياته لو أصبح الطلاق حقيقة. بيت بلا ريهام. طفلة تقضي أيامها بين والدين منفصلين. وهو الذي كان يحلم منذ سنوات بأن يعيش مع المرأة التي أحبها، وأن يكبر مع ابنتهما في بيت واحد. لم يكن أحمد يخاف من الطلاق نفسه. كان يخاف من الحياة التي ستأتي بعده. في المساء، اتصل بريهام. أجابت بعد لحظات. "ألو." "إنتِ جادة؟" عرفت ما يقصده. "آه." صمت قليلًا. ثم قال: "ليه؟" "علشان إحنا تعبنا." "كل الناس بتتعب." "إحنا بقينا بنوجع بعض." "وده سبب إننا نحاول أكتر." "حاولنا." "لا." "أحمد..." "لا، اسمعيني." كان صوته هادئًا، لكنه ممتلئ بالألم. "إحنا حاولنا نصلح المشاكل، لكن كل مرة كنا بنرجع نتكلم عن الفلوس والبيت والمستوى." "علشان دي مشاكل حقيقية." "وأنا ما أنكرتش." "أمال؟" "بس الطلاق مش حل لكل مشكلة." قالت ريهام: "يمكن يكون حل لينا." أغمض أحمد عينيه. كان يريد أن يقول لها إنها مخطئة. أنها ما زالت تحبه. أنه ما زال يحبها. لكن الكلمات لم تعد كافية. قال: "لو إنتِ عايزة الطلاق علشان بطلتِ تحبيني، قوليلي." سكتت. "ريهام، أنا محتاج أعرف الحقيقة." جاء صوتها منخفضًا: "أنا لسه بحبك." فتح أحمد عينيه. شعر للحظة أن قلبه عاد إلى مكانه. لكنها أكملت: "بس الحب لوحده مش كفاية." "عارف." "إحنا اتوجعنا كتير." "وأنا عايز أصلح." "وأنا مش عارفة أقدر أرجع زي الأول ولا لأ." "مش لازم نرجع زي الأول." سكتت. "نبدأ من جديد." قالت: "إزاي؟" "نتعلم من اللي حصل." "أنا تعبت." "وأنا تعبت." "يمكن إحنا محتاجين نبعد." قال أحمد: "إحنا بعدنا بالفعل." "أيوه." "والبعد ما حلش حاجة." لم ترد. تابع: "ريهام، أنا مش هضغط عليكِ." "يعني؟" "لو قرارك النهائي الطلاق، مش همنعك." ساد صمت طويل. ثم قالت: "إنت بتقول كده بسهولة؟" "لا." "أمال؟" "بقولها وأنا عارف إنك أغلى إنسانة في حياتي." تأثرت ريهام. قال أحمد: "لكن مش هقدر أعيش طول عمري وأنا بحاول أقنع حد يفضل معايا." لم تجد ما تقوله. أكمل: "أنا عايزك تفضلي علشان عايزة تفضلي." "وأنت لو أنا طلبت الطلاق هتوافق؟" صمت أحمد. كان السؤال أصعب مما توقع. قال: "هحاول أفهم ليه." "ولو كنت مصممة؟" "هحترم قرارك." كانت هذه الإجابة موجعة لها أكثر مما توقعت. كانت تتخيل أن أحمد سيغضب. أن يتمسك بها. أن يقول لها إنه لن يسمح لها بالرحيل. لكن هدوءه جعلها تدرك أنه وصل بالفعل إلى مرحلة من التعب لم تعد تعرف حجمها. قالت: "أنا محتاجة أشوفك." "متى؟" "بكرة." "تمام." انتهت المكالمة. في اليوم التالي، التقى أحمد بريهام في مكان هادئ. جلسا أمام بعضهما. لم يكن بينهما أي غضب. فقط ذكريات كثيرة. قالت ريهام: "أنا فكرت طول الليل." "وأنا كمان." "أنا مش عايزة أطلق." رفع أحمد عينيه إليها. لم يقل شيئًا. تابعت: "بس مش عايزة أرجع لنفس الحياة." قال: "ولا أنا." "أنا عايزة أحس إنك بتحاول." "أنا بحاول من زمان." "عايزة أشوف." "هتشوفي." "ومش عايزة كل مشكلة تحصل نرجع لكلام الطلاق." أومأ أحمد. "موافق." "وأنا كمان." ساد صمت. ثم قالت: "بس عندي طلب." "قولي." "ما تحسسنيش إني عايشة على قد إمكانياتك." تغير وجه أحمد. "أنا عمري ما عملت كده." "يمكن من غير قصد." "طب قوليلي أعمل إيه." "خليني أحس إننا بنكبر." ابتسم أحمد. "وعد." نظرت إليه. "إنت لسه بتوعد؟" ضحك بخفة. "المرة دي هوريكي." كانت ابتسامتها صغيرة. لكنها كانت أول ابتسامة حقيقية بينهما منذ فترة طويلة. في المساء، عاد أحمد إلى البيت. وجد كنزي تنتظره. ركضت نحوه. "بابا!" حملها. "وحشتيني." "إنت كنت فين؟" "كنت بتكلم مع ماما." سألته بسرعة: "هترجع؟" نظر إليها. ثم ابتسم. "إن شاء الله." احتضنته. "أنا عايزاكم تفضلوا معايا." شعر أحمد بأن عينيه امتلأتا بالدموع. قبّل رأسها. "هنحاول يا كنزي." في تلك الليلة، جلس أحمد وحده. فتح دفترًا صغيرًا، وبدأ يكتب. لم يكتب عن ريهام. ولا عن الطلاق. ولا حتى عن البيت. كتب عن العمل. عن أفكاره. عن الأشياء التي يستطيع أن يفعلها. كان قد اتخذ قرارًا جديدًا. لن ينتظر أن تتحسن ظروفه وحدها. سيعمل على تغييرها. وفي اليوم التالي بدأ بالفعل في البحث عن فرصة جديدة داخل عمله. لم يكن يعرف إلى أين ستأخذه. لكنه كان مستعدًا للمحاولة. وفي الوقت نفسه، كانت ريهام تجلس وحدها وتفكر في أحمد. لأول مرة منذ بداية الخلافات، بدأت تسأل نفسها سؤالًا لم تكن تريد مواجهته: هل كانت تريد فعلًا حياة أفضل... أم أنها كانت قد اعتادت النظر إلى ما يملكه الآخرون حتى نسيت قيمة الرجل الذي ظل يحبها ويحاول من أجلها؟ أما أحمد، فلم يكن يعرف أن القرار الذي اتخذه في تلك الليلة سيغير حياته كلها بعد أشهر قليلة. فهل ستكون محاولته الجديدة بداية لإنقاذ أسرته... أم أن الطريق الذي سيختاره سيأخذه بعيدًا عن ريهام وكنزي أكثر مما يتخيل؟ظل أحمد جالسًا أمام النافذة، والهاتف في يده.كانت رسالتا العمل وريهام أمامه، وكل واحدة منهما تسحبه في اتجاه مختلف.الرسالة الأولى تحمل فرصة انتظرها منذ سنوات.أما الثانية، فتحمل شيئًا لا يستطيع أن يضع له سعرًا.ابنته.فتح أحمد رسالة ريهام مرة أخرى."كنزي نامت وهي مستنياك."ظل ينظر إلى الجملة طويلًا.ثم فتح صورة كنزي الموجودة على هاتفه.كانت تبتسم في الصورة، وتمسك بيدها لعبة صغيرة.ابتسم أحمد رغمًا عنه.كان يعلم أن كل ما يفعله من أجلها.لكنه بدأ يسأل نفسه سؤالًا لم يجرؤ على طرحه من قبل:هل يمكن أن أبني مستقبلًا جيدًا لابنتي، بينما أخسر جزءًا من حاضرها؟أغلق الهاتف.لم يرد أن يتخذ قرارًا تحت تأثير مشاعره.في صباح اليوم التالي، ذهب إلى عمله مبكرًا.كان عليه أن يناقش تفاصيل العرض الجديد.جلس مع المسؤول عنه، واستمع إلى كل التفاصيل.المنصب سيكون أفضل.الدخل أعلى.والخبرة التي سيحصل عليها قد تغير مستقبله بالكامل.لكن هناك شرطًا واضحًا.سيحتاج إلى الاستمرار في البلد لفترة أطول.قال أحمد:"الفترة قد تكون قد إيه؟"جاءه الرد."على الأقل عدة شهور إضافية."سكت أحمد.عدة شهور.لم تكن سنوات.لكن بال
جلس أحمد وريهام في هدوء بعد أن نامت كنزي.كانت الليلة الأخيرة قبل عودته إلى عمله، ولذلك كان كلاهما يعرف أن الحديث الذي سيبدأ الآن لن يكون سهلًا.قالت ريهام:"إحنا لازم نكون صريحين.""أنا موافق.""من غير ما كل واحد فينا يحاول يطلع نفسه صح."أومأ أحمد."تمام."تنفست ريهام ببطء."أنا غلطت لما قعدت أقارن حياتنا بحياة شهد."لم يقاطعها."كنت بشوفها عايشة بطريقة مختلفة، وبقيت عايزة نفس الحاجة."قال أحمد:"أنا فاهم.""بس المشكلة إني نسيت إن مصطفى ظروفه مختلفة، وإن إنت كمان ظروفك مختلفة."ظل أحمد صامتًا.أكملت:"كنت شايفة إن الناس هتفتكر إننا أقل منهم.""مين الناس؟""العيلة.""العيلة كانت شايفانا كويسين.""أنا اللي كنت شايفة نفسي أقل."كانت هذه المرة الأولى التي تعترف فيها ريهام بذلك بهذه الصراحة.قال أحمد:"أنا كنت عارف إنك عايزة حياة أحسن.""أنا كنت عايزة حياة زي حياة أختي.""وده اللي وجعني.""عارفة.""مش علشان طلباتك.""أمال؟""علشان حسيت إن كل اللي عملته مش كفاية."خفضت ريهام رأسها."أنا آسفة."ظل أحمد صامتًا للحظات.ثم قال:"وأنا كمان."نظرت إليه."على إيه؟""على عصبيتي.""كنت مضغوط.""ده
ظل أحمد صامتًا وهو يستمع إلى صوت ريهام في الهاتف.كان واضحًا أنها مترددة.وهذا وحده كان كافيًا ليجعله يشعر بالقلق.قال:"ريهام، حصل إيه؟"لم تجب مباشرة.ثم قالت:"أنا مش عايزة أقلقك.""طالما بتقولي كده يبقى في حاجة.""مفيش حاجة خطيرة.""طب إيه؟"تنهدت."كنزي."اعتدل أحمد في جلسته."مالها؟""هي كويسة."تنفس براحة، لكنه ظل قلقًا."أمال؟"قالت:"بقت تسأل عنك طول الوقت."سكت."كل شوية تقول لي بابا هيرجع إمتى، وبابا ليه مش هنا، وبابا هييجي ياخدنا إمتى."قال أحمد:"أنا بكلمها كل يوم.""عارفة.""طب إيه المشكلة؟""المشكلة إن المكالمات مش كفاية."ظل أحمد صامتًا.كانت ريهام تقول شيئًا يعرفه هو بالفعل، لكنه لم يكن يريد مواجهته.قالت:"هي محتاجة تشوفك.""وأنا كمان.""أنا مش عارفة أشرح لها الغياب.""قولي لها إني بشتغل.""بقول لها.""وبعدين؟""بتسألني: هو الشغل أهم مني؟"أغمض أحمد عينيه.كانت تلك الجملة أصعب عليه من أي مشكلة واجهها منذ سفره.قال:"بتقولي لها إيه؟""بقول لها إنك بتحبها.""وده صحيح.""بس هي طفلة."سكت أحمد.ثم قال:"أنا هحاول أنزل قريب.""متستعجلش.""إنتِ اللي بتقولي إنها محتاجاني."
مر أسبوع كامل منذ عودة ريهام وكنزي.كان أحمد يشعر أن البيت أصبح أبعد مما كان عليه قبل الزيارة.لم تكن المسافة بينهما مجرد آلاف الكيلومترات، بل أصبحت هناك مساحة جديدة في داخله لم يعرف كيف يملأها.في السابق، كان يتعامل مع الغربة باعتبارها مرحلة مؤقتة.يعمل، ينجح، يجمع المال، ثم يعود.أما الآن، فقد أصبح يفكر في شيء مختلف.لم يعد يريد أن يعود فقط.كان يريد أن يعود بطريقة تجعل ريهام وكنزي تشعران بأن سفره لم يكن هروبًا من مشاكلهما، وإنما محاولة حقيقية لإصلاح ما أفسدته الظروف.في صباح ذلك اليوم، جلس أحمد أمام جهازه، يراجع تفاصيل المهمة الجديدة.كانت أكبر من السابقة، ومسؤوليتها أعلى.كلما قرأ التفاصيل، شعر أن الفرصة التي كان يبحث عنها بدأت تقترب.لكنها كانت تحتاج إلى وقت طويل.التقط هاتفه.كانت الساعة تقترب من موعد الاتصال بكنزي.قرر أن ينهي جزءًا من العمل أولًا.مر الوقت.ثم نظر إلى الساعة مرة أخرى.توقف.كان موعده معها قد مر.فتح الهاتف بسرعة.وجد رسالة من ريهام:"كنزي مستنياك."شعر بالقلق.اتصل فورًا.أجابت ريهام."أخيرًا.""أنا آسف.""هي من بدري بتقول بابا هيتصل إمتى.""هاتيهالي."سمع صوت
كان أحمد يعرف أن الأمر ليس بسيطًا.العمل الذي بدأ فيه منذ فترة قصيرة كان يتطلب منه إثبات نفسه باستمرار، وأي تهاون في هذه المرحلة قد يجعل الأشخاص الذين منحوه الفرصة يعيدون حساباتهم بشأنه.لكن كنزي كانت أمامه.كانت تجلس على الأرض وتلعب بهدوء، غير مدركة أن والدها يعيش صراعًا حقيقيًا بسببها.لاحظت ريهام صمته.قالت:"أحمد، إيه اللي حصل؟"وضع الهاتف جانبًا."في مشكلة في الشغل.""كبيرة؟""مش عارف.""عايزينك ترجع؟"أومأ."آه."نظرت ريهام إلى كنزي.ثم قالت:"لازم ترجع؟""مش عارف لسه.""طب اسألهم."أمسك أحمد الهاتف واتصل مرة أخرى.استمع لدقائق دون أن يقاطع.ثم قال:"تمام، فهمت."أنهى المكالمة.سألته ريهام:"إيه؟"قال:"في مشكلة في جزء من الشغل، والمفروض أكون موجود.""يعني لازم تمشي؟""لو مشيت دلوقتي، هقدر ألحق الموضوع."نظرت ريهام إليه."ولو فضلت؟""ممكن تتحل من غيري، وممكن لأ.""وأنت شايف إيه؟"تنهد."مش عارف."في تلك اللحظة، جاءت كنزي وجلست بجوار والدها.قالت:"بابا، إنت زعلان؟"ابتسم."لأ يا حبيبتي.""طب ليه ساكت؟""علشان بفكر.""في إيه؟"نظر إلى ريهام.ثم قال:"في الشغل."عبست."الشغل تاني؟
ظل أحمد ممسكًا بالهاتف بعد انتهاء المكالمة، وكأنه ينتظر أن تعود ريهام وتقول إنها كانت تمزح.لم يكن يتوقع أن تقترح عليه أن تأتي هي وكنزي إليه.منذ أن سافر، كان كل ما يريده هو أن يرى ابنته.كان يتخيل أحيانًا أن تدخل عليه فجأة، تركض نحوه، وتحتضنه كما كانت تفعل في البيت.لكن الخيال شيء، والواقع شيء آخر.عاد واتصل بريهام.أجابت سريعًا.قال:"إنتِ كنتِ بتتكلمي جد؟""آه.""هتقدري تيجي؟""لو رتبت أموري، آه.""وكنزي؟""هي نفسها اللي طلبت."ابتسم أحمد."مشتاق لها جدًا.""هي كمان."سكت لحظة.ثم قال:"وإنتِ؟"لم تجب مباشرة."قلتلك إني عايزة أشوفك.""عارف.""بس متفهمش الكلام غلط."ابتسم."أنا مش هفهم حاجة.""كويس.""بس أنا مبسوط.""أنا عارفة."انتهت المكالمة.جلس أحمد طويلًا يفكر.لم يكن يعرف كيف سيكون اللقاء.هل سيحتضن ريهام؟هل سيتحدثان عن الماضي؟هل ستكون الزيارة مجرد أيام تقضيها كنزي معه؟أم أنها قد تكون بداية لشيء أكبر؟قرر ألا يسبق الأحداث.كل ما كان يريده الآن هو رؤية ابنته.بدأ يبحث عن مكان مناسب لهم للإقامة خلال الزيارة، وحاول أن ينظم وقته حتى يكون متفرغًا قدر الإمكان.لم يكن يريد أن تصل







